عن معالم الحلم السوري …

ممدوح  بيطار:

*  لظروفنا  الآن  علاقة  وثيقة  مع    أوائل  القرن العشرين  , فمفهوم  الاسلام  السياسي لم يكن موجودا قبل   أوائل    هذا   القرن   , قد  يكون  المسبب  غلبة مفهوم  الكيان  أو الدولة  الدينية   حتى  ذلك  الوقت  , الفكر  القومي الاثني  الثقافي  كان   أقدم  عالميا  , الا  أن  رياح  الفكر  القومي  عصفت     في  هذه  المنطقة  في  مطلع  القرن  العشرين , شعوب  هذه  المنطقة  وجدت نفسها   أمام  تناقض   قومي – اسلامي  ذو  علاقة  بالهدف  المختلف والوسائل  المختلفة  , الدولة  العربية  والأمة   العربية   أو  الدولة  الاسلامية  والأمة  الاسلامية !! ,  كان  ولا يزال  هناك تباين في مفهوم  المواطنة  والانتماء بين  الفكر  القومي والفكر  الاسلامي , فجوهر  الفكر الاسلامي    أممي ,  بينما  جوهر  الفكر  القومي  هو  النقيض  من  الأممية .

اضافة  الى  العنصر  القومي  الجديد  والعنصر  الديني  الجديد ,  أتى   الغرب   بعنصر  آخر  هو  العلمانية  , خاصة  بعد  انهيار   الخلافة  العثمانية     أوائل  العشرينيات  من  القرن  الماضي , اضافة  الى  العنصر الثالث  ولد عنصر رابع  تحت  تأثير   الحداثة   الأوروبية  متمثلا  بالتيار  السنهوري  الذي  اعتبر  القوانين  المدنية  الوضعية    امتداد  لتعاليم  الوحي  , ساعده في  ذلك  الوقت  رفااعة  الطهطاوي  ومحمد  عبدو   وفئة  من  المسيحين   كنجيب  العازوري  وبطرس  البستاني  وابراهيم  ونصيف  اليازجي    وغيرهم  من المؤسسين  للمؤتمر  العربي  الأول عام ,١٩١٣,  هؤلاء   رفعوا  شعار  تحرير  العرب  من  الاستعمار  العثماني,وذلك  على  العكس  من  الاسلاميين الذين  تبنوا   مبدأ  “الاستكانة”  تجاه  الاحتلال  العثماني  , وذلك    بالرغم  من   تكريس  الاحتلال  العثماني  للتخلف   والظلم  والاستغلال…  سفر  برلك ..لاعلم  ولاتعليم …  طائفية  ..عنف  واجرام سليم  الأول, ثم ما شهدته  ساحات  دمشق  وبيروت  من تعليق  الناس  على  المشانق .

حتى  حملة  التتريك  التي  قادتها  جمعية الاتحاد   والترقي , لم تؤثر  على  سلوك  الاسلاميين  الموالي للخلافة  المقدسة ,  الذي  تحول   الآن  الى  موالاة  لتركيا   كخلف   للخلافة  وواعد  باحيائها  (أوغلو)  , بينما  ازداد عمق  الهوة بين  الخلافة  وبين  القوميين , بقي  الاسلاميون  أوفياء   للخلافة     الى    أن نجح  الغرب   بطرد العثمانيين  من  البلاد  العربية    , هنا  أريد  التنويه  الى   أن  مايسمى  الثورة  العربية  الكبرى   لم تكن  الا  يافطة  وخدعة  ,لم  يكن  للحسين   أهداف  تحريرية    وانما  اراد مملكة  له  في  الحجاز  , ولم يكن  ضد  الخلافة   لأنه     قد  أعلن  نفسه  خليفة  عام ١٩٢٤  , ولم   ينشق  من  الجيش  التركي   ٢٠٠٠٠  عسكري  كما  وعد  الشريف ,   ومن قاتل  كان  بالدرجة  الأولى  والرئيسية مرتزقة بريطانية  (مساجين) , الطرد  الحقيقي   كان على يد  الحلفاء وخاصة  الانكليز, لقد كانت  حرب الجواسيس   والسجناء  بقيادة  لورانس  وبمشاركة  بعض  القوميين  من بلاد  الشام.بالخلاصة  لم  يكن  الشريف حسين   عربيا قوميا  , وانما  اراد  الاشتراك مع  الانكليز  في  الحرب   ضد العثمانيين , لأن  العثمانيين  ارادوا عزله  , ولم يكن  الشريف حسين   ضد مبدأ  الخلافة    لأنه  اعلن  نفسه خليفة   عام ١٩٢٤  بعد  أن  ألغى  أتتاتورك  الخلافة ,فالتمرد  لم يكن تمردا  عربيا  ضد  المحتل  العثماني,لقد كان   هدف  التمرد هو الاحتفاظ  بعروش  قصبية   أو  تأسيس  عروش  قصبية , في  سبيل  ذلك تم تسويغ  التمرد  وطنيا   وقوميا , لما   انتهى دور  الحسين   انهى  الانكليز  وجوده   وأذلوه  ,  وأجبروا زوجته   أو احدى  زوجاته  على  الوقوف   أمام  القاضي البريطاني   سافرة ,  وحتى  أولاده تخلوا  عنها  بضراوة  غير  مألوفة  ,

من  العار  اطلاق   تسمية   الثورة  العربية  الكبرى  على تمرد  الحسين  الذي   كان  مأجورا , بريطانيا  قدمت  له  الأجر   بشكل  مال  ذهبي  ومساعدات    لأخرى   كالطحين  والسكر    وغير  ذلك  من  المواد   , هدف  الحسين    لم يكن رفع  الظلم  والتحرير  وانما  تحقيق  مكاسب  شخصية , لم  تتحقق لسوء حظه ,ضحك  الانكليز عليه  وبعد  انتهاء مهمته جرى  عزله واهانته بشكل غير  مسبوق .

القصد  من هذا  العرض  الموجز  هو الاشارة  الى   ازمان  أزمة  الانتماء الوطني  في  هذه البلاد  ,خاصة  انتماء  الاسلاميين , الذي كان عثمانيا  قبل  الحرب  العالمية  الأولى وبعدها  مباشرة  وذلك حتى عام ١٩٢٨  على الأقل , هناك  من يحلم لحد الآن  بهذه  الخلافة ويتحسر  على  نهايتها, ويتقبل   حتى  تركيا    الجمهورية  كبديلا  عنها ….ما   أكثر من   المرحبين  باقتطاع  تركيا   لأجزاء  من  سوريا , وما   أكثر  من   المناشدين    “باتباع ”  سوريا  لتركيا   اقتصاديا  وسياسيا  (العثمانيين  السوريين   الجدد ), كل   ذلك تطور   بعد  فشل   مفاهيم  الدولة  الاسلامية , التي روج   لها   حسن  البنا وسيد  قطب في  اطار  مفهوم  الاسلام  كدين  ودولة   ,   قيام دولة  اسلامية  يستلزم  القضاء  على    الدولة  الاقليمية  كسوريا , ويستلزم  ممارسة  تخوين  مفهوم  الوطن الذي  يتنافس  مع  الاسلام  السياسي ومع  الفكر  القومي  على  موقع   الانتماء   الأول  , الاسلام السياسي  والقوميون  يريدون    احتكار  الانتماء  الأول  , والدولة  الوطنية  تريد  احتكاره , وبنتيجة   التطاحن  بينهم   اندثرت  الأوطان  تحت  ضربات  الاسلام  السياسي والفكر  القومي  العربي , الذي وجد  وطنه  في   الدولة  العربية ,  أي خارج حدود  الوطن  السوري  ,لم يتحقق  لهم  مايريدون  …خسروا   الدولة  القطرية  …وتحولوا  الى  مشردين   سياسيا  بدون وطن  اسلامي  أو  وطن عربي …الوطن  الجغرافي    سوريا   كان  ولا يزال  بالنسبة  لهم  مكانا  للسكن والانتظار  لحين   تتحقق   أحلامهم  الاسلامية   أو  القومية   العربية ,  سوريا   بنظرهم  عاهرة  ابنة  عاهرة , اسلاميا اعتبرت  سوريا   كوطن     صنم , وعبادتها  موازية  لعبادة  الأصنام  ,  قوميا  عربيا مثلت   سوريا  ظاهرة   “تشرذم”, وما  القضاء  على  التنشرذم  سوى خطوة   في  التوجه   الى  الوحدة   العربية ..

انتماء  الاسلاميين   للخلافة  العثمانية وللدولة  الاسلامية    كان   أقوى  من  انتمائهم   للمحيط  العربي   بشكل عام ,  وبعد ذلك  للدول  الخمسة  التي   اقامها  سايكس  بيكو ومنهم سوريا ,  بهذه  المناسبة  من  الجدير  والضروري طرح  السؤال  التالي : كيف  يمكن  الاستكانة    للاحتلال   العثماني   مدة  ٤٠٠ سنة دون   أي  تمرد  او  ثورة  , مع  العلم  بأن  التاريخ  لايعرف  استعمارا    أكثر  همجية من  الاستعمار  العثماني؟ الاستكانة  غير ممكنة  دون  شعور  الاسلاميين بأن الخلافة الاسلامية  هي وطنهم  الجدير  بالبقاء   او  الدولة  الاسلامية  الجديرة  بالانشاء ,  لاعجب  من  اندثار  دولة  لاينتمي   سكانها  لها  وانما  لكيانات  افتراضية  خارج حدودها , لقد اندثرت  سوريا  وكم  أأمل باعادة  اقامتها  كدولة متماسكة  وقوية  عصرية   , اقامة  دولة  يتطلب  الى  جانب   الجغرافيا  لشعب  ينتمي  لهذه  الدولة  , هذا يعني  ضرورة  خلق  ادراك  وانتماء  سوري  عند من يسكن هذه  البلاد , الأوراق  الثبوتية  لاتكفي  لتحديد  وتعريف واثبات  الهوية السورية , الأمر يتطلب  أكثر من ذلك بكثير , خبرة  القرن  الأخير تقول  بأنه  لايمكن  للحلم  السوري  أن يكون عربي   أو اسلامي ,انما  سوري   بالدرجة والمكانة  الأولى!.

  •  فرانز  مارك    …الحلم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *