ممدوح بيطار:
* لايولد الفساد فجأة, خاصة على يد فرد أو افراد , فللفساد علاقة مع القيم الاجتماعية وتعريفها ومضامينها , ولا يمكن بناء على ذلك الا أن تكون مجتعاتنا فاسدة , والشخص الذي نتهمه بأنه رعى الفساد وأنتجه , انما هو حقيقة بوجوده ومسلكيته من منتجات الفساد, انه نتيجة وليس سببا .
مجتمعاتنا بدوية الحضارة , والبدوية سادت وارتشحت وانتشرت بكامل خصائصها ومعالمها حتى في الحضر , الذي تحول بعكس ماينتظر منطقيا وطبيعيا الى البداوة , وللبداوة العديد من الخصائص , منها ومن أهمها مسألة العيش أي المسألة الاقتصادية , التي ابتكرت لها البداوة حلا يتمثل بالحصول على الرزقة عن طريق السطو والقنص أي غنائم الحرب , التي اعتاش البدو وقبائلهم منها , والتي كانت الموجه والمشجع الرئيسي للعديد من تطورات الخلافة الاسلامية , فغزوة اسيانيا بدأت بتجربة الأمازيغي طريف الناجحة في الحصول على الغنائم خاصة السبايا , وبناء على غزوة طريف ولدت غزوة طارق بن زياد , وبناء على غزوة طارق بن زياد ولدت عزوة موسى بن نصير , الذي جاء بأكبر عدد عرفته الخلافة في دمشق من المنهوبات والسبايا ,وعلى غزوة اسبانيا يمكن قياس الغزوات الأخرى , التي نظمت من قبل الخلافة بشكل مشجع لانخراط البدوية في الغزو ,لقد ابتكرت الخلافة طريقة لتقاسم الغنائم بينها كرب عمل وبين المجاهدين البدو , للفريق الأول الخمس , وللفريق الثاني أربعة أخماس , بذلك يعتبر اكتفاء كيان الخلافة الشمولي بالخمس تنازلا وسخاء كبيرا , الا أن الخلافة كانت على قدر كبير من الادراك والمعرفة بطبيعة البدوي , الذي لايحرك ساكنا دون حصة من الغنائم .
فلسفة الغنائم وفلسفة مفهوم الحق البدوي هي المؤسس الرئيسي للفساد أو على الأقل للقابلية على ممارسة الفساد , فالبدوية ترى بأن الغنائم هي حق طبيعي للبدوي الذي دفع أصلا ثمنها “فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا” , والثمن هو الجهد المبذول في الحصول على الغنيمة نهبا أو سطوا أو ابتزازا!! , وهكذا لاترى البدوية في الغنيمة سرقة أو ماشابه , الغنيمة حلال زلال على البدوي , لا تزال عقلية الغنائم وفلسفة الحق البدوي مهيمنة حتى هذه اللحظة , وممارستها تتم تحت الاسم العصري “تعفيش” أو برطيل أو سمسرة أو واسطة أو نهب الدولة , , لايقتصر التعفيش على العفش المنزلي , فضرائب الدولة بمبرر شكلي كضريبة الحراسة مثلا هو تعفيش رسمي , فواتير رامي مخلوف تعفيش , سرقة أموال الدولة , التي هي أموال الشعب هو تعفيش لجيوب الناس , تعفيشة رفعت الأسد للبنك المركزي كانت فاشلة لأنه وجد خزينة فارغة.. يمكن وضع كل مايتم نهبه زورا في مصنف التعفيش .
لايفسح الفساد أو عقلية الحق البدوية المجال الا لتغيير باتجاه فساد أعظم , بجلابية أخرى قد تكون بيضاء , حيث يتراءى للبعض بأن الفساد في طريقه الى الزوال , هنا يظهر الفرق بين الناظر والفاحص , الناظر يري بياض الجلابية والفاحص يكتشف ماتحت الجلابية , الفاحص يقول بأن عقلية المجتمعات البدوية لاتستطيع مكافحة الفساد بقدر ما تمكنه وتأصله , ولايمكن لأي اصلاح أن يحل محل الفساد الا أذا توجه الى العقلية والى ظروف الانتاج كمصدر للرزق , لأن الفاسد رجل غنائم الحرب سابقا ورجل التعفيش أو الفساد الاداري لاحقا لاينتحر طوعا , ولا يقبل كبديل عن الفساد الا فسادا أعظم يتناسب مع ارتفاع تكاليف معيشته .
الفساد ثقافة متعضية في جسد البدوية المهيمنة على عقلنا ووجداننا حتى اليوم , هذه الثقافة تمكن بدوي الحضر من اختراق أي قانون والالتفاف عليه , وحتى انه ليس بامكان اي قانون ضبطه مهما ارتفع مستوى العقوبة ,لايمكن ازالة الفساد المالي والاداري الا بتربية جديدة مترافقة مع ظروف معيشية تؤمن شكلا اقتصاديا مقبولا للكسب , والتجارب في المجتمعات العربية الاسلامية خير دليل على ذلك , حيث أثبتت الفرمانات والمراسيم والقرارات عدم فاعليتها لأنها لم تترافق مع معالجة الفساد الثقافي وفساد المفاهيم ثم مع تأمين ظروف معيشية مناسبة , تلعب حرية الراي التي تتضمن النقد والمراجعة دورا مهما جدا في معالجة داء الفساد , ولايصلح الفساد الاجتماعي الثقافي الا زرع توازن بين الحقوق والواجبات أي ضمان العدالة الاجتماعية , جوهره تقدم ممارسة الواجبات على اكتساب الحقوق , ثم تأمين ظروف تمكن الانسان من تأمين حاجته المادية عن طريق العمل المنتج , وليس عن طريق النهب المبارك والذي يسمى حلالا زلالا للتنعم به .
هناك ضدية بين العقلية البدوية وبين مغامرات الجديد والتجديد , فالعقلية البدوية لاتعرف الا مضغ ثقافتها واجترارها واعادة انتاجها بنفس القالب والقلب , عقلية محصنة ضد استنهاض رشد جديد وثقافة جديدة وقيم جديدة ,تسيطر على ازدهار الفساد أحكام التغذية المتبادلة , العقلية تنشط الفساد والفساد ينشط العقلية , ومن الصعب فصم هذه العلاقة المتبادلة بين ريع الفساد وانحطاط العقلية , المهمة صعبة الا أنه لامناص من النجاح بها , الفشل لايعني أقل من الاندثار والموت .
*توحش
