ممدوح بيطار :
* هذه اللوحة الرائعة هي من أفضل اعمال الفنان الفرنسي(جوزيف ديزيريه كور) ,لوحة الطوفان مستوحاه من سفر التكوين !!, سبب التعرض للوحة الرسام الكبير كان نشر هذه اللوحة في سيريانو , التي قال عنها ناشرها بانها ممثلة لحال سيريانو , لقد كانت هناك تفسيرات لهذه اللوحة من قبل البعض , اعتقد بأن التفسيرات لم تكن صائبة للأسف .
اللوحة معبرة عن عصر ماقبل النهضة في أوروبا ,ولا علاقة مباشرة لها مع التاريخ العربي-الاسلامي , الا أن ناشر اللوحة اسقط هذا العمل الفني على سيريانو وبالتالي أخطأ الهدف, لما كانت اللوحة مخصصة لتصوير واقع الشعوب حضاريا , لذا يمكن اسقاط دلالات هذه اللوحة على واقعنا الحالي , الممثل لمرحلة ماقبل النهضة , التي ننتظرها على أحر من الجمر, فالوضع الذي تتواجد به شعوب هذه المنطقة هو وضع مذري , وله علاقة مؤكدة مع الاسلانم السياسي , كعامل من عوامل التأخر العديدة التي انتجت السبات الحضاري العربي الاسلامي , المؤسس على عدة ركائز منها ركيزة فقر الفكر الذاتي الناقد , أو حتى انعدامه في ظل القداسة والتقديس , الذي لايسمح بالنقد , لأن النقد كفر , بالمجمل يمكن التحدث عن عن تطور “معاق” , قاد الى تعثر مستمر لايتناسب ممع تطلعات الناس .
لهذه اللوحة العديد من الدلالات , ولو بدأنا بالمنقذ وتلوين رأسه بالأسود , وما هي دلالة تلوين الرأس بالأسود , يقول نقاد الفن بأن ذلك تعبير عن التفكير الظلامي والجهل المستولي على رأسه, يحاول المنقذ من الغرق بماء الطوفان انقاذ كهل متواجد في آخر ايامه , الكهل بسترته الحمراء هو ممثل للتراث والمعتقدات الخاطئة , التي فقدت صلاحيتها , المنقذ المتمسك بمحاولة انقاذ الماضي الذي يمثله الكهل “رجل الدين”, لايأبه بطفله وبالمرأة الذان يمثلون المستقبل المعرض للغرق … انها رمزية لمحاولة احياء الماضي والتنكر للمستقبل … هذا مايسمى في هذه البلاد بعث الماضي من جديد , ليكون حاضر ومستقبل شعوبنا (الجهل المقدس ) .
كانت الحجة هي الاعتقاد الخاطئ بجودة هذا الماضي , الماضي هو كالكهل الذي يغرق …انه ميت بدون غرق ! العجوز يمثل الجهل المقدس المتواجد في آخر زمانه وحياته ولا مستقبل له , محاولة انقاذه كان دلالة على تمسك الجاهل بتراث بائد وسيئ , انه دلالة على تمسك الانسان بمعتقدات خاطئة او فاقدة الصلاحية ,انه دلالة على جهل مضاعف متمثل بمحاولة انقاذ الماضي , وعدم الاهتمام بالحاضر والمستقبل الذي يتعرض للفرق …. الزوجة الفتية الجميلة وطفلها ….. يغرقون ,
لامنطق في النزعة الاسلامية لاستحضار الماضي كتلة واحدة كاملة ومتكاملة , اضافة الى ذلك مقدسة , لكون اطارها العام ديني وغير قابل للتطور والتأقلم مع ظروف الحياة المتغيرة , ولا منطق اطلاقا من انتقاء اسوء ما تضمنه هذا الماضي ليكون حاكما ومهيمنا ومستعمرا للحاضر والمستقبل … الخلافة … قضية المرأة … تشييئ الانسان … دور الخالق من تعيين ولي الأمر ..الشريعة … العادات التقاليد البالية …الخ , لقد تميز العرب عن غيرهم من الشعوب في خياراتهم الخاطئة وميلهم الغير مفهوم للرداءة والسيئ , فمن الماضي العربي الاسلامي اختاروا الميل للتحارب والحروب ثم العنف والعنصرية والثأر والفردية والعنجهية والابتعاد عن الموضوعية والانفصام وازدواجية المعايير والعداء للآخر الذي يعلن في معظم خطب الجمعة , ثم الميل الى الاقصاء والشخصنة والنزعة العشائرية والمجتمع الأبوي , حتى أنه أصبح من الصعب الطعن في توصيفهم من قبل ابن خلدون في مقدمته المعروفة .
لافائدة من تزييف وتزوير الماضي بشكل عام , انه شبه ميت كعجوز اللوحة , الفائدة العظمى تكمن في امكانية التصالح مع الماضي , بدفنه بسلام بجنازة لائقة , والتصالح لايتم اطلاقا مع كل هذا الماضي , وانما مع بعض جوانبه المفيدة والتي لايمكن التعرف عليها الا بعد النبش والتفكيك , الذي لايهدف الى تشنيع الماضي فعلى الميت لاتجوز الا الرحمة , فالنبش والتفكيك هو عملية فكرية فلسفية تاريخية بمنتهى الرقي والضرورة ليس فقط للحاضر والمستقبل , وانما للماضي الذي يزداد تألقا وعقلا وحكمة بعد تنقيته من الشوائب الشنيعة .
محور التفكير الديني ومدعي القداسة المنغلق على ذاته هو صناعة ثقافة الضدية , انه محور جامد وعاجز عن التفاعل ألخلاق مع ظروف الحياة المتجددة , انه محور محارب ومتنكر لكل ماهو جديد , محور يريد الغاء الزمن الذي يقارب ال1400 سنة , وكأن شيئا لم يحدث في تلك القرون , الغاء الزمن هو أمر يرفضه العقل والتاريخ , ومن يرفض الزمن وحيثياته يضع نفسه خارج التاريخ .
* جوزيف ديزيريه كور
