الماركسي أنطون سعادة !

نيسرين   عبود , جورج  بنا ,سيلفيا   باكير :

  دورة الحياة الاجتماعية ـ الاقتصادية  عند  سعادة  !
يجمع سعادة في مؤلفه ” نشؤ الأمم ”, دوركهام وماركس وفيبر إضافة لمجموعة كبيرة من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا ,لذلك فإن البحث في هذا المؤلف العظيم على نحوٍ مقارن, خلافا لما سبق في استعراضنا لمؤلفات دوركهايم وماركس وفيبر, وحتى يتسنى لنا البقاء في فلك محور دراستنا هذه(اجتهاد في مصطلح الاقتصاد القومي الاجتماعي ) ومقولتي سعادة ” الدورة الاجتماعيـــــــة ـ الاقتصاديـة ” و” الانسان ـ المجتمع ” .
لا بد لنا من التنويه من أننا سنتناول المادية الديالكتيكية والتاريخية قبل تناولنا للوظيفية والفيبرية نظرا لأن الأخيرتين لا تتناولان المجتمع في سياق التطور بل من حيث هو كيان موجود بالقوة,وهذا ما يدفعنا لمناقشة تلك الرؤيتين من خلال نشؤ الأمم بالدرجة الأولى وما كتبه سعادة وتناوله في مختلف مقالاته ودراساته وأبحاثه .

التطور بما يعنيه من التغير أو التبدل أو التكيف أو الانتقال .. وجميعها مرادفات تنحى منحى أن لا شيء يبقى على حاله , بما يعني أن سمة الحياة بأي معنى أُخذت به , تبقى في حركتها تتطور نحو المجهول الذي يدفعنا مرغمين للبحث في ما قد يكون عليه في محاولة لطمئنة أنفسنا لما نحن مقبلون عليه,فإذا كانت هي  الحقيقة التي لا جدال فيها ، فالسؤال يبقى : لما هو الوجود على هذه الحال غير المستقرة أو القلقة أو المضطربة أو التي لا تهدأ في تبدلاتها وتغيراتها وهل هي كذلك لأنها في حركتها الدائمة المستمرة نحو المجهول تضعنا أما تساؤلات لابدَّ من طرحها في محاولة لضبط ايقاع هذه الحركة بما يُطمئننا ويضعنا على طريق الاستقرار لما نحن آيلون إليه ؟

لربما كان ما تقدم هو الهاجس الذي شغل فكر مختلف الفلاسفة  على مختلف العصور المعروفة, والذين حاولوا بجهد ملحوظ  أن يطمئنونا لصيرورة تضعنا أما حقائق لا بدَّ لنا من تقبلها مهما تكن مواقفنا منها , وفي محاولاتهم ـ الفلاسفة ـ على مختلف ما أثاروه من موضوعات , أبقوا  السؤال دون إجابة شافية تثلج صدر الانسان… التائق دوما الى الطمأنينة لما قد ينتهي إليه, ذلك أنهم لم يتفقوا على إجابات  تستقيم  الى حدٍ ما بعضها مع بعض , بل إننا لنجد أن ما نعانيه في مشكلة الوجود ينعكس في مختلف الإجابات المتناقضة الى هذا الحدِّ أو ذاك,

بما يدفعنا للاعتقاد بأن السياق الحركي للوجود إنما يتجه لما هو مقرر في حقيقته التي تبدو مستعصية على الفهم حتى الآن , ليس لأنها طلسما لا يمكن فكَّ رموزه بل لآننا لم نفقه بعد كيف نحاوره ,أو لأننا نحاول سبر أغواره بأدوات لم تزل بدائية رغم ما نعتقد من أننا بلغنا درجة من الوعي والفهم تمكننا من ذلك .والحال , فإذا كان ما ” يمكن أن يكون ” غير متاحٍ لنا بأدواته ,فإن ” ما هو كائن ” يملك أدواته , التي رغم التباس ما فيها من اشكالات,تبقى هي المتاحة لنا في ” ما كان ” ,وعليه  فإننا مطالبون بالتدقيق في ما “ما كان ” لفهم الحركة التطورية التي انتهت لما ” هو كائن ” فلعلنا نتمكن من صياغة بعضٍ من قوانين التطور التي يمكن لها أن تشكل القاعدة التي لا غنى لنا عنها لضبط ايقاع حركة التاريخ في صيرورته, أي أن علينا استقراء الماضي لمعرفة كيف آل بنا الأمر الى ما نحن عليه الآن, في محاولة لرسم بعض ملامح الآتي بما قد يساهم في استقرارنا لما نحن آيلون إليه, ما عدا ذلك تبقى اجابة سعادة عليه ” من يدري ” في ذمة   المستقبل  الآتي , دون أية حتمية  تتبناه , على نسق الماركسية والأديان .

فـعلى الرغم مما أصاب الماركسية من تراجع سياسي اثر انهيار الاتحاد السوفيتي, فإنها لما تزل قائمة بصيغتها ” الماوية ”  المحدثة  في الصين ، وبعض البلدان الأخرى  لربما  جزئيا  كوبا, بل ومنافسة قوية للغرب ـ الأوروبي والأمريكي ـ بقوة لم يعهدها الأخير من قبل , وأن ما قيل ويقال عنها من أنها انتهت بانتهاء السوفيت ليس سوى ذرٍ للرماد في العيون,فما يخشاه الغرب ليس سواها ممثلة بالاقتصاد الصيني وبالمقاومة التي أبدتها كوبا لأكثر من نصف قرن لمحاولات الغرب بشقيه إسقاطها .. من هنا فنحن في مقاربتنا للماركسية والقومية الاجتماعية نبقى في ” ما هو كائن ” في ضوء “ما كان ” وليس في ” ما قد يكون ” . الخلاف الفلسفي بين ماركس وسعادة يكمن في ثنائية ماركس وثلاثية سعادة ، ونضيف هنا ما يتعلق بحركة التاريخ البشري,بين الثابت والمتحول والتابع ,حيث يكمن الخلاف بـــأجلى مظاهره ،
وعلى الرغم من هذا الخلاف , فلا شك أن هناك كثيرا من النقاط التي يلتقيان فيها :
1 ـ تؤكد  النظريتان  على وحدة الوجود بشقيه المادي والانساني, اذ أن مصطلح ” المدرحية ” الذي يستخدمه سعادة في التعبير عن فلسفته,يدلُّ دلالة واضحة على أن الوجود بشقيه المادي والنفسي هو في وحدة لا تنفصم عراها رغم مختلف تجلياته التي تبدو في ظاهرها مغايرة بعضها لبعض .
كذلك الماركسية ، عندما تقرّ بأن الوجود ” كيانا كليا مرتبطا ارتباطـا لا ينفـصم تكـون فيـه الأشـياء والظواهر مرتبطة ارتباطا عضويا وتعتمد إحداها على الأخرى وتقرر إحداها الأخرى.”
2 ـ من حيث أسبقية الوجود على المعرفة يقول سعادة : ” أنّ المادّة تعيّن الشّكل ” ويضيف ” لا يمكننا أن نتصور وجوداً بلا معرفة, فلا يمكننا أن نقول إن لأي وجود مفترض, غير مدرك بالمعرفة، قيمة الحقيقة,لأن الحقيقة قيمة إنسانية نفسية والإنسان هو وحده الذي يميز بين الحقيقة والباطل ( الوهم ) بالمعرفة ..” وفي ذات الاتجاه توكد الماركسية على أنه ” ليس وعي الإنسان ما يقرر وجوده,  بل  على  العكس  , وجوده المادي هو الذي يقرر وعيه”.
3 ـ تذهب النظريتان على أن فكرة الخلق المستقل والمباشر لا تقدم الدليل اللازم والكافي على كيفية ظهور الانسان بل وأن ما تقدمه من بينات في هذا الصدد قد أثبت العلم بطلانه بطلانا مطلقا يقول سعادة :” أمّا أنّ الإنسان نشأ بالتّطوّر فما لا جدال فيه وأمّا كيفيّة حدوث التّطوّر, أكان بتجمّع تغيّرات بطيئة تحت تأثير البيئة المتطوّرة أم بالتّغير الفجائيّ استعداداً للدّخول في بيئة جديدة فممّا لم يتّفق عليه العلماء لحاجتهم إلى استكمال اختباراتهم. وقد كانت النّظريّة الأولى القائلة بالتّغير البطيء وفاقاً للانتخاب هي السّائدة,ولكنّ نفراً من العلماء الحديثين يعتقدون بسبق التّطوّر لموافقة البيئة وبحدوثه دفعة واحدة ” أما الماركسية فتنهي الجدال في هذا الموضوع بالقول : ” الإنسان، كله نتاج عملية تطور كانت في تقدم ملايين السنين”.
4 ـ اذا كان الانسان قد نشأ بالتطور , فمراحل هذا التطور تبدو واحدة في كلتا النظريتين , فسعادة يقول بالمرحلة المتوحشة أو البدوية ومن ثم بالمرحلة السابقة للعمران وأخيرا المرحلة العمرانية, في الماركسية نجد المرحلة الوحشية ومن ثم المرحلة البربرية وأخيرا المدنية .
5 ـ تكاد العينات التي تقدمها كلتا النظريتين في مختلف مراحل التطور أن تكون واحدة حيث الانسان لاقط ثمار وجذور نباتات ومن ثم صيادا مكتشفا للنار مستأنسا بها بعض الحيوانات مستقرا في الأرض حيث مقومات الحياة أوفر مخترعا للمحراث زارعا حيث وفرة الانتاج ادت لاختراع العجلات ناطقا مخترعا للكتابة متقدما في الصناعة ومن ثم للتجارة …
6 ـ تتفق النظريتان على أهمية العامل الاقتصادي في الحياة الاجتماعية بمختلف مراحلها , يقول سعادة :” لا بدّ لنا .. من تقرير حقيقة ضروريّة لفهم تركيب المجتمع والأحوال الاجتماعيّة على إطلاقها وفي أكثر أشكالها تعقّداً, هي حقيقة الضّرورة الاقتصاديّة للاجتماع البشريّ, فالرّابطة الاقتصاديّة هي الرّابطة الاجتماعيّة الأولى في حياة الإنسان أو الأساس الماديّالذي  يقيم الإنسان عليه عمرانه ..”ويضيف :” فالاقتصاد هو نقطة الابتداء في بحث حالات الاجتماع حتّى إنّنا نرى الحالة الاقتصاديّة تؤثّر على الحالة البيولوجيّة أحيانا, والتّطوّر الاجتماعيّ هو دائماً على نسبة التّطوّر الاقتصاديّ..” يتابع مؤكداً :” إنّ رابطة الإنسان الاجتماعيّة الأولى هي الرّابطة الاقتصاديّة.” أكثر من ذلك يصر على أن ” الرّابطة الاقتصاديّة أساسا للرّابطة الاجتماعيّة البشريّة..” أنّه إذا كانت الرّابطة الاقتصاديّة أساس الرّابطة الاجتماعيّة البشريّة, فالعمل ونظامه التعاونيّ مصدر نظام الاجتماع وأساس بناء المجتمع..”
ونجد في الماركسية الاتجاه ذاته يقول ماركس :” . وكيفما يكون أسلوب إنتاج مجتمع ما، هكذا يكون، بصورة أساسية المجتمع نفسه  آرائه ومواقفه ونظرياتـه, وجهـات نظـره السياسية ومؤسساته السياسية, أولوضع ذلك بمزيد من البساطة, كيفما يكون أسلوب حياة الإنسان,هكذا يكون أسلوب تفكيره.
هذا يعني أن تاريخ تطور المجتمع هو قبل كل شيء تاريخ تطور الإنتاج, تاريخ أساليب الإنتاج التي خلف احدها الأخـر.
ان مفتاح دراسة قوانين تاريخ المجتمع يجب ألا نبحث عنه في أدمغة الناس, في نظرات أراء المجتمع, بـل فـي أسلوب الإنتاج الذي مارسه المجتمع في أية فترة تاريخية, علينا إن نبحث عنـه فـي الحيـاة الاقتـصادية للمجتمـع
ولهذا فان المهمة الرئيسة لعلم التاريخ هي دراسة وكشف قوانين الإنتاج، قوانين (1) تطور قوى الانتاج (2) وعلاقات الإنتـاج،(3) قوانين تطور المجتمع الاقتصادي
. فقـوى إنتـاج المجتمـع تتغير وتتطور أولا, ثم، استنادا إلى هذه التغيرات, وبالانسجام معهـا، تتغيـر علاقـات النـاس الإنتاجيـة, علاقـاتهم الاقتصادية.
“من لايعمل لا يأكل”.
العلاقات الاجتماعية ترتبط ارتباطا وثيقا بقوى الإنتاج, بالحصول على قوى إنتاج جديدة يغير الناس أسـلوب إنتـاجهم, ويتغير أسلوب إنتاجهم, بتغيير طريقة الحصول على رزقهم, يغيرون جميع علاقاتهم الاجتماعية, فالرحى تعطيك مجتمعـا مع السيد الإقطاعي, والطاحونة البخارية تعطيك مجتمعا مع الرأسمالي الصناعي.”
إن الإنتاج الاقتصادي في كل عصر تأريخي نشأ عنه بالضرورة تركيبة اجتماعية .
لا تقف نقاط التوافق بين النظريتين عند هذا الحد , اذ أن هناك من التفصيلات التي تكاد تكون واحدة فيهما , وعلى سبيل المثال لا الحصر, يقول انغلز في أصل العائلة والملكية والدولة : ” وبقدر ما يكون العمل غير متطور وبقدر ما يكون نطاقه محدودا, أي بقدر ما تكون ثروة المجتمع محدودة , بقدر ما يظهر النظام الاجتماعي المحكوم بالروابط الجنسية..” ويوافقه سعادة بقوله :” كانت القرابة الدّمويّة الوسيلة الأوليّة لتطبيق المبدأ الاقتصاديّ للاجتماع ،.. أمّا حيث لا تتوفّر هذه المقوّمات فالحالة الابتدائيّة تسود ويظلّ الاجتماع قائماً على أساس الرّابطة الدّمويّة الّتي تقتصر على أنواع من الحياة محدودة ولا أمل لها بالارتقاء في مثل هذا النّظام.”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *