محاولة احياء ثقافة ميتة..

 ممدوح بيطار:

   ماهو السر في عودة مفردات تخص  حقبة ماتت  وطمرت تحت  طبقات من الرماد والتراب , مفردات غريبة  عن هذا العالم تخص عالما آخر لم يعد موجودا ,وما الفائدة في نبش مفردة ميتة من القبر ؟؟وهل تعتمد  أصالة الكلمة على قدمها  وجمودها وتحولها  الى مايشبه الآثار ؟

الكلمة والمفردة هي حامل الثقافة ,ولايحمل الثقافة الميتة الا المفردة الميتة ,والثقافة الميتةهي  الثقافة التي تريد  نسخ الماضي , ونسخ الماضي  لايمثل   أقل من ولع به  والتعامل معه وكأنه حاضر, انه نوع من استحضار  الموت والأموات ,نوع  يمثل  حالة  اخصاء ثقافي وتقهقر  أمام  تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل ,نوع يمثل عودة “ميمونة” الى وضع ماضوي  تمكن الكذب  والتزوير من طلائه بطلاء  ابيض براق   , وضع وظفته الحركات القومية   في تلفيق  أمجاد  لم توجد, فالحركات القومية  التي  لم تحاول ولم تقتدر   صنع ماهو جديد  اتكأت على  ماض  تم صنعه  بالكلمة المزيفة  وليس بالفعل والعمل ,  حركات قومية   استمدت قوتها  من الأساطير  والملاحم  والتقديس   وتحويل كل ذلك الى نوع من المرجعية والى قاعدة  وأسلوب   لم يقتدر حتى على  اجترار الماضي  السخيف  ,  الآن نحن بصدد  مد ديني سلفي    يحاول كما حاولت الحركات القومية   اجترار الماضي    بتطرف   أعمق  وعنف  أشد  وبربرية  أعظم , وكأن احياء الميت  ممكن عن طريق التمثيل  بجثته  بعد نبشه  هيكلا عظميا من  أعماق  القبور , فشلت الحركات القومية في  تطفلها على الماضي الميت وعلى توهم امجاده  ومحاولة بعثها الى الحاضر  , وستفشل  الحركات الدينية السلفية  في تطفلها على الماضي الميت ومحاولة   تلبيس هيكلا عظميا  بطبقة من اللحم  والدم , محاولات يائسة وبائسة  عدمية وعبثية , فالميت مات  ومحاولة  احيائه  ليست الا تكريسا للجممود  واعاقة للنهوض ,مات الميت  في  عبثية وعدمية الحروب  وتيبس في  صحراء الجهل والتأخر , والآن  يحاولون   تصحيرنا  وقتلنا من جديد  ,وبذلك لايمكن  القول على  أنهم فشلوا في كل شيئ ,  نجاحهم كان مدوي  في استحضار الموت  الى الحاضر  وبذلك تمت  اماتة المستقبل , فالموت لاينجب الا الموت.

هل يقظة مفردات  كمفردة البيعة  ومفردة الشريعة والجهاد  والاستشهاد في سبيل الله  والولاية والوالي  والأمير والامارة هي يقظة “أبجدية” فقط, أو انها يقظة  ثقافة فكر قديم ميت   ومتكلس ومتيبس في صحاري الحروب عمره  عشرات القرون , الأمر ليس    أبجدي فقط , والكلام باستخدام  تلك المفردات  لايعبر عن افتتان بمفردات “أثرية”تكمن  أصالتها في قدمها ,وانما  لهذه المفردات الجامدة  وظيفة  استحضار الجمود , وما هي   دوافع استحضار الجمود الماضوي  ؟

لايحاول الانسان  العودة الى الدفاتر القديمة  الا في حالة  الفقر الآني  وحالة العجز عن  صياغة مشروع المستقبل , انه نوع من الافلاس والهروب بحثا عن  أعداء افتراضيين توكل لهم مهمة  تبرير العجز  والافلاس ,لقد  وجد الجمود العربي  عدوا  مثاليا في  الغرب ,ومثالية هذا العدو  تكمن في عدة نقاط  , النقطة الأولى  كون الغرب مصدر الفكر العلماني والممارسة العلمانية التي  تنغص حياة الاسلاميين  وتهددهم بحشر ثقافتهم  الغيبية في الصوامع والجوامع  وعزلهم عن الشؤون المدنية وعن ادارة الدولة ..انهم دين ودولة !! , النقطةالثانية تكمن  في  الشعور الفوقي على الغرب الكافر  حيث انهم بمقدسهم الاسلامي   أقرب الى  مكان مرموق في الجنة من الكفرة ,الله ميزهم بالأفضلية   وصنفهم في مصنف  خير  أمة ,وما  هي  ضرورة  علمنتهم عندما  يكونوا خير  أمة ؟الغرب   باستشراقه  عدو  يريد وضعهم في مصنف   أسوء  أمة , لذلك فالغرب عدوهم اللدود  ,ثالث النقاط هو  عدم ادراكهم لأبسط مفاهيم الحياة … الغنى هو   بالايمان  وليس بالمقدرة  على  اطعام الجياع  او  ترميم حالة الخراب العربي , لايدركون هول الغيبيات  وقصورها  ورسوبها  في  أول   وأبسط امتحانات الواقع ,   عجبا كيف  يتمكن الغرب من  اطعام شعوبه  واطعام جياعهم وهو  الكافر المرفوض من الله , هنا لابد من وجود “مؤامرة” تهدف الى  سرقة خيراتهم واستغلالهم  واشعال نار الحروب في ديارهم…الغرب ظالم ولا يستحق الا الرفض والكره والعداء .

يسبح  الشرق العربي  في بحر من الأوهام والخرافات والغيبيات , وقد وصل هذا الشرق  بأوهامه وخرافاته وغيبياته  الى  حالة متقدمة من الخراب  , الاستمرار  في النهج الحالي  سيقود الى الخراب الكامل  , لايمكن انقاذ هذا الشرق الا  بعكس المنهجيات التي قادت الى خرابه , أي  بالموضوعية والعقلانية والعلمية الأرضية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *