تعفيش القرآن أو نسخة بشار !

     كأن السوريين لم يكن ينقصهم في ليلة القدر سوى خبر إنجاز ما سُمّي “النسخة المعيارية” للقرآن الكريم، التي أُنجزت بتعليمات من بشار الأسد، وأُعلن أنها ستكون المعيار للمصاحف التي ستُطبع لاحقاً! ثمة تعبير سوري شائع هو “التعفيش”، يدل على قيام قوات النظام وشبيحته بسرقة كامل محتويات البيوت التي يداهمونها. خبر إنجاز النسخة المعيارية أشبه بتعفيش القرآن من قِبل جهة واظبت على مدار خمس سنوات على إطلاق اتهامات طائفية في حق المسلمين الآخرين، لأسباب تتعلق أصلاً بمعارضتها النظام لأسباب غير دينية، والآن تستكمل نهجها باعتبار نفسها الجهة المعيارية التي تقرّر السبيل الأصح لصياغة القرآن.

بعض الحياء فقط منع شيوخ النظام ورأسه من إطلاق اسم “مصحف بشار” على نسختهم المعيارية، مع أن الشرح الملحق بالخبر يجعل العملية برمتها في مصاف جمع ما يعرف بمصحف عثمان، ومن ثم حرق جميع المصاحف الخاصة الأخرى في ذلك العهد. فالخبر الذي نشرته وزارة أوقاف النظام ينصّ على الحاجة إلى النسخة المعيارية “في هذه المرحلة الخطيرة من التحريف والتضليل الذي يقوم به البعض لآيات كتاب الله ولهدي النبي محمد”. ولو كان أمر النسخة المعيارية مقتصراً على تسهيلات حروفية تتعلق بتسهيل القراءة لما أُنيطت بها هذه المهمة الصعبة، إلا أن ما يُراد قوله بالضبط أن السوريين لا يعرفون القرآن، ويتلقونه عبر جهات مضلِّلة، لذا يقوم النظام بإنقاذهم من الضلال.

قصة النظام “العلماني” مع السطو على القرآن ليست جديدة، فقد بدأت بالمواجهة مع الإخوان المسلمين قبل خمسة وثلاثين عاماً. حينها ارتأى حافظ الأسد أيضاً منافسة الإخوان في  ما يعتقد أنه ملعبهم، فأنشأ سلسلة “معاهد الأسد لتحفيظ القرآن”، ومنح أولوية التسجيل في كلية الشريعة الحكومية للبعثيين، ومن ثم رعى ظواهر ومدارس دينية مثل ظاهرة “القبيسيات” في دمشق والمدرسة “النبهانية” في حلب. وإذا كان النظام حينها قد اتهم الإخوان باستغلال الدين لمآرب سياسية فقد بادر إلى تمثّل التهمة ذاتها، وراح طوال العقود اللاحقة يعمل على اصطناع إسلام موالٍ تماماً للسلطة، إسلام لم ينجُ من شبهات فساد النظام أيضاً، حتى أصبحت وزارة الأوقاف التي تُعرف بأنها الوزارة الأكثر ثراء وكراً لصفقات فساد كبرى تتعلق بأملاك الوقف الضخمة وكيفية استثمارها. في إحدى المفارقات، كانت الأسرة التي تسيطر على مديرية أوقاف حلب تمتلك العدد الأكبر من الملاهي الليلية، وقد يزول الاستغراب مع واقع أن المنطقة العقارية التي تضمّ الملاهي مملوكة أصلاً لمديرية الأوقاف.

في إحدى خطبه، أثناء المواجهة مع الإخوان قال حافظ الأسد ما معناه أنه فعل الكثير “لكنهم” لم يعترفوا بإسلامه، وبدا وقتها كأنه يحيل الصراع برمته إلى طائفية تخصّ الآخرين، تماماً كما فعل الوريث الابن منذ مستهل الثورة. أهم ما يريده النظام هو إنكار الأسباب السياسية للصراع، لأن الإقرار بها يستوجب معالجة سياسية لن يقدم عليها. بل إنه لا يكتفي بذلك، وإنما يذهب إلى القول بأن الأسباب الدينية المزعومة ناجمة عن فهم مغلوط للدين، وأنه هو من يمتلك أحقية تأويل الدين وتعليمه للسوريين وغير السوريين. الإسلام الأسدي يتميز أولاً بطاعة أولي الأمر، وفي ما عدا ذلك هو إسلام سلفي، وقد يكون الأكثر سلفية على نحو ما كانت تخرّجه المدرسة النبهانية من دعاة. ثمة جانب مهم أيضاً، سلفيو الأسدية ينبغي بقاؤهم بعيداً عن الجيش والمخابرات، ولا بأس في استلهام التجربة الإسرائيلية مع طلاب المدارس الدينية الذين يُعفون من الخدمة العسكرية. ففي بلد مثل سوريا لديه قوانين تجنيد صارمة لا أحد يعلم كيف كانت النسبة الأعظم من خريجي المدارس الدينية تُستثنى من الخدمة العسكرية.

واحد من الأوجه فقط أن يرتدي قاتل الأطفال قناع المؤمن. فبعد التسجيلات المسرّبة عن شبيحة النظام وهم يحاولون إجبار المعتقلين على السجود إلى صورته والقول بأنه الرب، ها هو الرب يقرر لعبيده الإسلام الصالح. وإذا كان الخليفة الداعشي قد اتخذ لنفسه اسم الخليفة “أبي بكر” فها هو رأس النظام ينافسه بإصدار مصحفه الخاص على نحو لم يفعله سوى الخليفة الثالث “عثمان بن عفان”. وإذا كان الاستفتاء الشكلي على الرئاسة يُدعى بيعة في عرف النظام، فلا شيء يردعه عن دمج الخلافة بالرئاسة. ومثلما كانت منافسة الأمس مع الإخوان لا بأس بأن تُصوّر منافسة اليوم على أنها بين الأسدية والداعشية.

لو أن المقام مناسب لربما كان ضرورياً التذكير بأن العلمانية الحقة تقتضي تحرير الدولة من سلطة الدين، وفي المقابل تحرير الدين من هيمنة الدولة، أي أن سحب الدين من الاستثمار العام مهمة ينبغي أن تذهب ريادتها إلى الدولة العلمانية، لا أن تسيطر الأخيرة على الدين وتحاول تطويعه بذريعة العلمانية. أما وأن الأمر قد بات أكثر ابتذالاً من هكذا نقاش فربما ينبغي أن تقتصر المجادلة على مطالبة النظام بإصدار نسخة معيارية من الأسدية، لأنها على الأقل ستقدم خدمة لطغاة آخرين تورّعوا عن قتل مئات الآلاف من أبناء بلدهم. ولئن كان بعض صفحات مصحف عثمان قد تلوث بدمه، بما يرمز إليه من صراع على السلطة، فذلك الدم لا يعدو كونه نقطة في بحر المعيارية الأسدية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *