كما في السماء , كذلك على الأرض ….عندما خرج السلطان من عباءة لاحكم الا لله !!
ممدوح بيطار :
ألحديث عن الاسلام السياسي , هو حديث مزدوج بطبيعته , حديث في الدين , وحديث في السياسة , ينطلق الاسلاميون من الدين ويريدون الوصول الى السياسة , يتصورون السياسة وكأنها فرع من فروع الدين , وفي نطاق هذا التصور يحصل التناقض الذي يقود الى الخلاف , فلا الدين المسيس دين , ولا السياسة المتدينة سياسة , جمع الدين مع السياسة , هو جمع للضديات التي تتعارض مع بعضها البعض , وتنفي وجود بعضها البعض .
من يحاول التعرف على أصول هذه الضديات ,خاصة جمعها القسري , يصل الى الأصل الواحد , الذي هو مفهوم التوحيد , الذي لم يبق في السماء , انما سقط على الأرض , اله واحد في السماء وسلطان واحد متأله على الأرض , لايقتصر التوحيد على الله والسلطان , انما يشمل ,حسب ابن تيمية, الصفات والانتماء والدين …..أي صبغة الجميع بصبغة واحدة ولون واحد , كتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية , لقد شكل مفهوم التوحيد محورا أساسيا لكل حركة فكرية في التاريخ العربي-الاسلامي , وبالتالي يجب الاعتراف بعلاقة التوحيد مع حاضر هذه البلاد .
محاولة توحيد الضديات قاد الى تأزمها ,أي تأزم الدين وتأزم السياسة بآن واحد, فمحاولات التوحيد قادت بالنتيجة الى اقصاء الآخر والحرب على المختلف ,الذي قاوم ورفض صبغه بصبغة غيره قسرا مثل تعريبه , أمر ترافق دائما مع العنف ,مع الدم والاغتصاب , مؤسسة الاسلام السياسي لاتحبل الا بالوحدانية المؤسسة على الفسر بالعنف , ولا تتمحور عمليا الا حول السلطة السياسية وحول قراءتها الخاصة للنص بما يخدم توجهاتها وأهدافها.
فهم العنف المشهدي المرتدي للعباءة الدينية , أي الارهاب الأعمى , يتطلب أكثر من التوقف عند النصوص الدينية التي تعتبر بخصوص العنف والارهاب تأسيسية له , لابد هنا من التفاكر حول الشروط الوجودية الثانوية للعنف , من حيث كونه أيضا حركة احتجاج هوجاء على الفشل المتجلي بالفقر والتأخر , وذلك بالرغم من احتكار العباءة الدينية لكامل مسببات الفقر والتأخر , انهم يرهبون الغير انطلاقا من آلية “الاسقاط” المعروفة في علم النفس , يسقطون أسباب تأخرهم على غيرهم ويحاولون عقابه , مع أنهم ذاتيا هم السبب الأول الوجودي الأول والأخير للتأخر والفقر , واذا كان عنف الارهاب عقابا للمسبب , فما عليهم الا ارهاب أنفسهم,البعض ينتحر في حالات من هذا النوع , الا أنهم لايمتلكون الشجاعة لتنفيذه , انهم أصلا جبناء !.
هناك من يحصر التوحيد بالسماء ,مدعيا بأن التوحيد هو أمر “الهي” فقط … توحيد في السماء وعلى الارض تعددية !!, واقعيا لاوجود للتوحيد حتى في السماء , فاله المسيح هو غير أله محمد وغير اله موسى , وعلى الأرض لاوجود للتوحيد تلقائيا طبيعيا , لأن التوحيد ليس من طبيعة البشر , بعكس الاختلاف الذي هو من طبيعة البشر , مايمارس على أرض العرب ليس الا توظيفا لمفهوم التوحيد من أجل تبرير احتكار السلطة ثم حذف المختلف وشن الحرب عليه , فالتوحيد هو المبدأ الأساسي الذي يستلزم ممارسة القسر والعنف اي الارهاب .
التصورات السياسية في هذه المنطقة كانت دائما فرع من التصورات الدينية , التوحيد شكل دائما منطلقا مركزيا , ليس فقط للارهاب ,وانما لكل حركة فكرية في التاريخ الاسلامي , هناك ربط وثيق بين قضية التوحيد الالهي وقضية التوحيد السياسي , والمهم في التوحيد بالدرجة الأولى كان التوحيد السياسي , المؤسس للديكتاتورية السياسية والدينية بآن واحد (أبن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب), فرض التوحيد سياسيا وبالتالي ممارسة القسر والعنف , قاد الى العكس منه , أي الى الفرقة والتشتت والتمزق , الذي يمثل حال هذه الشعوب اليوم ,
Post Views: 453