عرب أم سوريون !

جورج  بنا :

هل من المنطق  أن نطلق على سورية صفة العربية ؟ من هم العرب وهل شعب سوريا هم من العرب فقط ؟ لماذا ننسب سوريا لقوم سكنها كغيره ولماذا ننسبها لحقبة تاريخية دون غيرها.

بدأ العرب باستيطان الأرض السورية في الفترة التي سبقت ظهور الدعوة الاسلامية,حيث نزحت عدد من القبائل العربية من شبه الجزيرة العربية باتجاه سوريا (بلاد الشام والعراق) هربا من شظف العيش وبحثا عن المرعى والكلأ , بالأخص أن هذه القبائل كانت تمتهن الرعي وتعيش حياة البداوة ومنها قبائل تغلب وغسان وبكر والمناذرة اللخميين وغيرهم, كانت سوريا في تلك الفترة تحت الاحتلال الروماني والعراق يخضع للنفوذ الفارسي, حيث رزح شعب سوريا الأصلي من الآراميين تحت تسلط الرومان والفرس , وكانت اليونانية هي لغة الدولة في بلاد الشام كما كانت الفارسية لغة العراق,بعد أن كانت الآرامية لغة العالم , وحدث تمازج حضاري بين الآراميين واليونانيين والرومان والفرس على الأرض السورية.

ثم كانت الفتوحات الاسلامية لبلاد الشام والعراق , وخضعت المنطقة بكاملها لحكم الدولة العربية الناشئة في تلك الفترة, كان العرب في تلك الفترة أقلية لم تتجاوز عند بداية الحكم الأموي 6 بالمئة من مجموع تعداد سكان سوريا الطبيعية , وبدأت عملية تعريب الدولة ودواوينها وأصبحت العربية لغة الدولة والحكم.وتمازج العرب مع شعب الأرض الأصلي ونقلوا عنهم علومهم وتأثروا بثقافتهم ولغتهم ولنا في اللهجات المحلية في مختلف المناطق السورية خير دليل على ذلك التمازج اللغوي والثقافي , إستمر هذا الوضع حتى بداية مرحلة ضعف الدولة العباسية التي تميزت بدخول عناصر إثنية من الفرس والأتراك والأكراد في جسد المجتمع أثرت حضاريا وتأثرت بغيرها, وعلى مر العصور تنكهت هذه الأقوام جميعا بنكهة سوريا.

إستمر التفاعل الحضاري بين جميع الشعوب التي سكنت سوريا من عرب وأكراد وأرمن وسريان وآشوريين وتركمان وشركس , وما يجمعهم بالرغم من إختلافهم العرقي هو هذه الأرض المقدسة سوريا ورغبتهم في العيش معا وتجمعهم نفس الهموم والمصالح والعادات الاجتماعية, وطوروا في هذه البيئة تجربة ثقافية غنية مميزة ومختلفة عن التجربة الثقافية لوادي النيل أو المغرب .

وفي العصر الحديث ومع إنتشار الوعي القومي في منطقتنا إنتشرت فكرة القومية العربية ,التي كانت فكرة طوباوية كان هدفها في البداية توحيد الهلال الخصيب والحجاز في دولة واحدة بعد طرد الاحتلال العثماني, ولكن لم يكتب لهذا الحلم النجاح بسبب الاحتلال الاوروبي لمنطقتنا وتقسيمها فيما بين الدول المستعمرة.

من هذا السرد التاريخي نرى أن العرب هم قوم كغيرهم سكنوا سوريا في فترة ما وتفاعلوا مع غيرهم من الشعوب على أرضها , وأبناء شعبنا اليوم لا ينتمون لعرق واحد بعينه إنما لخليط من الأعراق والشعوب, لكن الصفة الدائمة لهم أنهم سوريون سواء كانوا عرب أم أكراد أم سريان أم آشوريين أم أرمن أم تركمان أم شركس وغيرهم , وما يجمعنا اليوم هو هذه الأرض المقدسة منبع الحضارة ورغبة في العيش المشترك وحب لهذه الأرض .

لذلك ومن وجهة نظري أرى أن لا تنسب سوريا اليوم لعرق واحد دون غيره  وأن لا تطلق عليها صفة العربية لأني أرى في ذلك إجحافا بحق غير العرب وهم ليسوا بقلائل ,بالأخص أن الشعب الأصلي الذي إستمد إسم سوريا منه لازال موجودا في سوريا, سوريا وطن الجميع وأم الجميع ولا تخص شعبا بعينه وتنوعها هو غنى يحسدنا عليه الكثيرون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *