مجازر الأرمن وأزمة وجدان الاسلاميين !
نبيهة حنا :
لقد تم التطرق في العديد من المناسبات الى قضية مجازر الأرمن , وفي كل هذه المناسبات كان من الملاحظ انحياز الاسلاميين السوريين بشكل لايقبله المنطق والتاريخ وخاصة الأخلاق للموقف المبرئ للعثمانيين , وذلك بالرغم من الاجماع الدولي , خاصة من قبل الأمم المتحدة ومن المحكمة الأوروبية العليا ومن أكثر من مئة دولة منهم سوريا ولبنان, على اعتبار الأمر حالة ابادة جماعية توجب الادانة وتوجب التعويض المادي والمعنوي .
لايمكن تبرير مواقف الاسلاميين الا بالعامل الديني …ناصر أخاك ظالما أم مظلوما , وبفقدان الأخلاق والأنسنة , هؤلاء لم يتحولوا الى مواطنين في دولة سياسية تترفع بخصوص المواطنة عن اعتبارات مذهبية , هؤلاء لم يتحولوا الى مواطنين وبقوا رعية اسلامية عابرة للحدود الجغرافية , ضمور حسهم الانساني المترافق مع انعدام الأخلاق حولهم الى خطر محدق على من يعيش معهم , من يؤيد ابادة الأرمن مؤهل لابادتي وابادة غيري , والتوحش لايميز بين ضحاياه !
كل فئة تعتقد بتفوقها عنصريا عرقيا او دينيا أو جنسيا على الآخرين مؤهلة لممارسة ابادة غيرها , هكذا كان مع هتلر ومع العثمانين وهكذا هو الحال مع الاسلاميين السوريين الذين لايخجلون من تأييدهم للمجازر بحق السوريين عندما يكون المجرم أخا لهم في الدين …عن المجازر التي قامت بها الخلافة العثمانية بحق الآشوريين علق أحدهم بالقول المجرم ….لم تقصر خلافة عبد الحميد بما فعلته مع الأشوريين , هذا الموقف ليس موقف فرد فقط , انه موقف جماعي , موقف جماعة من الوحوش الكاسرة , ومع الوحوش الكاسرة نعيش …الى متى ؟
الصورة المعبرة والمؤثرة كانت لسيدات ارمنيات عاريات كل منهن تحمل طفلا في طريقهم الى الصلب حتى الموت , صورة أخرى تظهر المصلوبات ,وكل ذلك كان ممارسة راح ضحيتها ملايين من أرمن دولة الخلافة الاسلامية العثمانية , منهم لم يبق على قيد الحياة في تركيا الا صحفي قاموا باغتياله قبل سنوات …هنا لابد من التأكيد على أنه لاعلاقة لدولة أتاتورك التي فصلت الدين عن الدولة بدولة الخلافة الاسلامية التي حكمت دينيا , كما أنه لابد من التنويه الى مفارقة بربرية الحكم مع طول حياة هذا الحكم … حياة الخلافة طالت الى أربعة قرون تقريبا , ليس لكونها جيدة وانما على الأرجح لتغطيتها اسلاميا !.
يطالب الأرمن بحق بالاعتراف بجريمة الابادة الجماعية استنادا على قانون منع الابادة الجماعية الذي أقرته الأمم المتحدة عام ١٩٥١, ويطالبون أيضا بحق بحقوقهم التاريخية ضمن الدولة التركية مثلا أرمينيا الغربية وجبل أرارات , والتزاما بالحقيقة يجب القول على أن الرئيس اردوغان كان من أكثر الرؤساء الأتراك فهما للاشكالية , فهو الذي عرض على الرئيس الأرميني السابق روبرت كوتشاريان عام ٢٠٠٥ فتح الأرشيف العثماني خدمة لمساعي التوصل الى الحقيقة , وهو الذي اسهم بعقد اتفاقية زوريخ عام ٢٠٠٩ , والتي كادت تنهي الخلاف , والتي قدم اردوغان في سياقها مايشبه الاعتذار عن المقتلة , الا أن نتائج كل ذلك لم تكن بالشكل المطلوب , فتركيا ترفض الحقوق التاريخية للأرمن بأرمينيا الغربية وأرارات , وتركيا ملزمة بالدفاع عن حليف تاريخي هو ازربيجان الذي يتواجد في حالة حرب مع دولة أرمينيا.
من الملاحظ بأن اردوغان غير قادر على حل المشاكل التي سببتها الخلافة الاسلامية العثمانية , اذ أن اجرام هذه الدولة لم يقتصر على الأرمن , والمطالبة بالحقوق التاريخية لاتقتصر على الأرمن وقضيتهم السياسية والانسانية لاغبار عليها , هناك العديد من المتضررين من الخلافة مثل الآشوريين والسريان والكلدان واليونان والأكراد وغيرهم , وللجميع حقوق تاريخية اغتصبتها الخلافة الاسلامية العثمانية , فشل الخلافة في ادارة الدولة أمر متوقع , الا أن حجم الاشكاليات الموروثة عن الخلافة والتي على دولة أتاتورك حلها فقد فاق كل توقع .
الأمر بالنسبة لتركيا شديد الأهمية خاصة مستقبلا , اعطاء الحقوق لأصحابها يعني زلزلة الدولة التركية بشكل قد يعني القضاء عليها , ثم انه هناك من يجتهد ويقول بأنه لاعلاقة لدولة أتاتورك بدولة الخلفاء السلاطين ولا يمكن لدولة أتاتورك اصلاح كل ما أفسده الخلفاء ,لذلك يجب وضع حل أكثر انصافا للجميع وأقل اجحافا بالجميع , حل ينصف ولا يجحف !!!, ومن هو ذلك المقتدر على صياغة حلول من هدا النوع ؟؟.
الوصول الى حل ولو كان جزئي وبه بعض الاجحاف هو بالدرجة الأولى من مصلحة الطرف الأرمني , اللاحل المترافق مع التزامن لقرن آخر على الأقل سيخضع الى عامل الاعتياد وبالتالي الى استيلاء الأمر الواقع على مجمل القضية , ولنا في القضية الفلسطينية خير مثال على ذلك !
لامثيل للخراب الذي الحقته الخلافة الاسلامية بالشعب التركي وبقية الشعوب خاصة الشعب السوري …أربعة قرون من الاستعمار المتوحش والتجهيل المتعمد , امبراطورية مجرمة وضعت الشعوب في حالة سبات , وعندما استيقظت الشعوب وجدت نفسها متأخرة عن المستوى العالمي على الأقل أربعة قرون, واجب كل منا أن يسأل لماذا طالت فترة الاستعمار بهذا الشكل المريع ؟؟ هنا يمكن القول باختصار شديد على أن تغطية الحالة الاستعمارية وشرعنتها تمت على يد الاسلام الذي خدر الشعوب , لحد الآن هناك من يعتبر نهاية الخلافة العثمانية نكسة , وهناك من يريد اعادة انتاج هذه الخلافة لتتحول سوريا الى ولاية عثمانية ,لايدرك هؤلاء حجم ممارسة الخيانة بحق الوطن السوري , الذي يتحملهم على مضض !
Post Views: 671