ممدوح بيطار:
علق أحد الأصدقاء على الغزوات الاسلامية بصيغة الاستنكار قائلا ان صدر الاسلام قام ب٣٣ غزوة في ١١ سنة , اي بمعدل غزوتين كل سنة , مما دفع صديق آخر للتساؤل ….. اين هي المشكلة في ٣٣ غزوة ,لطالما أمنت الغزوات للشعوب حرية الاعتقاد والعقيدة , وكيف يمكن فهم ضمان حرية الاعتقاد عن طريق غزوة لنشر اعتقاد معين ؟ ,بذلك اعتبر صديقنا الغزوات أمرا محممودا , فوائد الغزوات تناسبت طردا مع عددها وعنفها وانتصاراتها , صديقنا لم يتحدث عن موقف الشعوب المستهدفة من الغزو , هل سألهم عن رأيهم بغزو بلادهم , وماذا كان الصديق ليفعل كأحد سكان بلاد الشام لو فوجئ بأربعة جيوش وعشرات الآاف من السيوف وهي تحاصر مدينته وتذبح كل من يقف معارضا في وجههم , أني أعتقد بأن الصديق الكريم لم يشك اطلاقا برغبة هذه الشعوب الادمانية بقدوم الغزاة من مجاهل الصحراء لاستعمارهم أوفتح بلدانهم , ولم يشك اطلاقا بترحيب هذه الشعوب لتدفق الحضارة الصحراوية الى ديارهم , أي أن انحطاط شعوب بلاد الشلم قد حول هذه الشعوب الى قطعان تواقة لقدوم وصي بدوي يحضرها وينقذها من التأخر ويحررها من الاستعمار الروماني- الفارسي الغاشم , وليبقى البدو مدى الدهرحكاما …. لم يعرف التاريخ أكثر منهم عدالة وانصافا , قال لوبون !
لاتتعلق المشكلة في هذه النظرة للموقف من أحداث مضت وانقضت وليس لها أي استمرارية في الحاضر, وانما بمشاكل الحاضر والمستقبل ,خاصة عند الشعوب التي تحولت الى هدف للغزو الخارجي كالشعوب العربية , فكيف سيتمكن شعب من الدفاع عن نفسه ضد الغزو الخارجي عندما يعتقد هذا الشعب بأن الغزو الخارجي أمرا محمودا ولا بد من المزيد منه …. المزيد من الغزو يتناسب مع المزيد من الفائدة , والصديق المروج للغزوات فرق جهلا وانحيازا بين غزواته كجندي افتراضي من جنود خالد أبن الوليد وغزواتهم كالرومانية أو غيرها , غزواته جيدة , وغزواتهم سيئة , غزواته نعمة وغزواتهم نقمة, وكأن الصيق يتكلم بلسان خالد ابن الوليد وعبيدة وشرخبيل اضافة الى عمر ابن الخطاب , وكل شلة الفاتحين التي اعتبرت الفتوحات واجبا اسلاميا من جهة , ومن جهة أخرى انقاذا للشعوب المفتوحة , ولا علاقة لها بالاستغلال وغنائم الحرب كما يدعي البعض في القرن الحادي والعشرين , .
أشكال الانقاذ كانت مختلفة , تارة لتحرير الشعوب من الاستعمار الروماني أو الفارسي , تارة أخرى لنشر دين اللله كآخر تقليعة دينية , فقد كان لشعوب بلاد الشام والشعوب الاسبانية وغيرهم من الشعوب دين من أديان الله التوحيدية , ولكن الله كما يبدو قد أسلم على يد خالد وعمر وأصبح دينه الاسلام حصرا , لذلك على الشعوب أن تسلك مسلكيته, دين الله الاسلام !
رؤية الاحتلالات كعظمة والمحتل كعظيم هو أمر خطير جدا على حاضر ومستقبل الشعوب التي مارست الغزو, والتي لم تعد حاضرا مقتدرة حتى على الدفاع عن نفسها تجاه الغزو الخارجي كالشعوب العربية التي اصابها الضعف والوهن ,من يعتقد بعظمة ظاهرة الغزو والانتصار والاحتلال يقدم تبريرا وتفهما مبدئيا للغزو أي لغزوها من الخارج أيضا , فالغزو والانتصار عظمة , هؤلاء الذين يروجون للغزو والاحتلال عن طريق تعظيمه , لايتمكنون منطقيا من رفض احتلال بلادهم , انهم يجدون في الاحتلال أمرا مستصاغا ودلالة من دلالات العظمة, فمن يؤيد احتلال اسبانيا كفتح مبين لايستطيع رفض احتلال فلسطين من قبل الصهاينة , لأن من يستطيع احتلال فلسطين بالرغم من مقاومة مئات الملايين من العرب لهذا الاحتلال لهو من أعظم العظماء, ليس تاريخيا فقط وانما أخلاقيا ,وبنفس المنطق يجب اعتبار تحقيق الصهاينة لأمبراطورية من الفرات الى النيل عملا عظيما يستحق الثناء والفخر ,أذا كان تأسيس الأمراطوريات عظمة , فالأمبراطورية الصهيونية بمنتهى العظمة!
هناك معايير للعظمة التاريخية , فبمعيار العظمة التاريخية يجب اعتبار عمر ابن الخطاب وأمبراطوريته العربية من أعظم عظماء العالم , فهو الذي انتصر على الأميراطورية الفارسية وانتصر على الرومانية, وهذا المعيار يشمل الكثيرين الذين غيروا التاريخ المحلي والاقليمي والعالمي , مثله مثل بعض الفراعنة كرمسيس الثاني ودارا افارسي ويوليوس قيصر وهانيبال وهرقل ومعاوية وعبد الملك والسفاح أول خليفة للعباسيين وصقر قريش والأيوبي وخالد ابن الوليد وجنكيز خان ثم هولاكو وتيمور لنك وسليم الأول ومحمد الفاتح وفردياند وايزابيلا والسلطان بيرس ثم محمد بن عبد الوهاب وهتلر وماوتسي تونج وستالين وعبد العزيز آل سعود والكثير غيرهم
معيار العظمة هذا زائف لعدم انسجامه مع الأخلاق والقيم العليا , وانما بمدى التأثير الاقليمي والعالمي لهؤلاء القادة ومقدرتهم على تغيير الواقع حربيا بما يضمن تأسيس أمبراطوريتهم , دون أخذ الشعوب الأخرى بعين الاعتبار , ودون مراعاة الملايين من القتلى , ثم بحور الدماء وجبال الجماجم والأشلاء ,والانتقال بعد ذلك الى الاستعباد والسلب والنهب, وضمان استمرارية كل ذلك عن طريق الدين الذي حارب به ومن أجله تلفيقا عمر ابن الخطاب ورفاقه , فتأثير البطل الذي استحق أو انتحل لقب العظيم , لايقتصر على المعركة التي انتصر بها ثم عواقبها المباشرة على الناس , وانما استمرار كل ذلك حتى الى أحفاد أحفاد الأحفاد , وفي حالنا العربي هناك استمرار حتى هذه اللحظة , هناك من يقدس عمر , وتقديس ” العظماء ” الملوك والرؤساء مستمر لهذه اللحظة , اخضاع واذلال الغير انعكس داخليا بشكل اذلال واخضاع الشعوب , عقلية القنص وغنائم الحرب انعكست أيضا الى الداخل بشكل فساد وتعفيش , استعمار الخارج انعكس الى الداخل كاستعمار داخلي , وماذا يفعل المصاب بلعنة الاستعمار عندما لايجد خارجيا ما يمكنه استعماره ؟؟؟ تذبيح الغير في الخارج تحول الى تذبيح الناس في الداخل , كل مافعلته الفتوحات مع شعوب الخارج تحول الى ممارسات في الداخل .
أخلاقيا لانصيب لعمر في التصنيف بمصنف العظماء , قالجماجم وانهار الدماء التي سيلها صنيعته خالد ابن الوليد لاتصنع العظماء وانما القتلة والأشقياء ,أما تاريخيا فالأمر ليس بذلك الوضوح , كم التغييرات التي احدثها تؤهله ليكون عظيما تاريخيا , لكن بالمقابل لايمكن تجاهل التغييرات السلبية التي توضدت في داخل الأمبراطورية , منها ومن أهمها نشوء دينين اسلاميين يتبادلون العداء والشتائم بشأن عمر , الشيعة تلعنه والسنة تقدسه , والمواقف قطعية ولا مجال لحل القضية , لاتفاهم ولا تناغم وانما خلاف له هيئة الأبدية , عندما ننظر الآن الى حال العرب المفتخر بعمر , نجد أسوء حالات التأخر والانحطاط المؤسسة على عقلية الغزو والبدوية الرعوية وملحقات هذه العقلية واختلاطاتها, , اضافة الى ذلك كان للغزو الخارجي الذي مارسه العظيم عمر بالدين ومن أجل الدين تأثيرات كارثية على الداخل , منها تكريس حالة الاسلام كدين ودولة , منها حرف الدين عن مقاصده التي يقال بأنها سلمية , اذ أن كل تلك الحروب لاتستقيم مع السلمية , بالنتيجة كبر عمر وصغر الاسلام…. واذا كان الاسلام الحقيقي هو ماقدمه عمر ,فالأجدر بالانسان الخلوق أن يكفر بهذا الاسلام , نشر الدين يعتمد على التفهيم وغصن الزيتون , الا أن خالد أتى بالسيف وليس بالقرآن ,اذ لم يكن هناك قرآن , والغزاة لم يكونوا رجال دين ,انما رجال حرب وسبي واغتصاب وذبح ونهب , فما هي دوافع المسيحي السوري لتغيير دينه واعتناق الاسلام , وهل كان الاسلام في ذلك الزمن متبلور ومتجوهر , وهل كان ابن الوليدمثقف ومبشر ؟؟؟ وهل تضمن اسلام خالد ابن الوليد اكثر من السيف والذبح ؟, وهل كان هناك قرآن بين يدي خالد ابن الوليد؟ , وهل كان بامكان خالد ابن الوليد شرح العقيدة؟,
لقد ذج عمر الاسلام قي نشاطات الحرب والاحتلال وما رافق ذلك عادة من تقتيل وظلم, , أي أنه سفك الدماء واحتل أو فتح البلدان بمشاركة الاسلام , , وبما أنه حشر الاسلام في حروبه لذلك يجب تقييم عظمته قرآنيا,فبالمعيار القرآني يمكن اعتبار عمر أكبر خصم للاسلام , الذي وظفه عمر في حروب ظالمة وفي سفك الدماء , وبذلك أسس عمر لما نسميه اليوم الاسلام السياسي , خصم الاسلام الرئيسي والأساسي,
بالمجمل يمكن القول بأن أزماتنا الحالية المتمثلة بممارسة العنف ثم التطبع بالطباع البدوية , هي امتداد لأزمة عمر ابن الخطاب مع الاسلام وتوظيف الاسلام في تعظيم الشخص وتأسيس الأمبراطوريات , اننا نعاني لحد الآن من ثقافة العظماء الرؤساء والملوك وادمانهم على الحروب والتحارب الذي لم يتوقف لحظة واحدة منذ ١٤٠٠ سنة ؟
ممدوح بيطار:syriano.net
