ربا منصور :
يتغلغل مفهوم الله في نسيج حياتنا ويشكل عنصرا محوريا في نمط تفكيرنا وعقلنا وشعورنا الواعي وغير الواعي, إنه معنا في اليقظة وفي المنام,في البيت وفي العمل,في التجارة وفي السياسة, في سلوكنا الخير وفي سلوكنا الشرير, انه بعبارة أخرى اللازمة التي تميز عقلنا العربي الإسلامي عن غيره.
لكن مفهوم الله الذي نستحضره ونوظفه ليس بالضرورة اله الجميع المطلق اللامتناهي, بل هو اله نتخيله ونفصله على مقاسنا وحاجتنا , انه اله لم يوجد إلا لنا ولا هم له إلا حماية مصالحنا وتبرير أعمالنا الشريرة , انه اله التجاوب المطلق معنا …هكذا نظن جهلا , فاذا كان الله معنا فمن علينا , .
نكذب باسمه ونقتل باسمه , ونحتل بلدان الغير باسمه , أي نستحضره عند حاجة التلفيق له , ننساه عندما لاتلفق ولا نكذب , وهذا نادر جدا …انها مفارقة كبيرة واشكالية ضخمة , فهل مصدر الاشكالية هو مفهوم الله أو مصدرها فهمنا لله ؟؟؟
تخص الاشكالية مصدرا وفاعلية عقولنا بالدرجة الأولى , كيف توظف هذه العقول في كل شيئ في الحياة اليومية , عقولنا تضفي على الظواهر الدنيوية خواص لاتملكها هذه الظواهر …عقولنا تضخم وتقزم تقدس وتكفر , تتنكر للحقيقة وتعيش في الوهم والتكاذب على الذات , تستكين للاذلال , وتذل غيرها عندما تتمكن من ذلك , عقولنا تقدس عندما تريد اخضاع الواقع لارادتها وتدنس لنفس السبب , عقول تستدعي الدين وتستعديه في آن واحد , يقتلون من أجل الدين , ويقتلون الدين بذلك , أكثر أعداء الدين شراثة هم من يدعون نصرة الدين .
عقولنا بدوية لاتقتدر لأكثر من انتاج نفسها واجترار تجاربها, اعادة انتاج واقع فاسد ومفسد بقيمه وبنيته السائدة البائدة , اعادة الأنتاج مقرونة بالتشويه والمنتج المعاد والمجدد أسوء من القديم, عقولنا تستهلك كالحيوانت ولا تنتج كالبشر , عقول مخصية بما يخص الخير ومبدعة بما يخص الشر, عقول انفصامية مفصولة عن الواقع , عقول تمتهن التكابر والتفاخر … التزييف والتسخيف , التنظير والتبشير , ولا أشطر من عقولنا في مضيعة الوقت .
عقول انتجت عصابات سياسية استمدت شرعيتها من الماضوية, من المحافظة على القديم القائم , لعجزها عن ابتكار الجديد الأفضل , عقول اكتفت بالشكليات …. قوتنا شكلية وسعادتنا شكلية وحريتنا شكلية وقضائنا شكلي ودياناتنا شكلية وقوانيننا شكلية ومدارسنا أيضا , اضافة الى علمائنا وعماماتنا وحتى حجابنا ..ملفوفة الرأس وعارية المؤخرة ..همنا الرئيسي هو التمويه على الطائفية والتأخر والعنف , ثم تكريس أكبر كذبة في تاريخ البشرية وهي اننا خير أمة, مفهوم خير أمة ليس الا مستنقع لايعيش به سوى طحالب التفاخر الأجوف والتكاابر الكاذب والغرور الأحمق والكسل المفجع والاتكالية القاتلة , ثم احتقار الغير والتعالي عليه ورفضه ونحن في أمس الحاجه له !.
مفهوم الله بريئ مما فعلنا ونفعل , غيرنا له اله , وبالرغم من ذلك تأنسن وتقدم وتحضر … اكل وشرب وأنتج ولم يتلطى على موائد الآخرين , عاش من عرق جبينه ولم ينتظر نعم الله عليه , الله يرزق من يشاء , الا أنه لم ولن يشاء ليرزقنا , العمل يرزق من يعمل ومن لايعمل يتسول !
