حول سعي مسيحيو سوريا للأمن والأمان !
كتب الشاب ماركوس قسام مقالة , كنت قد علقت عليها بايجاز , ناشر المقالة كان الأستاذ حازم نهار , الذي نال قسطا وافرا من الانتقادات , التي لا أرى موجبا لها … الشاب مندفع وصريح وجريئ , وعليه يجب تشجيعه ونقده أيضا , لقد وجدت على أنه من المناسب نشر تعليق السيد حازم نهار على التعليقات االعديدة التي نشرت على مختلف الصفحات , اليكم تعليقه :
حازم نهار :
ملاحظات سريعة من وحي التعليقات على منشور (ماركوس قسام):
أولاً: يلاحظ أن السمة الغالبة في التعليقات لم تناقش أي فكرة من الأفكار الموجودة في منشور ماركوس، واقتصر الأمر غالباً على استنكار مفردة “القردة” الواردة في النص، وربما يكون هذا الاستنكار مبرراً ومفهوماً في ظل سيطرة العقل الشتام وسطوته أصلاً، خصوصاً أن عدداً ممن استفزتهم الكلمة عادوا واستخدموها كوصف تحقيري في الرد على المنشور وصاحبه وناقله، وهذه دلالة على عدم الصدقية، وهو أمر عهدته في بعض الأسماء المعلِّقة، وليس غريباً.
ثانياً: بالمعنى المجازي، وكما استخدمها صاحب المنشور، نشترك كسوريين في صفة العيش في الخوف لمدة نصف قرن تحت سطوة النظام الأمني السلطوي، والإقرار بهذه الصفة هو الأساس، وأي كلمات تضاف بعد ذلك هي من قبيل لفت الانتباه أو التأكيد عليها أو تحريض الآخرين على الانزعاج من هذه الحال والتحرك ضدها، ولا تفهم الصفات المضافة في سياق الشتيمة أو الازدراء أو التحقير، إلا إذا أراد القارئ فعلاً نسيان الفكرة الجوهرية المطروحة وتوجيه النقاش في اتجاه آخر لم يكن هو هدف الكاتب.
كثيرون يتفقون مع الآتي: لم يعش السوريون (أهل المدينة والريف، الطلاب والعمل والفلاحون والأطباء والمهندسون، المثقفون والسياسيون، المسيحيون والعلويون والسنة والدروز، العرب والكرد والشركس والتركمان) بوصفهم مواطنين سوريين، بل لم يعيشوا بوصفهم ينتمون إلى عالم الإنسان. نصف قرن والسوريون لا ينشدون إلا الأمان والهروب من الخوف ولقمة عيش بسيطة. فماذا كان السوريون، وما هم اليوم؟ هل كانوا بشراً؟ يجيب كثيرون على هذه الأسئلة إجابة مجازية بأن السوريين كانوا وما زالوا (حيوانات). ما معنى كلمة (رعية) المستخدمة بكثافة؟ في الحقيقة لا تعني إلا (حيوانات) إذا أخذناها في حرفيتها. هل يمكن فهم هذا التعبير مثلاً على أنه تحقير أو ازدراء للسوريين؟!
السوريون (المسيحيون) في سورية هم – بحسب الدستور السوري- مواطنون من الدرجة الثانية، بحكم حقوقهم المنتقصة، ما يعني دستورياً -وكما أراد النظام السوري- أنهم أقل من صفة مواطن، ويصدق الأمر نفسه على السوريين الأكراد. ماذا تعني صفة (أقل من مواطن) أو (مواطن ناقص الحقوق)؟ ماذا تعني صفة (الإنسان) من دون حقوق؟ ماذا تعني صفة (السوري) من دون حقوق؟ (ماركوس) انتقد في منشوره حالة الرعب والخوف عند السوريين (المسيحيين) وقبولهم (عموماً) بمواطنة من الدرجة الثانية.
ربما تستفزنا هذه التوصيفات المجازية، لكنها يمكن أن تفهم في سياقها وتبعاً لأهداف القائل أو الكاتب. يعتبر كتاب “حيونة الإنسان” مثلاً لممدوح عدوان أحد الكتب التي تقارب واقع السوريين، ويتحدث فيه كاتبه عن الجانب الوحشي في البشر، وعن تحول الإنسان إلى حيوان وموات “الإنسانية” فيه، ويرى أن الاستبداد بيئة قاتلة لنمو الإنسانية، وأن التغيير الأسوأ الذي يمكن أن يحدث للإنسان هو التغيّر في بنيته العقلية والنفسية.
بالعموم، كلنا في حاجة إلى إعادة تأهيل للانتقال إلى مستوى الإنسان، ومن ثمّ المواطن؛ ولا يعني التوصيف المجازي الذي استخدمه صاحب المنشور أنه مقتصر على فئة أو شريحة أو إثنية دون غيرها (كلنا في الهوا سوا)، وإذا تناول المرء مشكلة جزئية خاصة بفئة ما لا يعني هذا أنه لا يرى الصورة في كليتها، ويمكن اكتشاف ذلك من خلال استعراض مواقف وآراء وكتابات المرء على مدار زمني طويل، لا بناء استنتاجات خاطئة انطلاقاً من منشور ما، إذ لا يستطيع أي شخص في الدنيا تضمين أي منشور خاص به كل آرائه ومواقفه.
ثالثاً: أهداف صاحب المنشور وناقله: لا صاحب المنشور، ولا ناقله، يمكن أن يسيئوا إلى أتباع طائفة أو دين أو معتقد، فضلاً عن أنهما لا يتعاملان مع السوريين جميعهم انطلاقاً من موقف ديني أو طائفي أو عشائري أو إثني أو جنسي أو طبقي.
ما جاء في المنشور يأتي في إطار توصيف ومناقشة الواقع ومشكلاته (المنشور انطباعات وليس دراسة بحثية)، أما موقف صاحب المنشور من الظاهرة فهذا شأن آخر. هناك فرق بين توصيف الواقع والموقف منه.
الانتقال من الواقع الرديء إلى الهدف يحتاج إلى صدقية وجرأة في قراءة هذا الواقع وحديث في المسكوت عنه (توصيف وتشخيص)، لا إغماض العين عن مشكلاته والتغطية عليها بالشعارات والأهداف حتى لو كانت محقة. تشخيص الواقع لا يعني قبوله، فعندما نقول هذا واقع السوريين أو فئة منهم فلا يعني هذا قبوله. قدرة الطبيب على توصيف وتشخيص المرض العضوي لا تعني أن الطبيب مصاب به، وتوصيف الكاتب لظاهرة طائفية لا تعني أن الكاتب طائفي.
رابعاً: ببساطة، كان من المهم لو توافر شيء من الصبر والجرأة العقلية لدى (المعترضين) أن يناقشوا الأمر بطريقة مختلفة: منشور يناقش مشكلة حقيقية، لا يمكن إنكارها، لها علاقة بالموقف العام للسوريين “المسيحيين” من النظام السوري، يذكر فيه صاحبه عدداً من المشاهدات والانطباعات التي تحتاج إلى تفسير (لكنها تحتاج أولاً إلى جرأة الاعتراف بوجودها)؛ على الرغم من أن هذه التوصيفات تصدق على فئات وشرائح وطوائف وإثنيات سورية أخرى، إلا أنها تحتاج إلى إجابات خاصة في كل مرة (مع القناعة بوجود إجابات عامة مشتركة).
خامساً: توصيف الواقع غير ممكن من دون تناوله في مستوياته المتنوعة: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً ودينياً وطائفياً وعشائرياً وإثنياً… إلخ؛ فمن يستنكر تناول الظواهر المعقدة في الواقع السوري (مثل وقوف شريحة أو فئة من السوريين مع/أو ضد الحرية أو الاستبداد أو الإسلام أو الحرب أو الثورة… إلخ)، في أي مستوى من المستويات السابقة يكون كمن يحاول التغطية على الحقيقة في أحد جوانبها أو أحيازها. بالتالي، لا بأس في تناول هذه الظواهر استناداً إلى أحوال وتوجهات الطوائف من أجل تكوين صورة أوسع عنها، شريطة ألا يكون المرء طائفياً من جهة، وألا يجري الاكتفاء بهذا المستوى من التوصيف والتحليل من جهة ثانية، وأن يكون التوجه الأساسي هو فهم الظاهرة من أجل تجاوزها من جهة ثالثة. تحليل مواقف الطوائف والإثنيات ضروري، لكنه غير كاف ولا يقدم صورة كاملة، بل لا بد من التحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي لمواقف البشر.
سادساً: من البديهي القول إن “التعميم” في قراءة الظواهر المختلفة هو رأي خاطئ، لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن اكتشاف ميل عام مسيطر؛ فكل الدراسات الاجتماعية بالمعنى الواسع تحاول الوصول إلى استنتاجات عامة (ليست مطلقة بالتأكيد) انطلاقاً من عينات محددة أو من تجارب خاصة أو مشاهدات متكررة، وتحاول اكتشافها في الواقع.
يمكن لنا أن نطرح أسئلة كثيرة، ليست غايتها الإدانة أو التحريض أو (الفتنة) على حد تعبير البعض:
لماذا وقف (سنة) دمشق وحلب، أو بمعنى اقتصادي (التجار في المدينتين)، أو بمعنى جغرافي (أهل المدينتين دوناً عن ريفيهما) مع النظام السوري؟
لماذا وقف “رجال الدين الإسلامي” (عموماً) مع النظام السوري؟
لماذا وقفت (الأقليات) الدينية (عموماً) مع النظام السوري، ألا توجد مشكلة (أقليات) دينية وعرقية في سورية؟
عندما تكون لدينا مشكلة (أقليات) في مجتمع ما، ألا يعني ذلك بالضرورة وجود مشكلة لدى ما يسمى (الأكثرية)؟
لماذا وقف (اليسار العربي) (عموماً) مع النظام السوري؟
لماذا سيطر الخطاب الديني في سورية على حساب الخطاب الوطني؟
لماذا تحتوي معظم الأحزاب (اليسارية) على عدد ضئيل من أبناء (السنة) في سورية؟
ألم يكن توحش الضباط السوريين في الجيش والأمن لافتاً للنظر؟ بمعنى آخر ألا توجد علاقة بين بنية الجيش وطريقة إدارته طوال نصف قرن وحالة التوحش التي ظهرت بعد 2011؟
هل هذه الأسئلة خاطئة؟ هل هي تحريض على الفتنة أم على الفهم والتغيير؟ لا خوف من طرح هذه الأسئلة طالما يتوافر لدى المرء موقف وطني ديمقراطي حاسم عند مقاربتها.
هذه الأسئلة العريضة مذكورة ومشروحة بالتفصيل في كتب ودراسات عديدة جداً، عربية وأجنبية، وإن الخوف من طرحها والإجابة عنها تحت وابل الشعارات والأيديولوجيات المغلقة والخوف لا يعني إلا التضليل.
سابعاً: في معنى العلمانية: رأيي واضح وصريح في هذا الشأن، وهو منشور في عشرات المقالات لمن يحب أن يقرأ بدلاً من (التصيد) لإخفاء مواقف في اللاوعي.
لكن باختصار وتكثيف: أنا شخصياً (ومن حق أي شخص أن يضع معاييره الخاصة) لست مستعدًا لتصديق “علمانية” شخص ما لمجرد وقوفه حصراً -كما هو شائع- ضد (الإسلام) و(المسلمين) و(الإسلاميين) و(الإسلامويين). إن كان المرء جذرياً في هذا الشأن فيجب أن يكون جذرياً بصورة كاملة؛ لذلك لا تعني “علمانيتك” لي شيئاً إن كنت قد أدمنت التصريح بوقوفك ضد كل ما يتعلق بالإسلام، واكتشفنا لاحقاً أنك “مسيحي” أو “علوي” أو “درزي” أو… ليس أكثر، أو عندما نكتشف أن “علمانيتك” المزعومة هي في جوهرها طائفية مريضة حبلى بالخوف والرعب وقلة العقل.
كذلك، لا توجد (العلمانية) على صبغيات أو كروموزومات/ مورثات ما يسمى (الأقليات)، فليس كل من ينتمي إلى (الأقليات) علمانياً (كما هو معتقد لدى قطاع واسع من السوريين)، بل يمكن أن يكون داعشياً بلون مختلف أو طائفياً أو غير ذلك. يعني ذلك أن (العلمانية) تحتاج دائماً إلى جهد ثقافي ومعرفي، والأهم إلى خطوات ملموسة وحقيقية في الواقع تظهر وتؤكد أن صاحبها متمثِّل لها ومؤمن بها حقاً (تظهر الصدقية مثلاً في الموقف من الزواج بين الطوائف).
كذلك، لا تلتقي العلمانية بالتأكيد مع الاستبداد، العلمانية من دون الديمقراطية تتحول إلى طائفة دينية داعشية، وهذه حال كثير من أهل (اليسار) في سورية والعالم العربي الذي ظهر أنه ليس لديه مشكلة مع الاستبداد. ولا تلتقي أيضاً مع اختزالها بشعار “فصل الدين عن الدولة” في حين لا مشكلة لديها في التصاق البعث أو الشيوعية بالدولة، ولا تلتقي مع حالة المشاركة في حفل التكاذب الاجتماعي والسياسي، فالتستر على المرض لا يعني شفاءه بل يخفي حالة من الكذب والتكاذب.
ثامناً: لم يكن من النادر، في العمل السياسي، أن نجد في صفوف (المعارضة السورية) ماركسيين سنة، أو شيوعيين مسيحيين أو علويين أو دروزاً، أو ناصريين سنة أو ناصريين لا يمكن تفريقهم عن أعضاء في جماعات إسلامية، متفاوتة في انفتاحها، أو قوميين سوريين مسيحيين، أو بعثيين علويين… إلخ. في الحقيقة، ربما يكون التوصيف الأفضل هو بتغليب الصفة الدينية، أو المذهبية، على الصفة الأيديولوجية، كأن يقال شخصيات معارضة سنية ماركسية أو ناصرية، أو مسيحية شيوعية، أو علوية شيوعية، وهكذا. كما يمكن ببساطة اكتشاف، كيف جرى إسباغ الصفة الدينية، أو المذهبية، على الأيديولوجيات المحمولة، على الأقل من الناحية النفسية، لتصبح الماركسية ماركسية سنية أو علوية أو مسيحية أو درزية، بحسب الهوية الدينية، أو الطائفية للمتحدث، كما أصبحت الناصرية ناصرية سنية، في الغالب الأعم. بمعنى آخر، تم خصاء الفكر، وتحويله إلى أيديولوجية شعاراتية ومغلقة، وهذه تحولت، تدريجياً، إلى مجرد قشرة سطحية، تستر الانتماء الطائفي الذي بقي مستمراً وفاعلاً، على الرغم من الشعارات المعلنة. ومع الزمن، أصبحت الأحزاب نفسها ذات ملامح طائفية، ويمكن للعارفين بأمور (المعارضة) وضع اسم الطائفة المناسبة أمام كل حزب سياسي من أحزاب المعارضة، ويصدق الأمر بصورة أكثر على الكاريكاتورات الحزبية، الموجودة في جبهة النظام “التقدمية”.
تاسعاً: كثير من المعلقين على المنشور أعرفهم شخصياً، ولا أفهم استفزازهم منه إلا بصورة إيجابية، وأجد بعض الحق معهم، وأن استفزازهم هذا يضيف جمالاً إلى أفكارهم ومسارهم. لكن بعض المعلقين الآخرين، أعرف أنهم قد ذهبوا -خلال السنوات الماضية- في اتجاه عقد مؤتمرات تحت اسم “مسيحيون سوريون مع الثورة”، و”علويون سوريون”، و”دروز سورية “… وعلى الرغم من عدم اتفاقي مع كل هذه المؤتمرات إلا أن أصحابها يعترفون فيها بوضوح أن هناك مشكلة تتعلق بما يسمى (الأقليات) في سورية. وهناك بين المعلقين من لم يترك مؤتمراً عرقياً إلا وشارك فيه، ولم تكن سورية حاضرة في عقله أبداً.
بعض المعلِّقين ينتمون إلى “الجبهة الوطنية التقدمية”، وهنا لم يعد يدري المرء ماذا يقول في حقهم، وبعضهم من الذين (نطوطوا) من مكان إلى آخر من دون أن يرف لهم جفن، وبعضهم “علمانيون” تحولوا إلى ذيل لحركات إسلامية متطرفة، وبعضهم صار تحت حمى ما يسمى (منظمات المجتمع المدني) المصنعة وفق مواصفات أميركية وأوروبية غير مفيدة لسورية وشعبها، وبعضهم من (تيار القمح) الذي تمخض شعيراً بعد ممارسته كل أنماط الانتهازية السياسية في التنقل والاستثمار السياسي، وبعضهم ينتمون إلى حقل (الإعلام الأصفر) ديدنهم الرئيس الفضائحية والغوغائية، وبعضهم له طريقته في (تصفية الحسابات) لأسباب خاصة.
عاشراً: مع ذلك، فإن قراءة التعليقات مفيدة في معرفة مجتمعنا أكثر وأكثر، ويمكن أن تكون محرضة لإجراء دراسات اجتماعية ميدانية تفيد في سبر توجهات السوريين تجاه قضايا محددة مسكوت عنها. لكن التعليقات تشير من جانب آخر إلى أن قسماً من السوريين لا يقرؤون ولا يراكمون ولا يستفيدون من تجاربهم، ويظلون ينتجون المشكلات والعاهات ذاتها.
ربما أخطأت شخصياً لاعتقادي أن الناس تقرأ وتتابع، ومن ثم سيفهم المنشور وتعليقي في محله انسجاماً مع الكثير مما كتبته سابقاً حول هذه الأمور، لكن يبدو أن أكثريتنا ما زالت غير معنية إلا بالشتائم تصيداً أو إنتاجاً.
ربما أخطأت أيضاً في تعريض شاب جميل اسمه (ماركوس) إلى هذا الكم من التجريح نتيجة سرعة الكثيرين في تشكيل المواقف، أو نتيجة وزر “عداوات” شكّلها البعض تجاهي وانعكست عليه، تلك “العداوات” التي أهتم بها أحياناً كما يهتم الطبيب بمعرفة الأمراض السائدة؛ لكن هذا لا يقلل من صدق (ماركوس) مع نفسه وجرأته في الطرح وجديته في تمني مجتمع المواطنة المتساوية لجميع السوريين، وشفائه من أمراض (العلمانيات الطائفية)، تلك التي تتكشف دائماً عن قاع طائفي مستحكم ومسيطر.
