نيسرين عبود :
هناك فروق بين مفهوم الغزو والاحتلال والفتح , فروق تعود الى الجهة التي عليها اتخاذ موقف من هذا الأمر , فمن وجهة نظرالعروبية الاسلامية هناك افتخار وترحيب بأي عملية غزو أو احتلال عربي اسلامي لأرض الغير , وهناك امتعاض واستنكار لاحتلال الغير لأرض العرب الاسلامية , استعمار العرب للغير نعمة حضارية وكأنه عند عرب الجزيرة حضارة يمكنها انقاذ العالم , وهم سابقا ولاحقا ذيل العالم , ولا أعرف سببا لهذه الأريحية والتفاني العربي الاسلامي في خدمة العالم , وهم أحق بالمساعدة من الغير الأرقى والأغنى والمتقدم عليهم بمئات السنين ,
بشكل عام يجب اعتبار غزو بلاد الغير أمر عدوانيا واحتلال بلاد الغير عن طرق الغزوة اكثر عدوانية وانحطاطا , أما الفتح الذي يختلف عن الاحتلال بكونه يتضمن التملك فهو من أحط المنحطات , الاحتلال يأتي ويذهب أما الفتح فيأتي وعليه أن لايذهب , وللفتح مضاعفات خارقة للأعراف السابقة واللاحقة منه على سبيل المثال سماح الفاتح لنفسة تغيير كل شيئ في المناطق المفتوحة , كاللغة أو الانتماء الديني , انه تغيير على مزاج الفاتح على أرض الممتلكات الجديد , ولكن المالك الجديد لايساوي بين مواطنيه والمواطنين الجدد , وبذلك يتميز الفتح بكونه من أسوء أأشكال الاستعمار … يوصف بأنه استعمار استيطاني الا أنه حقيقة أسوء بكثير من الاستعمار الاستيطاني , وحتى أنه أسوء بكثير من احتلال اسرائيل للجولان أو فتح اسرائيل للجولان , لايمكن مقارنة الفتوحات العربية بأي استعمار آخر وحتى بالاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين,
استحباب الفتح أو الغزوة او الاحتلال وتملك بلاد الغير هو أمر بمنتهى الخطورة , الخطورة أولا في تدمير أخلاق الفاتح عن طريق اعتياده على النهب كمصدر للرزق , وهذا مايفسر ولو جزئيا الوضع العربي الاسلامي الحالي , خطورة منطق ازدواجية المعايير, لاحقوق لمن لايعترف بحقوق الآخرين , لذلك لاحقوق للعرب الذين يتحسرون حتى الآن على تحرير اسبانيا من الاسبان , والخطورة الثالثة تتمثل بتأهيل المروج للفتح لنفسه لممارسة الغزو مجددا عندما تسنح له الفرصة , وهذا الأمر قاد الى العديد من الكوارث المدمرة للغزاة بالدرجة الألولى , كيف تدهور العراق بعد غزوة الكويت ؟؟وماذا استفادت سوريا على المدى الطويل من تسللها الى لبنان وتعفيش بيوت اللبنانيية .
لقد تعرض المؤرخ العراقي علي الوردي لموضوع الفتح والاحتلال في كتابه وعاظ السلاطين حيث وبخ الوردي على صفحة كتابه(٢٠٤) الغازي الفاتح المحتل بقوله “
“يتبجح بعض هؤلاءالمغفلين بذكرى الفتوح التي قام بها اجدادهم وهم لو أنصفوا لنكسوا رؤوسهم خزياً” , أي أن الوردي لايرى في الفتوحات سوى الخزي والعار وهذا أمر منطقي وأخلاقي وخطر في آن واحد وذلك للاسباب التي ذكرت طيا , أما في صفحة (٢٠٧) فقد كتب الوردي”ومن أعجب المفارقات اننا نستبشع غزو تيمورلنك لبلادنا ونعده العن خلق الله. هذا ولكننا نمجد تلك الغزوات التي غزا بنو امية بها العالم واستعبدوا الشعوب وانتهكوا الحرمات” هنا يستهجن الوردي موضوع الازدواجية الذي يقود الى فقدان حقوق الغازي الفاتح في مناسبة أخرى , لاحق للعرب المتحسرين على فقدان اسبانيا بفلسطين , لذلك يمكن القول على أن مسلكية العرب في هذا الخصوص سهلت وشرعنت احتلال فلسطين بقدر قد يكون صغير أو كبير ,من أكثر الأمور مخاتلة وكذبا ورياء كان توضع الذات المحتلة الفاتحة في مرتبة عالية مقارنة مع مجرمين التاريخ المعروفين , كتب الوردي على صفحة (٢٠٨) من كتابه “قد يقول قائل بأن فتح بني امية كان يختلف عن فتح تيمورلنك فذلك فتحا عادلا في سبيل الله وهذا فتح ظالم في سبيل الشيطان. ولست أرى أسخف من هذا القول” هنا امتزجت السخافة مع النجاسة ومع احتقار الآخر , الذي يعرف عن حيثيات الفتح أكثر مما يعرف الفاتحون.
اأساس العدل والأخلاق هي المقدرة على وضع الذات مكان الآخر , هل سيتغير موقفك لو كنت مكاني ؟؟ , قال الوردي صفحة (٢٠٨) “” إننا نصف الفتح الاموي بالعدل لأننا استفدنا منه. وأهالي سمرقند يجوزان يقولوا عن فتح تيمورلنك ما نقوله نحن عن فتح بني أمية. كلٌ ينظر في الأمور بمنظار مصلحته وينسى مصلحة الأخرين ولو نظرنا في الامر نظرة الإنسانية العامة لوجدنا الفتوح كلها ظالمة في نظر من تقع عليه””هل يتقبل المسلم دفع الجزية لمن يحتل بلاده ؟؟ بالرغم من تأخر العرب المسلمين نراهم يرفضون حتى التلوث بأوروبا , أتريد فرنسا اعتبار الجزائر جزءا منها ثم فرنستها !!معاذ الله , ولأجل منع ذلك لابأس من التضحية بمليون جزائري …, كلنا وجدنا الموقف الرافض للفرنسة صحيح ,الا أن البعض في هذه السنين يتأسف على المليون ضحية وعلى الانفصال عن فرنسا , عقلانيا وبدون عواطف ومعنويبات كان أفضل للجزائر لو بقيت جزءا من فرنسا , وياليت سوريا تصبح جزءا من ألمانيا أو السويد أو أمريكا , تحولت الشعارات والعنتريات مع الزمن الى ثرثرات أي عادت الى طبيعتها الأصلية .
قال الوردي في صفحة(٢٠٩)””يقول المؤرخون أن الجيش الاموي الفاتح عندما دخل المدينة بعد واقعة الحرة أباحها ثلاثة أيام”فأستعرض أهل المدينة بالسيف جزراً كما يجزر القصاب الغنم حتى ساخت الاقدام في الدم وقتل أبناء المهاجرين والأنصار”” هذا كذب وحقد على الاسلام !!!, والبرهان عند لوبون , وعلى ذكر لوبون أعجب من ذلك التأليه له من قبل الاسلاميين , الذين يعتبرون كل أوروبي كافر وكاذب , باستثناء لوبون . وكأن كلامه آية من القرآن , وحتى ابتذال كلامه ودمجه للمتناقضات مع بعضها البعض لم يثير أي شيهة أو شك في عقولهم المشلولة … فكيف يكون الفتح عادلا , والفتح أساسا هو عبارة تطويب أرض المسروق على اسم السارق !, وفي نفس الصفحة(٢٠٩) كتب المؤرخ الوردي “وليس في هذا غرابة فالفتح هو الفتح في كل زمان ومكان. جرى الفتح الاموي في المدينة فعرفنا خبره ولكننا لا ندري كيف جرى في بلاد بعيدة، وماذا قاسى الناس هناك فالجنود الذين يفعلون هذا الفعل في مدينة الرسول لا يبالون أن يفعلوا مثله في بلاد الاعاجم والكفرة” , أيضا هذا حقد وافتراء على الاسلام , ألا تتذكرون ماقاله ماقاله لوبون
في صفحة (٢٠٣) كتب المؤرخ الوردي “يُقال ان موسى ابن نصير غنم من غزواته في افريقيا ثلاثمائة الف اسير فبعث خُمسْ هؤلاء الاسرى الى الخليفة عملاً بحكم القرآن …الخ” ثم كتب في نفس الصفحة “ذكروا أن موسى ابن نصير عاد من الأندلس ومعه من السبايا ثلاثون ألف عذراء فذهبن طبعاً الى قصور امير المؤمنين …الخ” , أهذه هي شمائل المسلمين العرب!, ثم كتب على صفحة (٢٠٩)”و لا غرو بعد هذا ان نرى موسى ابن نصير يجر وراءه من السبايا ثلاثين ألف عذراء بعد فتح الاندلس”. هذا هو الفتح الرحيم !هل يمكنألظن بأن أولئك العذارى وقعن في الاسر طوعاً واختيارا. ان المجاهدين الفاتحين لا بد قد خطفوهن من البيوت بعد أن قتلوا رجالها ونهبوا ما فيها فليس من المعقول ان يذهب المجاهدون الى بيوت المدن المفتوحة فيطرقون الباب ويقولون: “اعطونا عذراء في سبيل الله”.وراء سبي كل فتاة قصة طويلة من النهب والسفك وانتهاك الحرمات, من نكثرة الأسرى بيد أرحم الفاتحين كان هو “افلاس” في تسويقهم ., قال الوردي “وقد اسر المجاهدون في احدى معارك الاندلس عدداً كبيراً من الأسرى بحيث أنهم أخذوا يتخلصون منهم بابخس الاثمان فبيع الأسير بدرهم واحد وبيع البعير بخمسة دراهم”.
لقد ميزت في أول المقال بين مناهض للغزو ومحتقرا له وبين مؤيد له وفخورا به , لاعلاقة لهذا التمييز بأحداث مضت , وانما بالاستعداد النفسي عن المؤيد لمحاولة تكرار ما حدث سابقا , هنا الكارثة التي ستصيب المؤيد حتما , الغرب والشرق ينتظر من الأعراب أي هفوة ليدور سوط الفلق …. وأنتم صاغرون !
