بين “الأنا” العليا والمسلم “الأعلى”

د.ممدوح بيطار:

 
شهدت الثمانيات والتسعينيات من القرن الماضي صعود مايسمى الصحوة الاسلامية , التي ساهمت في خلق شعور عند بعض المسلمين بأنهم ليسوا مسلمون كما ينبغي عليهم أم يكونوا ..اسلامهم ناقص !! وعليهم بالتالي أن يصبحوا أكثر اسلاما لكي يصبحوا أكثر قوة وأعلى مكانة,يجب عليهم صناعة “ذات اسلامية جديدة ” تتجلى في التقيد بأصول التدين والنصوص وحرفيتها وبأصول ممارسة الطقوس بعد أن تاهوا في الماضي وابتعدوا عن الدين وأحكامه , وذلك تأكيدا بأن الاسلام هو الحل وأن حياة المسلم يجب أن تسبح في بحر من التعاليم والفتاوى ضمانا للتمكن من خلق الذات الجديدة , وعلى هذه الذات الجديدة أطلق فتحي بن سلامة اسم المسلم الأعلى تيمنا بالأنا الأعلى عند فرويد .

المسلم الأعلى هو تصعيد لشخصية الاخواني التي بدأت بلورتها في عشرينات القرن الماضي على يد سيد قطب وحسن البنا والجماعة , وأسس الصحوة الاسلامية والمسلم الأعلى ترتكز على عدة ركائز من أهمها العداء للغرب لأن الغرب طور الدولة الحديثة اللادينية والتي تعتبر الدين انتماء شخصيا لاعلاقة له بالانتمناء للدولة , التي تحولت الى كيان سياسي بحت ..لاتوريث ولا والي أمر ولا خلافة وانما علمانية ومواطنة على أساس الدولة التي هي أرض ومجتمع وكيان سياسي يربط المواطنين بعقد اجتماعي يساوي بينهم جميعا أمام القانون , هذا التطور مثل تحديا للشرق المتثبت والمتجمد على فكرة الدولة الدينية .
فالغرب صدم التأخر العربي -العثماني سابقا عن طريق حملة بونابرت(بونابرتي باشا ) على مصر , الغرب كان لاحقا مصدرا للفكر القومي الذي نازع الفكر الديني , الغرب كان المحرض للمرأة للمطالبة بحقوقها , والغرب كان مصدر حقوق الانسان التي لاتستقيم مع منظومة حقوق الانسان الاسلامية , والغرب هو الذي انهى الخلافة والحق الهزيمة بها ثم قسمها وهو الذي رضي بانقلاب أتاتورك على الدين واللغة والحروف التركية وعلى المشايخ والطربوش والمحاكم الشرعية , الغرب هومصدر من مصادر الانزعاج الاسلامي ,فهوالمنافس والمنتصر أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا وعلميا, والغرب أصبح هدف التسول الاسلامي واطعام الاسلاميين وتأمين السكن والغذء والماء والدواء لهم , وأكره أمور الحياة هو الاستجداء لدى الخصم المرفوض دينيا ..انهم الكفرة ولولا الكفرة لمات المؤمنون جوعا , وهل هناك مذلة أعظم من هذه المذلة ؟؟
شعرت الصحوة الاسلامية بعد عام 1953 بالضعف وعدم المقدرة على حشر نفسها في حضارة القرن الحادي والعشرين والقرن العشرين , لذلك حاولت الالتفاف والمخاتلة وابتدعت اسم الدولة المدنية الذي بقي يتيما دون مفهوم محدد , اذ لانعرف تماما القصد من هذه الدولة المدنية , الا أنها وبدون أدنى شك ليست دولة روسو أو جان لوك المدنية أو هوبنز المدنية , القصد من الطروحات المبعثرة عن الدولة المدنية هو ابعاد شبح الدولةالعلمانية عن التداول , والطروحات المبعثرة والشخصية في معظم الحالات توحي بأن هذه الدولة ليست الا نسخة سنية عن جمهورية الملالي الشيعية … تلبيس الدولة المنشودة بلباس “المدنية” لم يكن الا تلفيقة , ولكون هذه التلفيقة واهية لم يجد مفهوم دولة الصحوة المدنية أي مكان في الأدبيات السياسية والاجتماعية الأكادمية .
انهيار الخلافة العثمانية كان المسبب الرئيسي لولادة الاسلام السياسي , الذي أراد للأمة الاسلامية أن يكون لها حاملا وحضنا يحتضنها وهو حضن الدولة الاسلامية المحضون بالأمبراطورية الاسلامية الخلافية , والمسلم الأعلى هو الكفيل باعادة بناء هذه الأميراطورية لاحتواء الأمة الاسلامية , هنا أصطدم الاسلام السياسي مرة أخرى مع الغرب الذي يرفض الأمبراطوريات الدينية ولا يرفض الأمبراطوريات الاقتصادية أوالسياسية أو العسكرية , الغرب رفض الامبراطورية الرومانية كحاضن للمسيحية والتزم بما أقرته اتفاقيات فستفاليا التي تعتبر الحجر الأساس في بناء الدولة الأوروبية الحديثة .
لكي يصل الاسلام الى أهدافه عن طريق المسلم الأعلى عليه اعادة انعاش ممارسات كالجهاد والموت في سبيل الله ثم الترويج للزهد في الحياة الدنيا والذي ينقلب الى ترف وحوريات في الحياة الآخرة , على المسلم الأعلى أن يشعر بالذنب والتقصير وبذلك يحاول معاوضة ذلك عن طريق اعتلائه الى مرتبة المسلم الأعلى, كاعتلاء الانسان الى مرتبة الأنا الأعلى المثالية ,فبنظر الاسلام السياسي واسلام الصحوة يمثل المسلم الأعلى “مثالية” المسلم وأسمى ثم أرقى أشكال الممارسة الدينية.
ادراك المسلم الأعلى لأسباب اكتئابه وشعوره بالذب والحزن المفرط طفلية قاصرة ,فدواء المسلم الأعلى للداء الذي أصابه وغيره بشكل وباء , ليس الا تكريسا لحالة الاحباط الشخصي والجماعي , فالموت الطوعي بأشكاله المختلفة كالاستشهاد والذي يراد به صناعة المخلوق الخارق ليس الا خروجا من “الانساني البشري” ودخولا في فضاء الجثث المتحركة ,صناعة الكائن الخارق عن طريق التضحية بالذات ليس الا تلفيقة ومخاتلة فمن يريد الشهادة قصدا وعمدا انما هو أصلا مصاب بلوثة “كوتار” التي تقزم وجوده المادي وتدفعه الى احتقار نفسه واهمال ذاته وهذا مايدفعه الى التخلي عن الذات واستسهال الموت ..يقال في سبيل الله تكاذبا على الذات , ليس في سبيل الله وانما في سبيل الذات والحوريات!!! فكلما ازداد شقاء الأنسان في هذه الدنيا , ازداد تعلقه بالمعاوضة والانصاف في الحياة الآخرة , لذلك يجب اشقاء الانسان واشعاره بالذنب والقصور والاكتئاب لكي نتمكن من دفعه الى التخلص من حياته , وفي هذا السياق تخليص العشرات من حياتهم .
صناعة المسلم الأعلى هي الصناعة التي تجرد الموت الفعلي من دلالاته ومعانيه , صناعة التوهم وصناعة الجثث المتحركة , صناعة الالتباس بين الحياة والموت !.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *