انقاذ الثقافة …من التنقيل الى التحليل !

December 24, 2018
By

فاتح  بيطار :

لقد تطورت  أساليب  التدريس  في  المدارس  عالميا باتجاه  التحليل  بدلا  من  التنقيل,وبالرغم   من  هذا  التطور العالمي  ,  لاتزال المدارس   السورية وحتى   الجامعات  تنقل  ولا  تحلل, وبالنسبة لتحفيظ  القرآن فالأمر  سيان  ان كان  للتحفيظ    أصل  في  الدين   أو  أنه  لا أصل  له  في  الدين ,  فالتحفيظ  عن  ظهر  قلب  يبقى  اسلوبا  سيئا  لكونه مدمرا  للعقل  كأي  تحفيظ  آخر , فالتحفيظ  يدمر  العديد  من  خواص   شخصية  الطفل  وأولها  خاصة النقد ,  اضافة  الى  ذلك لم  تعد  هناك  حاجة  للتحفيظ  ,فالمعارف  لم  تعد  شفهية  …هناك  الورق والمطبعة  والكومبيوتر ,ولن  تعد  هناك   أي  حاجة لاجهاد  الذاكرة  في  حفظ مواد  يمكن  حفظها  في  جهاز  بسيط .

التحفيظ  يعني  حشو الرؤوس  بمواد  ولو  كانت  جديدة  فستصبح  يوما  ما   ماضوية  قديمة , وثقافة   قبل  1400  سنة  هي  بدون   أي  شك  قديمة ولم  تعد  لها  صلاحية  في  الحاضر وخاصة  في  المستقبل ,  العقل  مليئ  بمواد تراثية  فاقدة  الصلاحية تمنع  دخول   مواد  عصرية  الى  العقل   وذلك  لتناقض  وتضارب   مدلولات  المواد  القديمة مع  العصرية   ,  هنا  تصطدم المثاليات  القديمة  مع  الجديدة  ,  بحكم  الاعتياد  والقناعة  المسبقة  المترسخة  ينتصر  القديم  على  الجديد  , استمرار   انتصار  القديم  وانحسار  الجديد   يحول  الانسان  الى  حجر  همه  الوحيد  هو  البقاء  كما  هو  .

يتم  تحفيظ  القرأن  بلغة  القرآن ,  وما معنى  تقويم اللسان  بلغة من  الصعب  فهم مدلولاتها  المجازية  وصورها  حيث  لكل عبارة  تفسيرات  متباينة ومختلف  عليها  من  قبل  الفقهاء ,تقويم  اللسان  يعني  تمكن   الانسان  من  لغة  القرآن   ,وماهي  فائدة  التمكن  من  لغة  القرآن   عندما    لايمكن   استخدام  هذه اللغة   في  الحياة  اليومية  …تصوروا  جريدة  مكتوبة  بلغة  القرآن   …تصوروا  دردشة  بلغة  القرأن  !, فمن  يتمكن  من  فهم  ماكتب  أو ماقيل ؟؟   , لذا  يمكن  القول  بأن  تقويم  اللسان تحول  الى    اعوجاج  اللسان  ,لسان   لايتمكن  من  نطق   ما  يمكن  فهمه  بالسرعة  الكافية والوضوح الكاف هو  لسان   أعوج  !,

ليس من المهم   ان كان للتحفيظ  أصل في الدين  او  لا أصل له في الدين , فمن  أهم المشاكل التربوية والتدريسية في المدارس  السورية  هي مشكلة   الحفظ والتحفيظ  عن ظهر قلب ,  لقد تطورت  أساليب  التربية والتدريس في المدارس عالميا  باتجاه تنمية التحليل  بدلا من التنقيل ,   لا أشجب  التحفيظ لكونه عادة اسلامية سيئة ,وانما لكونه  مدمرا للعقل والنفس كأي تحفيظ آخر  وضرره على   تكوين  شخصية ناقدة  دائم وعميق   ,  ثم   أنه   لم  يعد  ضروريا  بعد  انحسار  الثقافات  الشفهية .

يحتاج المجتمع الذي  يهمه التقدم  لعقول  تتطلع الى الأمام  وليس لرؤوس  محشوة  بثقافة الماضي  ومليئة  بما  هو ضار حاليا ..تحفيظ القرآن  للأطفال  لايترك في عقل الطفل  مساحة لشيئ  آخر  ..عقله  قرآني  شكلي  خال من خاصة التحليل  ومروج  لمثالية قديمة  لم تكن مثالية , وغربة  وبالتالي  الى  انعزالية  ثقافية  وموت ثقافي ,فالثقافة  الحيوية  هي الثقافة  التفاعلية  والتي  تأخذ وتعطي وبالتالي  تدوم !

تحفيظ القرآن للصغار يغرس في نفوسهم تقديس الماضي , فيصبح الماضي على   علله  المثل  والقدوة  والنموزج , أنه  مقدس  لذاته , وهو   أمل  المستقبل ,  وهذا  هو  الخطر  الكبير ,فالمجتمع  الذي  يريد  التقدم  يحتاج  الى  للتوجه  الى  الأمام  والتطلع  الى  الغد  بدلا  من  محاولة  استحضار  الامس  ,  بتحفيظ  الأطفال  للقرآن  يتم  انشاء  عقول  انصياعية   للزعيم  أو  الخليفة   كما  كان  الأمر قديما , 

 

Tags: , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • فلسفة اللاسلطوية وثقافة الثورة

     الثورات الناجحة في التاريخ هي الثورات التي تغير الانسان وليس فقط انظمة الحكم. والثورات التنويريّة يمكن أن تُسمّى كذلك لأنها لا تُطيح بنظام حكم بقدر ما تُطيح بعقلية وثقافة سلطويّة […]

  • Children killed in Syria as violence rages: NGO

    Syrian warplanes targeted several residential districts of the northern city of Aleppo today, killing at least five people including three children from one family, a rights watchdog said The five […]

  • الصعاليك الجدد في سوريا(الجزء الثالث)

    بيار صادق: الجريمة المنظمة تأسست في سورية مؤخراً شركتان قابضتان سوريتان “شام” و”سوريا” لايفصل بينهما إلا يومان … الأولى برأسمال قدره 350 مليون دولار ، والثانية برأسمال 80 مليون دولار […]

  • مشهد يأبى أن يزول

    يختلف وقع بعض المشاهد على الانسان, فكم من  صورة أو  مشهد يترك في النفس  جرحا وألما كبيرا  , في حين لايعير آخر هذا المشهد أي  اهتمام , هناك مشاهد تسبب […]

  • هل قررت الإستخبارات السورية أن تنتحر؟!

    بعد التحليل الفذ الذي قدمته السيدة نسرين عبود عن تفجيري دمشق والذي يكشف ضحالة سياسية وفكرية عميقة و حس وطني شبه معدوم  وروح انتقامية ملوثة ومتورمة بحقد و قصر نظر خطير […]