بين تمظهرات الدولة الأبوية ودولة الله !

November 26, 2018
By

نيسرين  عبود:

قامت   الدولة   السورية   قبل حوالي  مئة  عام   على أسس   المجتمع  الأبوي التقليدي   ,  الممثل لمزيج  من   القومية  والمذهبية   اضافة  الى  العشائرية  والعائلية ,  قيام  دولة  على   هذا  الاساس  يترافق  عادة  مع  نوع  من  الهشاشة   التي  تقود  الى  الانفراط وبالتالي   انتهاء  وجود  هذه  الدولة .

الدولة   الأبوية     أميرية    أو  خلافية ….الخ ,هناك  الأمير   أو ولي  الأمر  أو  الخليفة   ,  الذي  بيده  الحل  والربط  كما   هو  الحال  في  الأسرة  البطريركية   الأبوبة    ,  حيث   على  رب  الأسرة   أن  يكون  ربا   يحد  مسلكية  الأسرة  اقتصاديا  واجتماعيا   ,  ورب  الأسرة  في  الدولة  هو    أب  الجميع   وراعي الرعية    ومنقذ  الجميع   ,  وبما أنه  بتلك   الميزات  فلا  بد  من  الامتثال  لأوامره  مهما  كانت   ,  أي    أنه  بذلك  عبارة  عن   ديكتاتور  شرعي   ,  وما  على  الرعية   الا  تبجيله  وامتداحه   لخدماته   ومكرماته  وخيره   ,  حيث   أنه   لايمثل  الشر  بأي  حالة  كانت    ,  انه  الخير  المطلق   والحاكم  الحق   ,  لذلك  فهو  غير  معرض  للنقد …انه  الله  على  الأرض .

للدولة   الأبوية  تمظهرات   عدة لاتستقيم مع  علم  الاجتماع  السياسي    باستثناء  الاسم ,  فالهياكل   الحزبية   الحديثة  تستثمر  وفق  عقلية   أبوية  قديمة  قدم   التاريخ  العربي  الاسلامي ,  فرئيس  الجمهورية   هو   الخليفة  الآمر  الناهي   وبيده   السلطة  الزمنية كاملة,  هو  رأس  الهرم   ومرضه  على  سبيل  المثال   يمثل  مرض  الهرم  من  قاعدته  الى   قمته ,

لاوجود   للمؤسسات  في  النظام  الابوي ,  تلك  المؤسسات  التي   تدير   أمور  الدولة  في  حالة   غياب   القمة  مرضيا  أو  لسبب   آخر , والامثلة   التي    سأقدمها   ستبرهن  عن   ذلك  ,  لقد    أصيب   الرئيس  حافظ  الاسد   بالمرض   ,  وهكذا  تشكلت  عند   من  يعتبر   نفسه  وريثا   أي  عند  أخيه  رفعت  الأسد   قناعة   بأن    الارث    قاب    قوسين  أو  ادنى .

الرئيس   المريض  كان  بكامل  وعيه   وبعد  تعافيه   من  المرض  شرع  فورا   بترتيب  صفقة   تتضمن  خروج    الوريث   قسرا   الى   المنفى  مع  كل  مايرغب  به  من   مال   ,  ويقال  بأن  المبلغ  الذي    احتوته   حقائب     الوريث   تجاوزت  ثلاثة مليارات  دولار   ,  ولأن   هذا  المبلغ   الزهيد  غير  متوفر  في  بيت  المال   , كان  من  الضروري  استدانته  من  القذافي   الذي  لم  يتوان  عن  مساعدة  زميله  في  الرئاسة ,  وهكذا    حمل   رفعت  الأسد    الأموال  ورحل  .

كيف  يمكن   فهم  وتقييم  هذه  الصفقة   ,  التي  تمت  بعد  أن  دفع  كل  فرد  سوري  لرفعت  الأسد  حوالي  مئة   ألف  ليرة  سورية ,  هل   يمكن   فهم  ذلك   في   أطار    أي  مفهوم  سياسي    أو  قانوني   ,  وهل  يستقيم  ذلك  في   اطار   أي  عقد  اجتماعي   أو  وجود  دولة  بالمعنى  الحقيقي  للكلمة.

لايستقيم  ذلك  الا  مع   منظومة  الدولة  الأبوية   ,  التي  لاتأبه   لشيئ الا   لارادة  رأسها ,  وهكذا   استزف  رفعت  الأسد   بصفقة  واحدة  مايعادل  نصف  ميزانية  البلاد ,  هنا  ولسمح   القارئ  لي  بسؤال   بسيط   ,  هل   توظيف  هذه  الأموال  في   تنمية  البلاد   أسوء  من    اعطائها  لرفعت  الأسد ؟

لقد   تعرفنا  في  ثمانينات   القرن  الماضي   على   العنف  الأصولي   ,  وقصة  حماه  كانت  على  درجة  كبيرة  من   الدلالات ,   لقد     أظهرت   هذه   الحادثة    وجود  خلل   في  بنية  المجتمع  السوري   الذي   لم  يتطور  كما  يجب  عليه   أن  يتطور   ,  تطور  المجتمع   لم  يصل  الى  حد  تقبل   هذا  المجتمع   لعقد  اجتماعي   يضع  سوريا  على  طريق  التقدم  والازهار ,

من     الخطوات  التي   رأتها  قمة  الهرم   ضرورية   كانت   خطوة    اقامة  مئات من  مدارس  تحفيظ  القرآن  عانم 1985  وذلك    ارتاكسا   لحوادث  حماه   وتعلما  من  درس  حماه ,  وقد   كلفت   لرئاسة  السورية  آنذاك   الشيخ  عبد  الله  علوش   والد  زهران  علوش    بمهمة   انشاء  هذه  المدارس   على   أساس  المذهب  الحتبلي ,   كلفة  التأسيس  كانت   بالنهاية  من  حظ   المواطن  السوري ,   شكليا   كانت   الكلفة  على   الرئيس   ,  الا  أنه  في  المجتمع  الأبوي   لافرق  بين  جيب  الاب  وجيوب الأولاد !

السؤال  الذي   طرحه   العديد  من  السوريين   بخصوص   مدارس  تحفيظ  القرآن   كان   عن   الهف  من  هذه  المدارس   وعن  قيمتها   التربوية  والعلمية ,  وهل  كثرة   هذه  المدارس   دليل   على  تكاثر معالم  التقدم ,  وهل  اقامة   هذه  المدارس  من  مصلحة  الوطن  السوري ؟    وما  هي  علاقة     اقامة  هذه  المدارس   مع  مصلحة   الأب  راعي  الرعية ؟؟؟؟

بما   أن  الدولة    الأبوية تقليدية   ودينية   عشائرية   اضافة  الى  ذلك ,   فانه  من  المتوقع  وجود   العديد  من   أوجه   التقاطع  بين مصلحة   الرأس  وبين  رؤوس   المؤسسات  الدينية   ,  فالتناقض  بين  المصالح   كان  في  حماه  , والتقاطع  مع  المصالح  كان   في  بعد  حماه  , واقامة  مدارس  تحفيظ  القرآن   كان  نوعا  من   البرطلة   للمؤسسة   الدينية   الاصولية   السلفية ,  وماذا  عن   مصلحة  الوطن ؟؟؟

تتميز   الدولة  الأبوية  بشكل  عام   بوجود  شعارات  فضفاضة   تفرزها  قريحة رأس  الهرم ,   ولا  مساءلة   عن  نسبة     الانجاز   من   هذه  الشعارات ,    الشعارات  بحد  ذاتها    , حتى  بدون  انجاز  ,  تمثل      حكمة  الحاكمية  وذلك   كالحكم  الالهية ,  وهل  سأل  الله  يوما  ما    عن  نسبة   الانجاز  لشعاراته ؟

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • خنزرة البطرك !

    بقلم: جورج بنا ليس من اللائق   وصف  بعض رجال الدين المسيحي  , كماوصفهم مغرد على الفيس بوك   اذ كتب : تصريحات خنزير …!! البطريرك لحام: الحرب في سوريا تستهدف المسيحيين […]

  • لماذا رئيس وزراء جديد , وليس رئيس جمهورية جديد ؟

    بعد اشتعال الأزمة السورية الحاد في أوائل العام الماضي , كلف رئيس الجمهورية السيد عادل سفر بتشكيل حكومة جديدة , وضرورة الحكومة الجديدة أتت من مايمكن أن يقال عنه عدم […]

  • الحادث والحديث الاخونجي !

     ممدوح بيطار: من يعود الى فلسفة الاخوان ودساتيرهم التي وضعها الأب المؤسس حسن البنا عام 1928 يجد الشعار- الدستور التالي : “الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت […]

  • الاقتصاد السوري …المشكلات والحلول

    وقع نظري مؤخرا  على محاضرة الدكتور عارف دليلة ..الاقتصاد السوري ..المشكلات والحلول  ’ التي القاها قبل سنوات , وقد كانت هذه المحاضرة هي السبب  لاعتقاله والحكم عليه بالسحن حوالي عشرة […]

  • الحل الأمني معالجة آنية ..لقاء مع عمار بكداش

    لا يمكن للمار في ردهات الجبهة الوطنية التقدمية إلا أن يلاحظ التغير في أجوائها، تغير لم يقتصر على البناء الرخامي الذي يشغل حيزا من حي الروضة الدمشقي العريق، بقدر اللغة […]