بين الوطن والموطن , في هجاء دولة الشخص !

November 7, 2018
By

نيسرين  عبود:

وما هي علاقة المواطن بالوطن ,الأمر أكثره مادي ,وأقله معنوي , حيث ان الصيغة العملية لهذه العلاقة هي صيغة الأخذ والعطاء , ومعظم العلاقة شاقولي , اي انه تاريخي وتقييمه يتطلب دراسة الماضي والحاضر والمستقبل , جزء منها أفقي , أي يعتني بتقييم آني للعلاقة , أي ان للعلاقة عدة محاور , هناك المحور الشاقولي وهناك المحور الأفقي , وكل محور مكون من عدة مكونات تختلف عن بعضها البعض كميا وكيفيا,لكي تثمر العلاقة بين الوطن والمواطن , يجب أن يكون معظم هذه العلاقة قابل للتعريف التقييم المادي والقياس , ويمكن لجزء من العلاقة ان يكون معنوي , يكون تقييمه شخصي بحت ,ولايمكن للعلاقة المعنوية وحدها أن تسير علاقة الوطن بالمواطن بشكل منتج , لابد للشطر الثاني المادي , حيث يتم عندها نوع من التكامل بين المادي والمعنوي , والذي يختلف وجوده كنسب من شعب لآخر

العلاقة الايجابية بين المواطن والوطن تسمى “المواطنة” , وهذه العلاقة تبلغ أعظم سموها عندما تتحول الى مايشبه دين مدني للدولة , وكلمة “دين” لاتعني الا اعطاء الوطن صبغة قدسية ,والمدنية تعني ابعاد كل وظيفة في الدولة عن القدسية , الأحزاب الموظفين الرؤساء ..الخ وتقديس الوطن يزداد بتناقص تقديس الأفراد ووظائفهم , فالجندي قد يموت من أجل الوطن , الا أنه لايمكن للجندي أن يموت من أجل الشخص , وشخصنة الوطن هو أمر قاتل له , وهو الذي يحول الوطن , في أحسن الحلات الى “موطن ” , أي الى مكان للاقامة ..الى فندق أو مايشبه ذلك .

في ظل الديكتاتورية , ينحدر الوطن الى موطن , وعند ازمان الديكتاتورية , التي تلغي العلاقة بين الوطن والمواطن بشطريها المادي والمعنوي الموضوعي , ينزلق الوطن الى شكل ماقبل الدولة , اي الى شكل قبلي عائلي , ويصبح مزرعة خاصة , وتنحل الدولة ويتعثر العقد الاجتماعي , الذي حول الجماعات التي عاشت الى جانب بعضها البعض , الى مجتمع تعيش فيه هذه الجمات في اطار تكافلي تضامني مع بعضها البعض , وهذه هي نهاية الدولة , وبداية جماعات القبائل .

كما أن الدولة لاترتكز على رجل واحدة , فانها بالتالي لاتزتكز على شخص واحد , وبعض المقولات مثل مقولة مؤسس الدولة , خالية من البرهان على ذلك , قد يكون لشخص دورا أكبر من دور شخص آخر , الا أن الدولة التعاضضدية ليست دولة “الشخص” وانما دولة الجماعة التي هي المجتمع .

كل اختلاطات وعثرات بناء الدولة التعاضضية التكافلية التضامنية , نجدها في سوريا , وفي سوريا نجد أيضا اختذالا مريبا للدولة وتضخيما مريبا للشخص , وتطور الأمور كان عليه أن يأخذ في سوريا اتجاها معاكسا , لقد كان على الدولة أن تبتلع النظام وعلى النظام ابتلاع السلطة , وعلى السلطة ابتلاع الحزب أو الأحزاب , وعلى الحزب ابتلاع الطائفة وعلى الطائفة ابتلاع القبيلة وعلى القبيلة ابتلاع العائلة , وعلى العائلة ابتلاع الشخص , وما حدث هو ان ابتلع الشخص كل شيئ وأخيرا الدولة التي تقزمت وأصبحت ملحقا للشخص , الجمهورية السورية تحولت الى سوريا الأسد ..اسم على مسمى !

لكي تنهض سوريا من ترديها يجب توجيه حركة الابتلاع التي وصفتها في السطور السابقة باتجاه معاكس , بحيث نصل الى الدولة القوية , التي تضع تحت مظلتها كل ماذكر من مكونات …من الشخص الى النظام , ولا يمكن لمن ابتلع كل شيئ أن يتقيئ كل ما ابتلعه , لأن هناك ضوابط للتقيئ , قد يتقيئ بعض الأشياء , ليعود الى ابتلاعها مرة أخرى , وذلك لأن وجوده مرتبط بعملية الابتلاع ونجاحها , وهل يوجد من يتخلى طوعا عن وجوده ؟؟ هل يوجد من يقضي على نفسه طوعا ؟؟

انهاء تقلص الدولة لايتم الا بانهاء تمدد الفرد , ولا أقول على الفرد أن يترك ويرحل منطلقا من “شيطنة” مسبقة الصنع للفرد , فللفرد صفات قد تكون في المجال الشخصي جيدة جدا , الا أن الابتلاع الذي تم , لايدل الا على وجود حالة شديدة التردي , ولا أظن على أن التردي مطلب واع لأي شخص , الا أن هناك من يستطيع ان يكون أكبر موظف في دولة , وهناك من لايستطيع , ومن لايستطيع عليه ان يفتح الباب على مصرعيه لمن يستطيع , ومهما كان الانسان محدود الوعي والادراك فعليه أن يكون قادرا على القيام بعملية جرد بسيطة , وعليه أن يعرف أين كنا ويعرف كيف أصبحنا , ويعرف أيضا كيف يمكننا أن نكون في حال توفر ظروف حكم مقبولة بعض الشيئ , و اذا لم يقتدر على ذلك , فعلى الشعب مساعندته للنجاح في هذه المهمة , واذا رفض فعلى الشعب اجباره , وطرق الاجبار تتراح بين فعل القلم وفعل السيف , وفي سوريا نجد القلم والسيف وما بينهما , والنهاية ستأتي مهما طال انتظارها , فهذه هي قوانين التالريخ .

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • الاصولية التي نحاربها ونحارب بها !

    سمير  صادق: ازمان الأسدية كأصولية  الى  جانب  الأصولية  الأخرى غير من ملامح الانسان السوري ومن طباعه وقيمه ونفسيته وممارساته للوطنية , يكفي التنويه الى  بعض  المعالم كالفساد ,الذي تمت  دسترته […]

  • تورط حزب الله في سوريا…السر

     لم يكن الامر يوما سرّا. تكفّلت الايّام والاحداث والجنازات بكشف عمق تورط «حزب الله»، وهو لواء في «الحرس الثوري» الايراني عناصره لبنانية، في الاحداث السورية. كان ذلك معروفا لدى العامة […]

  • الأفراح والليالي الملاح

    بقلم:ربا منصور عمت الأفراح حي المزة ٨٦  ووزعت الحلويات   وتشكلت حلقات الدبكة على أنغام علي الديك ,  وضجت السماء  بالعيارات  النارية  , وحتى المدفعية الحكومية شاركت  في الابتهاج ,  […]

  • وادي النصارى , أو وادي النضارة

    بقلم :سيلفيا باكير  يوم أمس الأول قتل في وادي النصارى ( السلطة العلمانية !  غيرت اسمه ليصبح وادي النضارة ) أكثر من عشرة مواطنين  معظمهم من بلدة مرمريتا,والموضوع بطبيعة الحال […]

  • أهل الشوارع والمنافع وانتصار الصمت !

    جورج  بنا عندما علمت بأن  أهل  البيت  سابقا قد   اكتفوا  بخمس مداخيل  البلاد  عن  طريق غنائم  الحرب,   صعقت  وكدت   أنفجر حنقا  وغضبا , ولم  يساعدني  في لحظة […]