بين الوطن والموطن , في هجاء دولة الشخص !

نيسرين  عبود:

وما هي علاقة المواطن بالوطن ,الأمر أكثره مادي ,وأقله معنوي , حيث ان الصيغة العملية لهذه العلاقة هي صيغة الأخذ والعطاء , ومعظم العلاقة شاقولي , اي انه تاريخي وتقييمه يتطلب دراسة الماضي والحاضر والمستقبل , جزء منها أفقي , أي يعتني بتقييم آني للعلاقة , أي ان للعلاقة عدة محاور , هناك المحور الشاقولي وهناك المحور الأفقي , وكل محور مكون من عدة مكونات تختلف عن بعضها البعض كميا وكيفيا,لكي تثمر العلاقة بين الوطن والمواطن , يجب أن يكون معظم هذه العلاقة قابل للتعريف التقييم المادي والقياس , ويمكن لجزء من العلاقة ان يكون معنوي , يكون تقييمه شخصي بحت ,ولايمكن للعلاقة المعنوية وحدها أن تسير علاقة الوطن بالمواطن بشكل منتج , لابد للشطر الثاني المادي , حيث يتم عندها نوع من التكامل بين المادي والمعنوي , والذي يختلف وجوده كنسب من شعب لآخر

العلاقة الايجابية بين المواطن والوطن تسمى “المواطنة” , وهذه العلاقة تبلغ أعظم سموها عندما تتحول الى مايشبه دين مدني للدولة , وكلمة “دين” لاتعني الا اعطاء الوطن صبغة قدسية ,والمدنية تعني ابعاد كل وظيفة في الدولة عن القدسية , الأحزاب الموظفين الرؤساء ..الخ وتقديس الوطن يزداد بتناقص تقديس الأفراد ووظائفهم , فالجندي قد يموت من أجل الوطن , الا أنه لايمكن للجندي أن يموت من أجل الشخص , وشخصنة الوطن هو أمر قاتل له , وهو الذي يحول الوطن , في أحسن الحلات الى “موطن ” , أي الى مكان للاقامة ..الى فندق أو مايشبه ذلك .

في ظل الديكتاتورية , ينحدر الوطن الى موطن , وعند ازمان الديكتاتورية , التي تلغي العلاقة بين الوطن والمواطن بشطريها المادي والمعنوي الموضوعي , ينزلق الوطن الى شكل ماقبل الدولة , اي الى شكل قبلي عائلي , ويصبح مزرعة خاصة , وتنحل الدولة ويتعثر العقد الاجتماعي , الذي حول الجماعات التي عاشت الى جانب بعضها البعض , الى مجتمع تعيش فيه هذه الجمات في اطار تكافلي تضامني مع بعضها البعض , وهذه هي نهاية الدولة , وبداية جماعات القبائل .

كما أن الدولة لاترتكز على رجل واحدة , فانها بالتالي لاتزتكز على شخص واحد , وبعض المقولات مثل مقولة مؤسس الدولة , خالية من البرهان على ذلك , قد يكون لشخص دورا أكبر من دور شخص آخر , الا أن الدولة التعاضضدية ليست دولة “الشخص” وانما دولة الجماعة التي هي المجتمع .

كل اختلاطات وعثرات بناء الدولة التعاضضية التكافلية التضامنية , نجدها في سوريا , وفي سوريا نجد أيضا اختذالا مريبا للدولة وتضخيما مريبا للشخص , وتطور الأمور كان عليه أن يأخذ في سوريا اتجاها معاكسا , لقد كان على الدولة أن تبتلع النظام وعلى النظام ابتلاع السلطة , وعلى السلطة ابتلاع الحزب أو الأحزاب , وعلى الحزب ابتلاع الطائفة وعلى الطائفة ابتلاع القبيلة وعلى القبيلة ابتلاع العائلة , وعلى العائلة ابتلاع الشخص , وما حدث هو ان ابتلع الشخص كل شيئ وأخيرا الدولة التي تقزمت وأصبحت ملحقا للشخص , الجمهورية السورية تحولت الى سوريا الأسد ..اسم على مسمى !

لكي تنهض سوريا من ترديها يجب توجيه حركة الابتلاع التي وصفتها في السطور السابقة باتجاه معاكس , بحيث نصل الى الدولة القوية , التي تضع تحت مظلتها كل ماذكر من مكونات …من الشخص الى النظام , ولا يمكن لمن ابتلع كل شيئ أن يتقيئ كل ما ابتلعه , لأن هناك ضوابط للتقيئ , قد يتقيئ بعض الأشياء , ليعود الى ابتلاعها مرة أخرى , وذلك لأن وجوده مرتبط بعملية الابتلاع ونجاحها , وهل يوجد من يتخلى طوعا عن وجوده ؟؟ هل يوجد من يقضي على نفسه طوعا ؟؟

انهاء تقلص الدولة لايتم الا بانهاء تمدد الفرد , ولا أقول على الفرد أن يترك ويرحل منطلقا من “شيطنة” مسبقة الصنع للفرد , فللفرد صفات قد تكون في المجال الشخصي جيدة جدا , الا أن الابتلاع الذي تم , لايدل الا على وجود حالة شديدة التردي , ولا أظن على أن التردي مطلب واع لأي شخص , الا أن هناك من يستطيع ان يكون أكبر موظف في دولة , وهناك من لايستطيع , ومن لايستطيع عليه ان يفتح الباب على مصرعيه لمن يستطيع , ومهما كان الانسان محدود الوعي والادراك فعليه أن يكون قادرا على القيام بعملية جرد بسيطة , وعليه أن يعرف أين كنا ويعرف كيف أصبحنا , ويعرف أيضا كيف يمكننا أن نكون في حال توفر ظروف حكم مقبولة بعض الشيئ , و اذا لم يقتدر على ذلك , فعلى الشعب مساعندته للنجاح في هذه المهمة , واذا رفض فعلى الشعب اجباره , وطرق الاجبار تتراح بين فعل القلم وفعل السيف , وفي سوريا نجد القلم والسيف وما بينهما , والنهاية ستأتي مهما طال انتظارها , فهذه هي قوانين التالريخ .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *