جدلية العنف, طائفية المقدس وقداسة الطائفية !

October 13, 2018
By

ممدوح بيطار:

يرتكز بحث  العلاقة بين  الطائقفية والمقدس  على  أسس  من  أهمها تلازم  الطائفية  مع وجود المقدس  والتناسب الطردي بين  انتشار وممارسة  الطائفية والاعتقاد  بالمقدسات   , الطائفية كانت ولا زالت  تمثل جزءا  من البنية الاجتماعية  والثقافية  للمجتمعات العربية الاسلامية  ومنذ العديد من  القرون .انها موروث  تاريخي  تراثي اسلامي وسمة حيوية  رئيسية في تركيبة المجتمع العربي الإسلامي، ومكوناً رئيسياً في تراثه الثقافي والديني.

الوضع لم يتغير    بشكل  اساسي بتغير  سمة  الأمبراطوريات  ان كانت   أموية  أو عباسية  او  عثمانية  ,التغير  حصل  بعد انهيار  الخلافة العثمانية حيث تراجعت الممارسات   الطائفية بعض الشيئ  لتعود  الى الانتعاش  في العقود الأخيرة , هذا يعني  بالنتيجة أن الطائفية  بقيت موروثاً حيويا وحيا   حتى في العصر الحديث  حيث  احتفظت   المجتمعات العربية الاسلامية  بهيكليتها  الطائفية  رغم  ولادة الدولة الوطنية  ورغم  تطور  النظام العالمي بشكل معاكس .

لنأخذ  المثلث الأنثربولوجي الشهير لدى محمد أركون والمؤلف من المقدس والحقيقة والعنف   , أركون يرى بأن  من يكرس  المقدس  كحقيقة   بمختلف الوسائل  , انما  يشرع  ممارسة  العنف  تجاه  أي مساس  بالحقيقة التي تمثل المقدس,وذلك بالرغم من أن  قدسية المقدس ليست  أصلا به  وانما غلافا خارجيا  له .

تختلف المقدسات والحقائق المطلقة  التي تمثل  القاسم المشترك بين  الطوائف الدينية,الا أن   آلية صناعة المقدس واحدة  بين مختلف الطوائف ,المقدس  مختلف من طائفة لأخرى , تباين  واختلاف المقدس هو المؤسس  لانتاج الخلافات   بين الطوائف   كما يرى  أدونيس في  الثابت والمتحول  .

هناك التباس  كبير بين  مفهوم الطائفة ومفهوم الطائفية ,فالطائفة  هي اتجاه  اجتماعي له أبعاده التاريخية , ومن الصعب  تواجد كيان الطائفة دون   ملازمة الطائفية  بحيث يمكن القول  بأن الطائفة طائفية  بطبيعتها  وعلى الدوام ,  للطائفة  الطائفية “مشروع”سياسي  في الغالب  , مشروع  ذونهج   يعتمد الطائفة  كوسيلة   للوصول الى الهدف السياسي  والعمل على فرض الهيمنة السياسية  المموهة دينيا .

تعد القداسة صفة لصيقة وملازمة للفكر والسلوك  الطائفي  ,فالفكر الطائفي هو وليد النظرة  تجاه النصوص المقدسة ووليد التداخل بين  قداسة النص وقراءة النص  (مايسمى استصحاب  القداسة), ثم ان   القداسة تضمن الحماية  للطائفة من الاختراق الفكري الذي  قد يؤدي  الى  تآكل وضمور الطائفة ..

القداسة  والحماية هم جوهر الفكر الطائفي , العيب مفقود في  فكر الطائفة !!!,  وبقدر ماتؤدي  القداسة  الى حماية الطائفة من الاختراق , تؤدي  في نفس الوقت  الى  اغتيال وبالتالي الى موت فكر الطائفة لتناقضه مع العقل والاجتهاد والتطور  بما  تفرضه وتتطلبه الحياة ,الحماية من الاختراق  يقود الى تيبس  فكر  الطائفة  وتعطيل  تزويد فكر  الطائفة  بروافد فكرية جديدة  تعيض عن  المستهلك  من الفكر  وتزود فكر الطائفة  بما هو  ضروري  وجديد  من  من  أجل حياة    تتطلب التجديد  المنواصل .

امتلاك الحقيقة هو منتج من منتجات القداسة , لاعيب  ولا نقص  في الحقيقة المطلقة التي هي  جوهر  القطعية الطائفية ,والحقيقة واحدة  ومقدسة  وما عداها  شذوذ  ونشوذ  وانحراف  ثم ضلال   , وهذا  يقود  حتما الى    شرعنة العنف  الذي  تحدث عنه  أركون  في ثلاثيته ,ثم  أن  القداسة  هي مصدر الأخلاق الطائفية التي ترسم  سلوك الفرد تجاه  محيطه الاجتماعي , أخلاق تتسم  بلتعالي  والاقصاء  , القداسة   تؤسس  للتعصب  الديني الذي هو   أقرب  الى التعنت  والتجمد والتحجر   , هذه الصفات  هي   من   أهم سمات  مسلكية الفرد في الشعوب المتأخرة  ,والتعصب الديني اضافة الى ذلك   أسوء بدرجات من التعصب العشائري  أو القومي  لكونه يرتكز  على  ثوابت   عسيرة على التغيير والتطوير, القداسة هي  أيضا  مصدر  الغاء الآخر  في  الوجود والتعبير  والاعتقاد  , حيث  يتم تبرير كل ذلك  بامتلاك الحقيقة المطلقة .

من مظاهر علاقة المقدس بالعنف  تسمية   العديد من الحروب  بالحروب المقدسة  , حيث يتم توظيف المقدس  في  الصراعات  الحربية  وذلك  بهدف  التمويه  على  مسببات وأهداف ثم نتائج  هذه  الحروب المقدسة,الويلات والمآسي والخراب والدمار..الخ  كل ذلك منبعه توظيف المقدس الديني في الصراعات  الحربية  ,كما  أن  الأثمان الباهظة اعتبرت  زهيدة  نسبة الى  هدف حماية المقدس,واقعيا  كانت الصراعات والحروب  مظهر من مظاهر التنافس  الفطري  على المصالح والاستحواز على المنافع والسلطة  والنفوذ  استجابة  للغريزة البشرية ,  إستخدام المقدس  في هذه الصراعات كان  بهدف التحشيد والتجييش  لخوض تلك الحروب  , التي  تحصد حياة   البسطاء  من المؤمنين بذلك المقدس.

لايمكن  التغلب على الغرائزية الطائفية ووضع حد  لتوظيف الدين المدمر  وللطائفية وللمقدس  الا   بالعقلانية  التي   تسمح بتأسيس دولة القانون  التي تقوم على   أساس المواطنة  ,ليس  عل أساس الدين أو المذهب أو المقدس  , فشلت المجتمعات  الاسلامية  بسبب المقدس  وسوف   يتصاعد الفشل عند الاستمرار  في التقديس !

 

 

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • الاسلاموي حافظ الأسد !

    نيسرين عبود: *اليس حافظ الأسد هو من شجع التيارات الدينية التنويرية وبنى آلاف المساجد في سورية لقطع الطريق على التيارات الأصةلية السلفية المتطرفة ؟ سأل الكاتب اليساري الماركسي عماد أيوب […]

  • الأزمة السورية والعقلانية الضائعة ..!

      فاجأ المجتمع السوري العالم، بما حصل ويحصل فيه من صراعات دموية. كان الجميع يراهن على عقلانية في المجتمع السوري تتمايز عن المجتمع الليبي، أو اليمني أو غيره من مجتمعات […]

  • لعيونك ياعمار !وفدى صرماية بشار !

    عماد بربر: المنطق يقول على أن  الزهرة تنبت في الأرض التي تناسبها , لايعيش الياسمين على المزابل , فعلى المزبلة  ينمو زهر”أبو منشح”  ذو الرائحة البرازية البولية  , وكما هو […]

  • بَعير بشار الأسد وناقة الشعب السوري

    بقلم: خطيب بدلة عَوَّدَنَا الرئيس بشار الأسد، منذ خطاب القَسَم الذي أداه أمام مجلس الشعب، في صيف سنة 2000، على الصراحة والشفافية. وبناءً على هذا، فقد زَفَّ إلينا، في خطابه […]

  • انقاذ الثقافة …من التنقيل الى التحليل !

    فاتح  بيطار : لقد تطورت  أساليب  التدريس  في  المدارس  عالميا باتجاه  التحليل  بدلا  من  التنقيل,وبالرغم   من  هذا  التطور العالمي  ,  لاتزال المدارس   السورية وحتى   الجامعات  تنقل  ولا  تحلل, […]