جورج بنا :
لبوتين مفاهيم غريبة بعض الشيئ في هذا العصر , ولا عجب أنتفوح من تقييمه للأحدات رائحة المفاهيم السوفييتية , ففي مدرسة السوفييت تعلم بوتين وفي مدرسة السوفييت تعلم أيضا لافروف , الا أن مدرسة بوتين كانت مقارنة بمدرسة لافروف أشد انحطاطا , لافروف كان في السلك الديبلووماسي السوفييتي وبوتين في مخابرات السوفييت (KGB), وماذا ننتظر من تلاميد خوروشوف وبريجينيف ؟؟
لايمكننا أن ننتظر منهم الا ممارسات لها علاقة بتربيتهم على الأقل جزئيا,ولو أخذنا قصة براغ وربيعها وكيف أطبق السوفييت عليها بدباباتهم وطائراتهم وكيف برروا فعلتهم نجد تطابقات وقواسم مشتركة عديدة بين الاطباق على براغ وبين الاطباق على الساحل السوري, خاصة الاطباق على أوكرنيا ا مؤخرا , لم يأبه السوفييت بالمنطق في تبريراتهم لفعلتهم آنذاك وانما بالقطعي, فجأة هجم على براغ ٥٠٠٠٠٠ عسكري لان رئيس الدولة الشيوعي أراد له ولبلاده بعض الحرية , في تلك الأوقات عام ١٩٦٨ تحدث بريجينيف عن الأسرة الاشتراكية وعن السيادة المحدودة وعن ديكتاتورية البروليتاريا الدولية( القصد هنا مجموعة الدول التي تسيطر عليها البروليتاريا) والدفاع عن الاشتراكية وعن المجتمع الاشتراكي والأسرة الاشتراكية ثم عن وجود مايسمى القانون العام في البناء الاشتراكي , وترك هذا القانون هو بمثابة تخلي الاشتراكية عن نفسها ,كل ذلك سمي آنذاك “عقيدة بريجينيف” , وعقيدة بريجينيف تهتم بكل شيئ ماعدا المهم , الحرية كانت مهمة للمتظاهرين آنذاك , الا أن مطالبتهم بالحرية كانت بمثابة تمرد على العائلة الشتراكية “والأم ” الاشتراكية ومحاوة لتفتيت وحدة العالم الاشتراكي ,لذلك أمر مئات الألوف من العسكر …عليهم !!!.
لاضرورة للاطالة بما يخص تشيكوسلوفاكيا وربيعها ثم مخمليتها التي انتصرت بعد عشرين عاما , فالسيد بوتين غير مهتم بمطالب الشعب السوري , وانما بالقضاء على داعش وبعض الارهاب , ثم انه يريد الدفاع عن روسيا باحتلال سوريا , وما فعله في سياق هذا الدفاع كان شرعي لأن سلطة شرعية طلبت منه ذلك وبذلك يحترم بوتين القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واحترامه لميثاق الأمم المتحدة يستقيم مع احتلاله لدولة أخرى مثل اوكرانيا دون قرار من مجلس الأمن , بالمقابل فان مافعله الغرب في يوغوسلوفاكيا كان أمرا لاشرعيا لأنه لم يتم بقرار من مجلس الأمن.
بما يخص غزوة بوتين هناك مفارقة مخجلة بين الحاضر والماضي القريب , ففي الماضي القريب أفشل بوتين العديد من مشاريع القرارات في مجلس الأمن بالفيتو ,من الصعب فهم بوتين وتفهم غزوته وتبريراتها نظرا لأنه في يوم ٥-١٠-٢٠١١ قام باجهاض مشروع قرار يدعو “السلطات السورية إلى الوقف الفوري لانتهاكات حقوق الإنسان، والامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي المعمول به، كما دعا إلى عملية إصلاح سياسية شاملة بقيادة سورية حصرية للمعالجة الفعالة للتطلعات المشروعة ومخاوف شعب سوريا, ولا أدري ماهو الخطأ في هذا المشروع وكيف يمكن لانسان أن يرفضه , أما في يوم ٤-٢-٢٠١٢ فقد أجهض بوتين مشروع قرار عربي-غربي لإقرار خطة الجامعة العربية التي تدعو إلى تنحي الرئيس بشار الأسد وتسليم سلطاته إلى نائبه, وأشار نص مشروع القرار إلى “تبني خطة عمل الجامعة والقرارات اللاحقة الصادرة عنها، بما في ذلك القرار الذي يهدف إلى التوصل إلى حل سلمي للأزمة، وأهمية ضمان العودة الطوعية للاجئين والمشردين داخليا إلى ديارهم في أمان وكرامة ووضع الدول الأعضاء في اعتبارها أن الاستقرار في سوريا هو مفتاح السلام والاستقرار في المنطقة, وهنا يمكن القول على أن هذا المشروع كان كفيلا بتجنب العديد من أوجه الكارثة السورية التي تتجلى في اجاعة نصف الشعب السوري وتشريد نصف الشعب السوري وتخريب أكثر من نصف البنية التحتية السورية ومقتل مليون سوري على الأقل , اما المناسبة الثالثة فكانت يوم ١٨-٧-٢٠١٢ , هنا أجهض بوتين للمرة الثالثة مشروع قرار تقدمت به بريطانيا إلى مجلس الأمن، وينص على “تمديد مهمة المراقبين الدوليين لمدة 45 يوما، وفرض عقوبات على سوريا بموجب الفصل السابع من ميثاق المتحدة الأمم إذا لم يقم نظام الأسد بسحب الأسلحة الثقيلة من المناطق السكنية في غضون عشرة أيام من بداية تطبيق القرار,أيضا هنا لانرى ماهو قبيح على تمديد مهمة المراقبين لشهر ونصف , أما الفصل السابع فهذا أمر آخر , على كل حال لو تم ذلك لما انهارت سوريا وتدمرت ,أما المناسبة الرابعة فقد أجهضها بوتين بعد أن أمعن الأسد في اجرامه حيث تقدمت بريطانيا بمشروع قرار لاحالة سوريا الى محكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب من قبل طرفي النزاع , لم يطالب مشروع القرار محاكمة الأسد فقط وانما محاكمة كل من ارتكب جنحة أو جريمة في سوريا ان كان معارض أو مؤيد , وهنا لم يرق الأمر لبوتين لذلك كان مصير مشروع القرار الافشال.
يمكن لنظرة معتدلة وحيادية لمشاريع القرارات التي أفشهلها بوتين أن تؤكد الحقيقة التالية , لو سمحت روسيا بتنفيذ أي من مشاريع القرارات أو كلها , لما وصلت سوريا الى الفشل كدولة والى التفتت كمجتمع والى هروب سكانها ومقتل مئات الألوف منهم , واذا اعتبرت روسيا على أن موقفها كان موقفا هادفا الى الحفاظ على المؤسسات ومنع التقسيم والشرذمة وحماية حياة الناس وممتلكاتهم وكرامتهم , فان سياستها أوصلت البلاد الى العكس من ذلك , لم تعد هناك دولة لكي نحافظ على مؤسساتها ,واندثار الدولة يلخص كل جوانب الكارثة.
العقيدة هي ماعقد عليه الانسان جازما سواء كان حقا أم باطلا ,أما العقدة فلها من الأنواع والأشكل أكثر من ٢٠ نوعا , وبنظرة فاصحصة لأشكال العقد النفسية يمكننا أن نجد عند بوتين على الأقل ثلاثة مجتمعة , له عقدة حب الظهور ثم عقدة حب الايذاء ثم على الأقل عقدة قابيل التي تعني كره المنافس والاحجام عن منافسته , يريد الانتصار عليه موظفا الكره وليس المقدرة , فبوتين نظف البيت الروسي من منافسيه بالاغتيالات , بالرغم من ذلك يمكن القول بأنه أكثر تواضعا وموضوعية من رفيقه بشار , بوتين تقبل فكرة الرئاسة بالمناوبة مع ميدييف , أما بشار فلم يقبل رئيسا الا بشار, وحتى نموزج “المناوبة” الروسية والتناوب مع أخيه ماهر كانت مرفوضة
Post Views: 760