جدلية الظالم والمظلوم !

September 22, 2018
By

فاتح  بيطار:

من   المنطقي  والضروري السؤال   عن  الظالمين  وعن   المظلومين  في  هذه  البلاد ,ومن   الضروري    أيضا  ازالة  الالتباس   حول  مفهوم   الظلم  والمظلومية   ,, فالمظلومية    هي  تعبير  سياسي   بينما  الظلم  تعبير  قانوني   ناتج  عن   افتقاد  العدالة ,   دعونا  نستخدم    هذه  المفاهيم    , لتسهيل   بحث   الموضوع ,  مجازا  تحت   العنوان  الديني  -السياسي  ,  فمنطق   الحق    يفرض   رفع      ظلم  الظالم  عن   المظلوم   , لذلك  يجب   التعرف  على   الظالم  والمظلوم ,   ومن     يحاول     التعرف  على   المظلومين   في  هذه  البلاد    يجد     بأن  لاتوجد  فئة   سورية   الا  ولها  مطبلين    وممارسين   لبكائيات   المظلومية,  من  يحاول    التعرف  على  الظالمين   يعود  بخفي  حنين  ,     ففي  هذه   البلاد لايعترف   أي  انسان   بممارسته  ظلم    الآخر   ,    ونظرا   لوجود  مظلومية  معممة     ولا  وجود  لظالم   لذلك   يجب   القول   بأن   الظلم   سقط   من  سماء  الله  …معاذا  الله    فالله   لايظلم !!

للمظلوميات  بازار  وحائط   مبكي   ,   والهدف  من  ممارسة   بكائيات  المظلوميات   هو في  معظم  الحالات      التغطية   والتستر  على  الظلم  الذي  يمارسه  المظلوم   ,أول     المظلوميات    الدينية-السياسية  هي   المظلومية   السنية ,  فسوريا  حقيقة  هي   المسرح  الأكبر  والأوسع   لممارسة مسرحيات    المظلومية ,  ومنها   السنية   ,  ولا  يمكن  لعاقل   نفي   المظلومية   السنية  في  العقود  الأخيرة   ,  الا  أنه  من  الملاحظ   بأن  خطاب  المظلومية  السنية   توجه   الى     استجداء   موقف   الضحية   بالكامل   متجاهلا  كل  تفاصيل   العلاقات  المضطربة  بين   الطوائف  على  مدى  القرون  الماضية  خاصة   في  فترة  الخلافة  العثمانية,  ظلم   العثمانيون   غير   السنة   , والسنة   السورية   شاركتهم  في  ممارسة  الظلم   ,  لذلك  ينطبق  على   السنة  تعريفها  بأنها  ظالمة -مظلومة…لا  أود   التوسع   في   شرح     قضية  الظلم   السني  خاصة   على    مدى    القرون   العثمانية   الأربعة ,   فهذا   الأمر  معروف  عند  الجميع,  السنة  ظالمة  كغيرها  ومظلومة  كغيرها   ,  واعتماد   بعض   السنة   مفهوم   المظلومية  فقط   ليس الا   تشويها   للتاريخ   وتكريس   للابتعاد  عن   الحقل   السياسي  في   التحليل  واعتماد   الحقل   الطائفي  , وهذا  الأمر  يمثل   الطائفية    بامتياز   التي     تمثلها  بقية  الطوائف   أيضا

الطائفة   العلوية   تظلم   الآن   ومنذ   العديد  من  العقود   ,   وقبل  سنوات  عبر    صديق علوي   عن   الحالة   بقوله   ..تحملنا  ٤٠٠   سنة  ظلم    وهل   تحمل   السنة  ٤٠  سنة  كثير ؟  ,  نعرضت  الطائفة  العلوية    للظلم خاصة  بعد  سقوط     الدولة  الحمدانية   فقد  ظلمهم   المرداسيون    ,  وحتى   الفاطميون  غدروا   بالعلويين   الذين  ساعدوهم   على  احتلال  حلب ,  أما   الدولة  الأيوبية فقد    أساءت  لهم  , وأعظم   الاساءة   أتت  عن طريق المماليك  , والطامة  الكبرى    أتت   مع    الاحتلال   العثماني  خاصة  على  يد   السلطان  سليم ,   ومع   الانتداب  الفرنسي   لم  يخلوا   الأمر  من   العديد  من  المضايقات ,  بشكل  عام   ينطبق  على   العلويين  ما ينطبق  على   السنة  ويستحقون  بناء  على  ذلك  لقب   الظالم   المظلوم ,

من  المؤكد  وجود  فروق  كمية     ونوعية   بما  يخص    الظالمين  وبما  يخص   المظلومين  ,     الا   أنه  من  غير  الممكن   تحديد  حجم   الظلم   ونوعيته   الدقيقة   ,  لذلك   أكتفي    بالقول   بأن  كل  ظالم  ظلم    أيضا   ولا  أربد   بحث   أمور    بقية     الطوائف بارغم    من  وجود  من  أنظلم  ولم  يظلم ,  بشكل  عام   يمكن  القول  بأن   اعتماد  مفهوم  المظلومية  بالشكل   السوري    يعطي   للصراع   صيغة  مذهبية   بينما   الصراع   أصلا  هو  صراع      سياسي  وسلطوي   بامتياز .

ماذا  يهدف   البعض    من   رفع  شعار   المظلومية؟   هنا    على    الاجابة  على  هذا  السؤال أن  تكون     عملية  وواقعية  ولسيت  نظرية  ,  فالجواب    هو   أن   رفع  شعر   المظلومية     لايهدف   الى   ازالة  الظلم   الذي   لحق    بالمظلوم    فقط   , وانما  بالدرجة  الأولى   لتحقيق    أهداف   سلطوية   ,  وتحقيق  الأهداف  السلطوية يتطلب   بالضرورة   ممارسة    ظلم   الآخر   الذي  كان  لنفس  الأسباب ظالما   ,   هناك  ميل   لتعميق   صورة   المظلومية   بهدف  حشد   أكبر  عددا ممكنا  من    المتعاطفين ,  فما  عايشناه  عمليا  في  سوريا  ينسجم  مع   هذه   الصورة,  فالقومية   العربية   استخدمت   مفهوم   المظلومية  بكثافة   ,  وظالمها كان   الامبريالية  والصهيونية  والغرب   الذي  تآمر   وشتت  ومزق   ومنع  هذه  الأمة   التواقة  للعلم  من   التعلم  والتقدم   ,  ولكن  عندما   استولى    القوميون  العرب  على  السلطة   فعلوا   كل  شيئ    باستثناء  رفع  الظلم , وكل  شيئ    يقود  الى   التفتت والشرذمة,  وكل  شيئ  يقود  الى  التأخر,  وكل   شيئ  يرسخ  الجرائم   بحق  شعوب   بلدانهم   ,  وحتى  الآن  لاتزال   القومية   االعربية تحمل  المظلومية  كقميص  عثمان   الذي تحمله مسؤلية  المأاساة  التي   نعيشها   الآن  وبتزايد  منذا   العديد  من   القرون  .

  ينطبق  ماقيل   عن   توظيف   المظلومية   من  قبل القومية   العربية   على   الطوائف   التي  تسعى  على   الدوام  الى  تعميق  وتعظيم  مظلوميتها   بغية    التكسب   واستجداء   التعاطف   , وليس   بغية    ازالة   الظلم  فقط ,  انما   تحضيرا لممارسة    الظلم, خطاب   المظلومية    بالشكل   الذي   تتم  به  صياغته  في  سورية  يمثل   انتقاصا   للمواطنة   وتكريسا   لمفهوم   الدين  هو  الوطن , على  سبيل  المثال    يحتضن   التباكي  بخصوص   المظلومية    السنية   رسميا   مشروعا   مفصلا     من  قبل   الجبهة   الاسلامية لتجديد   الذمية   المسيحية   وتجديد   سيرة   العلاقات     المريضة   بين  طوائف   الاسلام   الأخرى,  تريد  كل  طائفة   أن   تكون    انتحالا  حاضنة   للغير  الذي   ستعامله      بالحسنى والتسامح  والتحابب  !!!! , وبذلك  تقلد  هذه   الطائفة    البعث  في   مفهومه   حول    “الحزب  القائد”  انها   الطائفة الغالبة القائدة   للمجتمع  والدولة   الى   أمد   أبدي  .

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • البعث السوري ..عفلق والأرسوزي..البدايات الأولى .

    في 1947، بعد عام واحد على الجلاء الفرنسي عن سوريا، ولد “حزب البعث العربيّ”. كانت تلك هي الولادة الرسميّة، إذ سبقها تبشير بـ”البعث” في مقاهٍ دمشقيّة كان الطلاّب يتحلّقون فيها […]

  • هذا هو نصر الله !

    انه رأس لحزب اخونجي شيعي , ولايختلف هذا الحزب  في اساسه ورأسه عن الاخوان السنة قيد شعرة , وعلى من يريد سماع  ورؤية البرهان  عليه  بالنظر الى تظاهرة  شيعية (حزب […]

  • صمتنا قتلكم !, وما هي فائدة الاعتذار؟

    نبيهة حنا  : هل من العجب أن يبقى الخوف سيد الموقف في جمهورية الخوف , الخوف في بلادي  وحش يلتهم يوما بعد يوم  وكل يوم  مئات من الجثث  , وحش […]

  • عن مسألة ميشال سماحة

    إذا صحّت التهم الموجّهة إلى النائب والوزير اللبنانيّ السابق ميشال سماحة، وإذا صحّ خصوصاً أنّه اعترف بها، كنّا أمام حقائق ساطعة تنضح بالمعاني والدلالات. أولى تلك الحقائق أنّ النظام السوريّ […]

  • الرفض الديموغرافي للمفهوم الجغرافي …لادولة !

      ممدوح بيطار: يتضمن  مشروع الاسلاميين  لبناء الدولة الحديثة تطبيق  الشريعة الاسلامية  ,ولو افترضنا جدلا بأن هذه الدولة قامت بشكل ما ’, فهل  بامكان هذه الدولة   أن تنسجم مع  النظام […]