ألعرب بين البداوة والتحضر!

August 22, 2018
By

ممدوح  بيطار:

هناك  يقين يمليه  الجهل, مضمونه متوهم ,  وكأن  التوهم   بوجود  ما  هو  غير  موجود   يقود  الى  وجود  ماهو  غير  موجود , ولنطرح  السؤال  بشكل  مباشر وأوضح   , هل    لانزال  عقليا  ومسلكيا   في  مرحلة البداوة  ؟؟  أم  تخطيناها  الى  تحضر  الحضر ؟

على  الجواب    أن  يكون  بمنأى  عن المزايدات   والتفاخرات  والعنتريات ,  وهل  من  يقول  الحقيقة   أقل  عروبة   من  الذي   يخاتل  ويفخر  ويعتز  ويزمجر   ويبني  القصور  على  الرمال, وما  هي  قيمة   التفاخر  العروبي ؟وهل  يعلي  التفاخر  بالعورة من  شأن  الانسان ,  العروبة   عورة   أعمت بصر   وبصيرة  العديد  من  ضحاياها  ,  انها  لعنة , وهل  التفاخر  باللعنة     فخر ؟, اننا  نعيش   المرارة  والأـلم  والحسرة  والاستغراب  من وجود  تخلف  قصدي ,    تمتد  جذوره  الى  البداوة  العربية   المسيطرة  لحد  الآن  على  الوعي  الجمعي  العربي, فما يهيمن   لحد  الآن    هي   سطوة  الماضي  البعيد   المتجمد  والثابت  على   حاضر   عليه  أن  يتطور   حفاظا  على  ذاته  من  الانقراض .

لايرتبط  تطور  الانسان  بالدرجة  الأولى  وفي  معظم  الحالات    بارادته  , وانما    بظروف  حياته  , التي  تمليها  البيئة  والطبيعة  بشكل  رئيسي   عند الشعوب    المعرضة    لها   ,  فالبدوي   تواجد  صدفة   وليس   بخياره  وارادته  في  الصحراء   ,   توازن  القوى   في  تفاعله  مع  الصحراء    هو  لصالح   الصحراء     منطقيا   ,  ليس  له  الا  تغيير  نفسه    لكي  يتأقلم  مع   أوضاع بيئوية  لاسبيل  الى  تغييرها,  لذلك   تزاوجت  عند  البدوي   شمائل  كحماية   من  يلجأ  اليه   وغير  ذلك   من الخواص  الجيدة  مع  رزائل   منها  الفظاظة  والتوحش  والغلو  بالدين   ثم   الاعتماد  على  الغزو  والنهب  ,   فالصحراء   لاتقدم  سبلا  لممارسة  الزراعة  التي  تصقل  العقل  والعضل  بخواص   الانتاج والعيش  من  المنتج ,   للتفاخر   بالحسب  والنسب   اسبابه  البيئوية   ,  وللنظرة  الدونية  للمرأة  , التي   لاتتمكن   من  ممارسة   السطو  على  القوافل  التجارية   ونهبها  كالرجل,  اسبابها  ,  هناك  الثأر   كبديل  رادع  عن  العقوبة  وعن  القضاء    ,  اذ  أن  التأسيس   لقضاء  عادل   يتطلب  ووجود   الانصياع  لهذا  القضاء  العادل  , والذي  يتضارب مع   وجود  زعيم  القبيلة  الذي   عمل   أيضا  كقاضي  متحيز  بشكل  مطلق  لقبيلته ,

نظرا  لعدم  وجود  مصدرا  للرزق  كالزراعة  على  سبيل  المثال ,  اصبح  السطو  والنهب   مصدرا   للعيش  , والسطو  يتطلب  رجالا   أشداء   في  ممارسة   الحروب  , والحرب  تعني  قتال  واقتتال  , لذلك  فان  مهنة  البدوي  هي  القتل  وممارسة  الحروب  ,  وعندما  لايجد  البدوي   عدوا   خارجيا  له  يتحارب  داخليا   ويتقاتل  ذاتيا , الشغف  بالقتال   كان  ولا يزال  من   أبرز  معالم  الشخصية  العربية   التي  لم  تعرف  في  الاسلام  وقبل  الاسلام   أكثر  من ممارسة   الحروب  .

لا  تشترط  البدوية   لبس  الجلابية  ,  فهناك   الكثير    من عقليات   البدو   عند  الذين يرتدون    البدلة  الرسمية   , الأمر   هو  أمر  العقلية  وليس  أمر  الكسوة  الخارجية ,البدلة  ممكنة  في  المدينة   والبقاء  في  العقلية  البدوية  ممكن  ومريح  لأنه   لايطلب    جهدا  للتطور   , والتطور    عسير  بدون  التفاعل  والاحتكاك  مع  الغير  , وكيف  يمكم  للثقافة  الشفهية   أن  تؤمن  هذا  الاحتكاك ؟؟؟,  الا  نلاحظ  جميعا   نفور   العربي  من   التعرف  على  ماهو  جديد  عن  طريق  القراءة ,  والقراءة  ان  وجدت   فهي  قراءة   القديم  كالقرآن ,  هنا  يجدر التنويه   عدد  الصفحات   القلائل  التي يقرأها  العربي  مقارنة   مع  الاسرائيلي   ,ثم  مقارنة  عدد  الكتب  التي  تنشر  في  العالم  العربي  الاسلامي  مع  عدد  الكتب  التي تنشر  في  اسرائيل  !,   من  الملاحظ   أيضا ذلك  التأثير الشديد  لخطب   المشايخ  ثم  ذلك  الولع  بالتلفيزيونات  والقنوات   ….كل ذلك  دلالة  على   تمكن الثقافة  الشفهية  البدوية  من  عقول  الناس  وادراكهم  .

للثقافه  الشفهية  البدوية  علاقة   وثيقة  مع ممارسة  العقل  لوظائفه  ومهماته ,   اعتماد  العقل  على  الثقافة  الشفهية   يحوله  الى عقل  على  قدر كبير  من  المقدرة  على  تحمل  الاعوجاج   باستسلامية   مميزة  ومذهلة  ,لايتمكن   العقل  المستسلم من  التعرف  على  الهمجية  وبالأخص  على  معالجتها  , ولايتمكن  من  ادراك   الفوضى  والتمكن  من  ازالتها ,  ولا  يتمكن من  ايجاد  افق جديدة  تحول  أفراد  المدينة  الى   افراد  مجتمع  وليس   الى  قطيع  من  الأفراد ,  ثقافة  الاعتماد  على  الفرد    هي  ثقافة  “بطل  الأمة” الذي  نعرفه  تماما  من  خلال   معايشتنا  للبطل والبطولات  الفردية.

الاعتناء  بالفرد  كان  سببا رئيسيا  من  أسباب  تشجيع   قادة  الجيوش الاسلامية   على  البذل  ,  فقد  كان   لكل  منهم  مدينة  يحكمها   فلشرحبيل  مدينته     كغيره  من  القادة ,  الاعتناء  بالفرد كان  المشجع  الرئيسي  لبدو  الجزيرة  في  التفاني  في  الحروب  ,  حيث   أقتسم  هؤلاء   غنائم  الحرب  مع  الخلافة   التي كان  الخمس  نصيبها ,  ومن  يتعرف  على  كتاب  ادارة  التوحش   لأبي   بكر  ناجي  يجد  فصلا  موسعا  عن  فهم  داعش   لموضوع  المحاربين  ورواتبهم  وحصصهم  من   السبايا  والغنائم ,   لقد تمركز   اهتمام  داعش  في  البدء  على  السيطرة  على موارد  الرزق  والمال (البترول)  وذلك  للتمكن  من   اعطاء  كل  محارب   راتبا  شهريا  يقال  بأنه  بلغ ١٠٠٠  دولار  اضافة  الى  مسكن   لعائلته  ونسائه ,  التاريخ  يعيد  نفسه ويستمر   بداعش.

بقي الانسان  العربي  فردا    أو أفرادا   يعيشون  الى  جانب  بعضهم  البعض  وليس مع  بعضهم  البعض ,  وهذا  هو   أحد   أهم   أسباب الفشل   العربي   وكذلك داعش  ,  فشل   العرب   هو   بشكل  عام ترجمة  لفشل   البداوة ,  نحن  في  هذه  البلاد الخضراء  بدو  بدون  صحراء!,  وهذه  هي المفارقة  القاتلة !

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • دروس درزية-علوية ..الى الهجرة أيها المسيحي !

    نبيهة حنا : المجازر  وسوء  شروط المعيشة   هم  مجمل سياق الحياة اليومية في   سوريا,لاجديد  في سوريا الأسد !!. لاعجب  في   انتقاء المجتمع  السوري  لبعض الأحداث  لكي يمارس  النحيب والبكائيات  […]

  • الربيع العربي: من رُهاب الواقع إلى أفق المستقبل

    الانحياز للثورات العربية، رغم كل ما فيها من اختلالات ومغامرات ومخاطرات، هو انحياز لأفق المستقبل على انسداد الحاضر المستنقعي، كما على أحلام العودة إلى الماضي المحنط. انحياز للحرية والكرامة ضد […]

  • صهيل الذاكرة السورية في ذكرى مجزرة الغوطة

    بقلم: مضر رياض الدبس من يُعاصر مجزرةً لم تنتهِ تُربكه كتابة ذكراها، كل ثقة بما يكتبُ عنها لا تخلو من التقصير في مقتضى حالها. يدركه الحذر، في الجُمل، من كلماته، […]

  • لا مخرج مشرّف للأسد ونظامه..

    في معظم الطرقات الملتوية والمنحدرات القوية توجد لافتة مكتوب عليها ‘طريق للهرب’، هذا الطريق يستخدم عندما ترتفع درجة حرارة الكوابح ويفقد السائق سيطرته على مركبته فيدخل في هذا الطريق الجانبي […]

  • بين “الأنا” العليا والمسلم “الأعلى”

    د.ممدوح بيطار بين “الأنا” العليا والمسلم “الأعلى” شهدت الثمانيات والتسعينيات من القرن الماضي صعود مايسمى الصحوة الاسلامية , التي ساهمت في خلق شعور عند بعض المسلمين بأنهم ليسوا مسلمون كما […]