هل هناك من فرص جديدة بعد الاستقلال والجلاء ؟

July 10, 2018
By

جورج  بنا :

تعرض  مفهوم   الهوية  الوطنية  السورية  الى   نكسات  تاريخية   تمثلت     بالعديد  من  التطورات  , منها   وليس  كلها كانت   الوحدة  مع  مصر ,  التي   ألغت   الذاتية  السورية  لصالح مفهوم    الهوية  الوطنية  العربية الناصرية   ,    استمر   هذا   المفهوم   بتقويض   الهوية  الوطنية  السورية     بعد  عام   ١٩٦٢    بشكله  البعثي   وبعد  عام  ١٩٧٠  بشكله  الأسدي   الى    أن  بدأ   اغتيال  الوطن  السوري   بشكله  الحاد  والنهائي    بعد  عام  ٢٠١١ ,  والمستمر    حتى  هذه  اللحظة   .

خلال    القرن  الماضي   تعرض  مفهوم   الهوية   السورية الوطنية  الى   تحديات   من  نوع   نفسي  سياسي    أتى من  مصدرين  رئيسيين   هما   المصدر  القومي  العربي  والمصدر   الاسلامي     أي  الاسلام  السياسي ,     هذه  المصادر  تميزت    بلغة   خطابية   تتمثل  بخاصة   تعظيم   الذات   وتقزيم  الآخر ,  فالاسلام  السياسي  وقع  في  اسر  مفردات  ومفاهيم  مثل   مفاهيم  الجهاد   والنضال   ثم   تحويل   العمل  الحربي-السياسي    لخدمة  الله   …جهاد  في  سبيل  الله    ومن   أجل  وطن  السماء   قسم  الجنة   بكامل  بضاعتها  وليس  من  أجل  وطن  الأرض  العابر   ,  أما   المصدر  القومي    فقد    أصبح  اسيرا   لمفاهيم   مثل   خيانة   وعمالة   ومؤامرة  ثم   صهيونية   واستعمار…مقاومة  وممانعة  …الخ .

تمهد   هذه  التوصيفات  التحقيرية  والتقزيمية  التخوينية  والتكفيرية   الأساس   لتبرير    تصفية   الخصوم   بالعنف   عن  طريق  نزع   الصفة  البشرية  الانسانية  عنهم   وبذلك  تحليل   قتلهم   أو  سجنهم   أو  تعذيبهم   او  افقارهم   واحتقارهم   دون    أي  رادع   اخلاقي   أو  انساني .

تتعرض  منظومة   القيم  المشتركة  السورية   التي  تمثل      الركن  الأساسي   للهوية  السورية  الى  نوع جديد-قديم  من   التحديات   ,  التي  تتمثل   بنوع  جديد  من الاسلام  السياسي   بشطريه   الشيعي     الذي    تبلور   بعض  الشيئ  بمشاركة  ايران   والسني   الذي  في  طريقه  لشيئ  من  التبلور    ,  انكفأ   التحدي  عن  طريق     العروبية  القومية  نسبيا  ,  لم  يعد  ذو  وزن   بعد  تنكص    البعث   الى  الأسدية   وتنكص  الأسدية  الى   الشيعية  السياسية   تحت    اشراف  وقيادة    الجمهورية  الاسلامية ,   لقد  تطورت  المواجهة   مع   قيم  الحداثة  العلمانية   لتصبح  بين  هذه  القيم  وبين   مفاهيم   الشمولية   الأصولية   السلفية ,لم  تعد  مشكلة   الهوية  السورية  الوطنية   مع الفكر  القومي  الذي  تشكل   في  النصف  الأول  من  القرن  الماضي  ولا  مع    اليسار  أوالاشتراكية   ,  وانما  مع مفاهيم  ذات  علاقة  بالديموقراطية   والشرع   أو   الشريعة  وبالدولة  الاسلامية  وبالخلافة    ودولة   الخلافة “المدنية”   ثم  حقوق  الانسان   والمساواة    وحالة  المرأة  ومسؤولية   الحاكم   تجاه  الله   أو  الشعب   ثم  موضوع  الثورات   وأهدافعها   وكيفية  التعامل  مع   الحاكم  -الوالي ,  ثم    موضوع    السياسة  والأحزب  السياسية  الذي     تطور  الى  موضوع   الطائفية  والتيارات  الدينية  المذهبية   ,   الهيمنة     لم   تعد   بين   تيار    سياسي  وتيار  سياسي  آخر  انما  بين طائفة  وطائفة   أخرى  , ثم  مفهوم   الأكثرية  والأقلية   الذي  تحول   من  السياسة  الى  الطائفة .

لم  تعرف  سوريا    والشعب  السوري  في  القرن  الماضي    أكثر  من   حالة  اضاعة  الفرص    وعدم   الاكتراث   بالمهم     في  الحياة  ومن   أجل  الحياة ,   ضاعت  فرصة   استقلال  سوريا نسيا  في  عشرينات  القرن  الماضي ولم  يتم  التمكن  من  تمتين الرابطة  السورية  الجامعة , وضاعت  فرصة    استقلال  سوريا  التام  بعد عام  ١٩٤٦  ولم  يتم  التمكن من  خلق  هوية  سورية  جامعة تنهي  حالة  اغتراب  السوريين  عن  الوطن  السوري   الذي  تحول  الى  وطن  مرفوض  من   قبل  العروبيين والاسلاميين   , لقد  تم   تدمير   ماقدمه     لنا  سايكسـى- بيكو  الذي  ارعبنا     وأخافنا    واليوم  نخاف  عليه ,  سايكس-بيكو   تحول  من  مجرم  الى  ملاك  ,  من   مشرذم  الى  موحد …كل  ذلك  يمثل  خبرات  جديدة  لم   يكن  من  الممكن  تصورها  سابقا.

تتواجد  سوريا   حسب   العرف والقانون  الدوليين   لحد  الآن   في  حالة  وحدة  سياسية  معترف  بها   عالميا ,   انها  فرصة  العمر  بالنسبة   للتمكن   من  اعادة    انتاج   وطن سوري  بالمعنى   القانوني  السوري   اضافة  الى  المعنى  القانوي  الدولي  المتوفر ,    انتهاز  هذه  الفرصة   التي    أظن  بأنها   الأخيرة    هو   أمر  حياة   أو  موت  بالنسبة  لدولة  سورية  على     الأرض  السورية    المعترف  بها ,  ان   لم  يتمكن  الشعب  السوري   من  صياغة  خطاب  جامع    ومقنع   فعلى   سوريا   السلام ,   لايمكن    في  هذه  الحالة  الا    استنتاج   حقيقة  واحدة    وهي   ان   هذا  الشعب  ليس  جديرا   بدولة ,  مخاض  استمر  قرنا  وبالنتيجة   عادت   سوريا  التاريخية  الى  شكلها  العثماني   …شكل  الملل  والولايات !

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • نصر الله والداء الأسدي !

    بقلم : أحمد عمران *** طوال سنين  وحتى  الضربة الاسرائيلية ماقبل الأخيرة  لم يكف نظام الأسد   عن ترديد  اسطوانة الرد المناسب بالشكل  والوقت المناسب لحظة ,  بعد الضربة ماقبل […]

  • العاهرة البليغة وحديث الشرف

    تيسير عمار: “لا زلت لا أستسيغ و لا أقبل و لا أتحمّل أن أرى وفدنا إلى جنيف 2 متمثّلاً بالمعلّم و المقداد و الجعفري جالساً على طاولة واحدة مع الوفد […]

  • مآخذ جريدة الوطن والقذافي على الحكومة البريطانية !

    الشبكة السورية لحقوق الانسان  أدانت المساس بحقوق الانسان البريطاني , الذي تمارسه الحكومة البريطانية , التي فقدت شرعيتها حسب قول جريدة الوطن السورية ,وحسب قول العقيد القذافي  بالاشتراك مع الرئيس […]

  • لماذا رئيس وزراء جديد , وليس رئيس جمهورية جديد ؟

    بعد اشتعال الأزمة السورية الحاد في أوائل العام الماضي , كلف رئيس الجمهورية السيد عادل سفر بتشكيل حكومة جديدة , وضرورة الحكومة الجديدة أتت من مايمكن أن يقال عنه عدم […]

  • دمشق ..الحرائق الدامية

    عندما يصبح القتل سياسة يومية، وعندما يتحول الناس إلى متاريس، وعندما يقلد المقتول القاتل، تدخل «الثورة» في العبث، ويتحول «النظام» إلى ميليشيا ويصير الناس خرافا للذبح. لا صباحات محايدة في […]