ملاحظات حول التحفيظ والانصياع النقلي !

July 15, 2018
By

ممدوح  بيطار :

تتترسب خبرات الطفولة في اللاشعور , وقد تبقى كامنة  أو  قد تتظاهر   شعوريا  وبالتالي مسلكيا , يقال على  أن  الشذوذ والاجرام الجنسي من قبل البالغين  يعود في معظم الحالات  الى تجارب هؤلاء في سن الطفولة , حيث تم الاعتداء عليهم جنسيا , وبالتالي تحولوا الى ممارسين لما مورس معهم ,  موضوع  هذه  السطور   ليس   أمر  الشذوذ الجنسي ,وانما  أمر آخر , فقد  تفاخر  أحد الأصدقاء  بكونه  حفظ القرآن  وقد  كان  في  ربيعه الرابع عشر  , التحفيظ يبدأ  في سن مبكرة جدا   والمعتاد هو سن الرابعة من العمر .

لقد  فكرت في  أمر الطفل  الذي عليه  في حقبة تكوينه  الشخصي الأولى والأهم  حفظ 600 من الصفحات  , وفي  هذه  الحقبة التكوينية  كان عليه   أن يلعب مع رفاقه   , اذ  أن اللعب في  هذه الحقبة من الحياة ضرورة  جسدية  ونفسية ,  حفظ  القرآن  عن ظهر قلب في هذه  الفترة من الحياة يمثل  ثقلا   عقليا ونفسيا  يصل الى درجة التعذيب النفسي , وما هي الفائدة  من  تحفيظ الطفل   أشياء  لايستطيع فهمها ,وبذلك  تقديم الشكل على الفهم , وأين هي الفائدة  من غرس مفاهيم التخويف والترغيب والترهيب  في عقل طفل  ,وبالتالي  غرس مفاهيم  الخضوع والخنوع  للمستبد  وترسيخ  ثقافة الطغيان  والغلبة   في المجتمع,من  نتائج  ذلك   تثبيت روح العنف  وثقافة  المعاملة بالمثل وانتاج العقل الارهابي  بما فيه نشر الدين  بالسيف الذي  قاد الى  دخول  دين  الله    أفواجا , وما هي  فائدة الطفل  من دخول  الناس  الى دين الله   أفواجا ؟؟وهل  ينمي التحفيظ  مقدرة الطفل على ممارسة  النقد   وخاصة النقد الذاتي ,  وما هي  علاقة التحفيظ ببناء العقل  ؟ هل  يساهم التحفيظ  في  تنمية  العقل  أو في  قتل العقل , وهل يحتاج  حافظ القرآن   في  فترة الطفولة الى  عقل في مرحلة الشباب والرجولة ؟؟؟ , فالعقل الذي يتمرن  على الانصياع النقلي  والترديد  الآلي  يتطبع  به , وعن مضار تقديس  الماضي  ومحاولة نقله الى الحاضر فحدث ولا حرج , فالتحفيظ يروج  لكمال ماهو ناقص  ,  وهل  يسمح  التحفيظ  في هذه الفترة من الحياة   لعقل الطفل   أن  ينتج   بدائل  لما حفظه ؟؟؟

التحفيظ يعني التلقين, والتلقين والترديد الآلي  مما  حفظ ,فأنت تنحت في عقل الطفل المفاهيم المرتبطة بذلك، والمشتقة من ضرورة  الحفظ بالحرف والحركة دون تغيير. والعقل الذي يتشكل على الانصياع النقلي، والترديد الآلي، يتطبع به ، وهذا يسهل عليه نقل  الأخبار والإشاعات وينشرها بلا نقد ولا تمحيص.

اقتران التحفيظ بالعقاب (البدني، والنفسي)، يعني  استخدام  التخويف كوسيلة لإقناع الغير بما نرى وإرغامهم عليه، (الخطاب الديني الحالي قائم أساساً على التخويف)، هذا  الأمر يغرس في النفس مفاهيم الخضوع للمستبد القاسي والانصياع لطغيانه،وتكريس  ثقافة  الاستبداد وترسيخ   ثقافة  الطغيان,  من  جهة  أخرى فان  ممارسة  تخويف  الآخر   لإرغامه  على  الخضوع  والانصياع ،تقوي  روح العنف، وترسخ ثقافة الإرهاب، والتنشئة على التخويف  المستمر  تنتج  العقل  الإرهابي  الذي  يعتقد  أن  القوة  والعنف  والقتل  طريق  أقصر  وأمثل  لبلوغ  الغايات، بما فيها  نشر  الدين .

 ليس من المهم   ان كان للتحفيظ  أصل في الدين  او  لا أصل له في الدين , فمن  أهم المشاكل التربوية والتدريسية في المدارس  السورية  هي مشكلة   الحفظ والتحفيظ  عن ظهر قلب ,  لقد تطورت  أساليب  التربية والتدريس في المدارس  باتجاه تنمية التحليل  بدلا من التنقيل ,   لا أشجب  التحفيظ لكونه عادة اسلامية سيئة ,وانما لكونه  مدمر للعقل والنفس كأي تحفيظ آخر , وضرره على   تكوين  شخصية ناقدة  دائم وعميق , ثم أنه  لم تعد  هناك   أي حاجة  للتحفيظ  ,  حيث  ان الثقافة  والمعارف  لم تعد “شفهية” كما كانت سابقا والحفاظ عليها  لم يعد من وظائف الذاكرة  وانما من  وظائف الورق والطباعة والآن من  وظائف الكومبيوتر.

يحتاج المجتمع الذي  يهمه التقدم  لعقول  تتطلع الى الأمام  وليس لرؤوس  محشوة  بثقافة الماضي  ومليئة  بما  هو ضار حاليا ..تحفيظ القرآن  للأطفال  لايترك في عقل الطفل  مساحة لشيئ  آخر  ..عقله  قرآني  شكلي  خال من خاصة التحليل  ومروج لتراثية  قديمة  لم تكن مثالية ,وعن  اللغة  وتقويم اللسان بالقرآن   ,  أسأل ماهي حاجة المجتمع  اليوم  للغة القرآن ؟؟ هل يستطيع  الرسول  الآن  قراءة جريدة   وفهم  مضمونها  ,وهل  باستطاعة  مثقف  اليوم فهم  كل  مايتعرف عليه  قراءة في القرآن ؟؟ التقويم تحول الى اعوجاج  وغربة  وبالتالي  الى  انعزالية  ثقافية  وموت ثقافي ,فالثقافة  الحيوية  هي التفاعلية  والتي  تأخذ وتعطي وبالتالي  تدوم !

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • بيان من أجل المواطنة

    نحن الموقعون أدناه، مواطنون سوريون، علويو المولد، اخترنا أن نعبر عن رأي مجموعة كبيرة من أبناء الطائفة العلوية حيث أجبرتنا الظروف والمسؤولية الوطنية إلى الإشارة مكرهين إلى خلفياتنا الاجتماعية. منذ […]

  • ملخص تقرير نامه شام عن التطهير العرقي وتدمير سوريا بواسطة ايران

     نامه شام: يجادل هذا التقرير أن التدمير المتعسّف وواسع النطاق لممتلكات المدنيين والاستيلاء عليها، وتهجير ونقل السكان المدنيين قسراً منذ آذار/مارس 2011، ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كما […]

  • عن أي مفاوضات وخلاص يتحدثون؟

    بقلم:فواز تللو ثمانية عشر ألف طفل شهيد قتلوا في المذابح والباقي بالقصف، ومنهم ستمائة بالقنص ومائة تحت التعذيب من أصل عشرة آلاف طفل معتقل، من يملك الحق بمسامحة السفاح وبأي […]

  • عن انتفاء وجود دولة !

    سمير صادق: يمكن  القول   بان  نصف ممارسة  الارهاب  غلى  الأقل  في  سوريا  هو  ارهاب   الدولة ,فالنظام  لم  يتخاذل   في  ممارسات أي قمعية  ارهابية      تعكس  واقعه  ,   […]

  • أبشروا ..اننا نقترب من شمس الحضارة !

     بهلول : قبل  ايام صادف  عيد  ميلاد  جريدة  البعث  ال٧٢  ,وللاحتفال  بهذه  المناسبة  الكريمة   موجباته  , فالجريدة  الغراء  لها من الصفات  ماجعل  منها  أسطورة  , انها  الجريدة  الوحيدة  في  […]