ضعنا بين الحاكم والمحكوم !

July 11, 2018
By

نيسرين  عبود:

ألم يكن    الاستقلال     فرصة  للحاق  بالغير  , تحديدا    من  الدول  الصناعية  والديموقراطية,  ألم   تكن   خبرتنا  مع  الاستعمار  كافية   لاكتشاف  التردي والتأخر    الذي  نحن  به   والمصير  الأسود  الذي  ينتظرنا   في  حال تمنعنا  عن “التلوث”   بالغير  المتقدم ؟  ألم   تكن  فرصة  الاستقلال   كاشفة     لحقيقتنا   القاصرة   وعدم  مقدرتنا  وارادتنا  للحاق   بالتقدم    ومغادرة  التأخر   الاجتماعي  والسياسي   ثم  التقصير  والقصور بشأن  الاندماج  الوطني  السوري   وتكوين  هوية  وانتماء   جدير    بالوطن   الذي   قدم  لنا   على  طبق  من  الذهب ,   حقيقة   لم  نجد  ولم  نجتهد  من  أجل  صناعة  وطن   الا  بعد   التحرش  الغربي   بنا  والذي   ألهمنا   الى  فكرة  الوطن  والدولة   بعد  أن  استمر   نومنا السياسي   الاستكاني    اربعة  قرون  على  الأقل   وقبل   ذلك  عشرة  قرون   على  الأقل .

الاستقلال  كان  فرصة  ذهبية   للنوم  والقاء  اللوم  بسبب  فشلنا  على   قوم  المؤامرة  وقوم  الاستعمار ,  دون   الانتباه  الى  عناصر  الفشل  الذاتية ,  التي  تخلصنا  منها  عن  طريق  تجاهلها ,  واليوم  نكتشف   الحقيقة  المرة   التي  تؤكد  بأننا   انتقلنا   من   استعمار   خارجي   عثماني   أو  فرنسي  أو  عربي  بدوي   الى  استعمار  داخلي    ذو  وجوه   أسوء  من  الاستعمار   الخارجي , والى  سقوط جديد   تحتضنه شروط   اقليمية  وعالمية ,  سقوط  مؤسس  على   تلازم   فشل   الحكم مع  عجز  الشعب .

ندور  في    فراغ    بما  يخص   حالة   الضعف   والرداءة المصيرية   العميقة  التي  نعيشها , وتكثر  الاجتهادات  والافتراضات   التي  تتأرجح  بين  القاء  المسؤولية   تارة  على  الحاكم  وتارة  على  المحكوم   أو  على  من يحكم  الحاكم  والمحكوم  من  قوى  مريخية   ,  ثم  نصل   الى    الى  اجتهاد  شائع    يزعم   بأن   الحكومات   فشلت   في  حين  لاتزال   المجتمعات  والشعوب  سليمة   وقادرة  على  صناعة   حاضر  ومستقبل  مشرق    خاصة  بعد   ازالة     أو  ازاحة  الحكومات   عن  صدرها   حيث تستعيد  عافيتها   وتتولى  شؤونها  بنفسها ..أسقطوا    الحكام   وستتكفل  الشعوب   بالباقي,  ومن  سيسقط  الحاكم  ؟

على   أمريكا  أو  غير   أمريكا  اسقاط  الحكام   لكي   يبدع   الشعب !!! , للأسف  لم  يدرك   أصحاب   هذه  المقولة   عن  مدى   الاعتراف  بالعجز    في  هذه  المقاربة ,   شعب   لايتمكن  من  اسقاط  الحاكم  الجائر   لايتمكن  من   صناعة  ما  هو   أصعب    من  اسقاط  الحاكم  الجائر  ,  فصناعة  حاضر  مشرق  ومستقبل   أفضل   أصعب  بكثير  من   اسقاط  الحاكم   ,  ثم  أين   هو الضمان   بعدم  عودة   الحاكم  الجائر   من  الشبك  بعد  طرده  من  الباب ؟  فدون  أن  يتغير   الشعب  ثقافيا  وسياسيا   لايمكن   ضمان  عدم  عودة  الحاكم   الجائر  والفاشل  ,  فشروط   قدومه    لم  تتغير     بعدم  تغير  الخواص  الثقافية  والسياسية   للشعب  ,

يتضمن   الاعتراف   بالحاجة   الى  من  يسقط  الحاكم  مفارقة     رهيبة  أخرى   ,   نلعن    الاستعمار  وتدخله  في  سؤوننا  يوميا  خمس  مرات  ,   وعندما     يخص الأمر   اسقاط   الحاكم   نتوسل  الغير  للقيام  بهذه  المهمة   ,  لم  ندرك  بأن  ذلك  يمثل   “القابلية” للاستعمار   ,  انه   دعوة  للاستعمار   ,   ولم يدرك    هؤلاء  بأن  ذلك  يحول  الاستعمار  والتدخل    الى  ضرورة ..  لقد   انقلبنا  على  مفهوم  الاستعمار   وجعلنا  منه  ضرورة   نشتمها  ليلا  نهارا   في  اطار   ازدواجية  واتكالية  وانفصامية    لاشبيه  لها !.

هل  من   الممكن    أن   ينجح  حكم   قويم  وتقدمي    في  دولة   شعبها    منغلق   ومتمحور  حول  الخرافات  والغيبيات  الدينية   ومضاد       للتقدم ؟؟   من  المستحيل   نجاح   حكم  عادل  وقويم    في  بيئة  لم  تتجذر   العدالة والتقدمية  والعلمية في  نفوس  شعوبها    الغير  مؤهلة  لمساعدة  نفسها , حكم   مزود  بروحية    نهضوية  حداثية   لايتمكن  من  ادارة  شؤون  شعب  مدمن   ومرغم   بفعل   التدين   على  الجمود وعلى التأخرية .

كيف  يمكن    الخروج  من  براثن  ثنائية  قائمة  على   الاتهام  المتبادل   بين  شعب  يتهم  حكامه  وحكام  يتهمون   شعوبهم ؟ ,  أظن  بأن الدواء  لايكمن  بالدرجة  الأولى في   التخلص   من الحاكم   الفاسد ,  اذ  سرعان مايأتي  شبيها  له   ان   لم   ينقلب   الشعب  على   نفسه    أولا   ويغير  العديد  من مفاهيمه   التي  تمنع  التطور  الى  ديكتاتورية  السلطة  وفسادها ,  عندما  يريد  الشعب  يستطيع !  ارادة  الشعب هي  تعبير  عن  مفاهيمه  , التي   تخضع  الى  عامل  التنوير المعاق  في  هذه  البلاد    بفعل   الغيبيات  والثوابت  والخرافات والمفاهيم   التي تؤله  الحاكم   وتكرس  مبدأ  الخنوع   والاستكانة ,يبدو لحسن   الحظ   بأن  اعاقة  التنوير   في  طريقها  الى  الانهيار   بفعل   التواصل  الاجتماعي   المتاح  لكل  انسان تقريبا  .

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • قراءة في مقالة الدكتور حسن حنفي ..ازدواجية العقل العربي !

    سمير صادق: حسن حنفي  يبقى حسن حنفي ..رجل  الترويج  للشيئ  وضده  , حتى  أن البعض  قسم حسن حنفي  الى حسن حنفي  الأول والثاني والثالث , وكل منهم مختلف عن  الآخر  […]

  • مخطط الإمبريالية الأميركية لاستهداف سورية للكاتب الأميركي ستيفن ليندمان

    مخطط الإمبريالية الأميركية لاستهداف سورية للكاتب الأميركي ستيفن ليندمان   نقلت وكالات الأنباء مقاطع من هذا البحث للكاتب الأميركي ستيفن ليندمان ولأهمية الموضوع تنشره «الوطن» كاملاً (المحرر). كانت أفغانستان، العراق، […]

  • بشّار الأسد و «استهبال» السوريّين

    بقلم:حازم صاغية ليس أسوأ من القسوة الوحشيّة التي يبديها النظام السوريّ إلاّ نزعته الانتخابيّة المستجدّة. فالأولى التي تفتك بأجسادهم تحترم عقولهم أكثر من الثانية التي تهين هذه العقول بوقاحة قلّ […]

  • من الانسان المعاق الى الحضارة المعاقة!

    ممدوح  بيطار: لايزال  هناك  قدر  كبير  من  الفهم الغير   مصيب  حول  العلمانية, التي  أتت  من الغرب   وتفاعلت  مع  شعوب  المنطقة  خاصة   في   أوائل  القرن  العشرين  على   أثر  صدمة  الحداثة  […]

  • جمهورية المزابل

    قبل يومين بلغ عدد القتلى برصاص كنائب الأسد   مئتين سوري , ويوم أمس بلغ عدد القتلى برصاص كتائب الأسد  حوالي مئتين سوري , السلطة تريد نصفية من يناهضها  ,  […]