المواطنة السورية دون فتح أو احتلال ,…١/٢

July 25, 2018
By

ممدوح  بيطار:

صدق صديق  بقوله  ان  العودة  الى  الماضي  تمثل  الفشل  في  التصدي    لمشاكل  الحاضر ,  الا  أني   لا   أعتبر  ما  سأقوله  عودة  الى  الماضي   وانما    هو  تصدي    لمشاكل   الحاضر  ,  التي   بدأت  في  الماضي    ويستمر  وجودها    حتى  هذه  اللحظة ,  وهذا  الاستمرار  الوجودي   ينفي  الصفة  الماضوية   عن  بعض   أجزاء  التاريخ   التي  لاتزال   تعيش  في الحاضر  وتريد  صناعة مستقبلنا   بطريقة  ماضوية   ,  ومن هذه  الأجزاء   قضية  الانتماء   وما  يخص  المواطنة  والخاصة  السورية   والتناقض   مع  الهوية  العربية   أو  الاسلامية ,  ثم  قضية  اندثار  سوريا   ,  والسؤال  عن  هوية   وماهية   واهتمامات  من   تسلم   ادارتها  في  المئة  سنة  الماضية …

السؤال  الذي   يجب  الاجابة  عليه  هو  سؤال  من  نحن  وماذا نريد ؟وللاجابة على  هذا  السؤال  لابد  من  التعرف  على  المسيرة  التي   انجبتنا   أي  على   التاريخ , نحن منتجا  تاريخيا   ولسنا  منتجا مريخيا    سقط   من  السماء  ,   لابد  من فهم   التاريخ  ذو  العلاقة  بوضعنا  الحالي ,  لذلك   سأعرض  مقتضبا  عنه  بقصد  فهم  حالتنا  الحالية  وليس  بقصد  الجلد  الذاتي    كما  يحلوا  للبعض  تسميته .

انطلقت   جيوش   الاحتلال  او  الفتح  العربي  من قلب  الجزيرة  العربية  باتجاه  بلاد  الشام  والعراق بداية  ,  حيث  ساد   حكم  الرومان  والفرس  منذ  قرون  عديدة   وذلك  كما  قيل   لتحرير   بلاد  الشام  والعراق  من  قبضة  الفرس  والرومان ,  وتجاوزت  هذه  الجيوش   حدود   بلاد  الشام  والعراق  في  تقدمها   شرقا  وغربا   باتجاه   بلاد  الفرس  والأهواز  وخراسان  وتركمانستان   حتى بلاد  الهند  والسند   وغربا  حتى  تجاوزت مصر   الى  الغرب   في  شمال   أفريقيا   وصولا  الى  اسبانيا   وذلك  في  زمن   قياسي  بمعايير  ذلك  الزمن ,  السبب  الرئيس   لتلك   السرعة   لايعود  الى  قوة  العرب  الاحتلالية   الخارقة    للمعايير  وانما   للوهن    العسكري   للقوى  التي  سادت  في   ذلك  الزمن ,   فملائكة  السماء   لم  تحارب  مع  العرب   بعكس    ما  تقوله  الأسطورة   وبعكس  مايدعون ,    الملائكة  لاتحارب ولا  تحتل ولا تفرض  الجزية  ولا  تقتل .

أصاب  الوهن   امبراطوريات  الشرك   والكفر   لعدة  أسباب   منها    استنزاف  هذه  الأمبراطوريات   بسبب  حروبهم  الطويلة   وصراعاتهم  الدامية   والشيخوخة , مما   سهل    مسعى  القبائل  الفتية  التواقة   الى  حصيلة   أكبر  وأفضل   من  حصيلات  الماضي   بما  يخص  غنائم  الحرب  ,  فالغزو   كان  مهنة  قبائل  ما  قبل  الاسلام  واستمر    في  الاسلام    , وغنائم  الحرب  كانت مصدر  رزقهم    ,  وبقي  الأمر  في  الاسلام  الذي  وضع  لتوزيع  الغنائم    احكاما    لانزال  نتعرف  عليها  حتى  في  القرن  الحادي  والعشرين ,  الراية كانت  اسلامية  , أما العقلية  فقد  كانت  جاهلية   بامتياز  .

 لقد جاء  في  تعريف  الفتح أنه  ( دخول الإسلام إلى البلدان التي انتشر فيها بعد حروب ومعارك )  , ويعني  ذلك  عمليا  أن  الإسلام  دخل  إلى  كل تلك  الأصقاع  بعد  حروب ومعارك  طاحنة  بين قوى  الشر أو الكفر  الحاكمة وجيوش العرب الظافرة المنتصرة في ذلك الحين , أو بمعنى  آخر  فإن  اعتناق  سكان  تلك  الأقاليم  للإسلام  كان  نتيجة   من نتائج  الحرب  وليس كمقدمة لها , فالمغلوب مولع – في الوعي واللاوعي –  بتقليد  الغالب  كما  قال  ابن خلدون !

لقد  قامت في تلك الأقاليم  والولايات  وعلى  أنقاض  الحكومات  القديمة  البائدة  حكومات  عربية صرف , حكومات معيّنة من  قبل  المركز, تابعة  له  و تتلقى  الأوامر  منه , حكومات  مهمتها  الأساسية  إخضاع  الإقليم المحتل وإلحاقه  تماما بالمركز  و جباية الخراج  و إرسال  ما يفيض  منه إلى  بيت مال  الخليفة العربي في حاضرة ملكه …! والسؤال   الذي  يجب  الاجابة  عليه    ونحن  مطلع  الألفية   الثالثة : هل يمكن  أو يجب  بمعايير  الزمن  الحالي التمييز بين  فعل  الفتح  و الاحتلال ؟؟  وإن  تسنى  ذلك  و صار بمقدورنا  اعتبار ذلك فتحا حقا – بمعنى  عمل  يأمر  به ويحث  الدين   عليه   أو عملا  محببا  مرغوبا  يتمنى  قاطنوا  الأقاليم  المفتوحة  حدوثه في وعيهم أو لا وعيهم – لأن كلمة الاحتلال ثقيلة قاسية على النفس  , فلماذا    توقف وهو  عمل  مرغوب  ومطلوب  ومتمنى  من غير  المسلمين   التواقين  للخلاص  والعدل  والسلام  الذي  انعم الله به عليهم  قبل   غيرهم  ؟

سيقول  المجتهدون   ان    سبب  توقف  الفتوحات  يعود الى   تفرق  كلمة  العرب  و المسلمين  و تناحرهم  وضعف  إيمانهم  و بعدهم  عن دينهم  وعجز قادتهم … الخ,  وهل  هذه  التبريرات  مقنعة ؟  وعلى  فرض   التمكن   من  الفتوحات  مجددا  في ظل معطيات  جديدة  قد تحصل  يحملها الغيب  وهو  حلم يراود  البعض !!! ، فهل سنكون قادرين  حقا  على  تبرير  ذلك  لأي  من  أمم  الأرض  بطريقة  ما  أو  تزيينه لهم ؟؟ حتى  لو  كان  الهدف منه حقا نشر الإسلام والعدل والفضيلة…. والسلام …!!!

الأمرلم  ينته  كما   تفضل   الصديق*  العزيز  ,  وانما  لايزال  حاضرا  في  عقلية  البعض  ,  فهناك صديق   آخر   لايزال  في  القرن  الحادي والعشرين  يفرق   بين  الفتح  والاحتلال  ولا يعتبر   هجوم  عرب  الجزيرة   احتلالا  وانما  فتحا  مبينا  , ولا  يقتصر  الأمر  على  هذا  الصديق  وانما  هناك  مجموعة   ليست  قليلة  لاتزال  تمارس  وتكرس  الاغتراب  في  سوريا   ,  التي   أفلست  وبادت   تحت  الادارة  العروبية -الاسلامية, والسبب  الرئيسي   للاندثار   يمكن  في  اهتمامات   العروبيين  الاسلاميين   ونزعتم     الغريبة  عن  سوريا   والبعيدة  عن مصالح  سوريا   كشعب  ووطن ,  فلا  يمكن  أن  تكون  لسوريا  أي  مصلحة     مع   العثمانيين , ولا  يمكن  لسوريا   أن  تكون  لها   أي  مصلحة  بتكريس   الاحتلال   العربي  لها  , أو بتكريس   أي  احتلال    غريب  ,  حتى  ولو  كان   كل  السوريين  عربا  ,  فهذا   لايبرر   احتلال  عرب  الجزيرة   لبلادهم , لاعلاقة   لأمر  الاحتلال  مبدئيا  بالعنصر  العربي  وانما   بسوريا  والمواطنة السورية  ,سيان  ان  كان    المواطن  السوري أصلا  عربي  أو  كردي  أو  فينيقي أو  آشوري أو  غير  ذلك.

هناك  من  يريد  تكريس   احتلال  سوريا  من   قبل   أغراب  عن  سوريا ,   ولا  فرق هنا   بين  الفارسي  او  العثماني  أو  الروماني  أو  العربي   أو  المملوكي    أو  السلجوقي ,  ولا  فرق   مبدئي   بين  محتل   متحضر  ومحتل     منحط   أو  بدائي   ,  فالاحتلال  مرفوض   مع   الاعتراف   بأن  المحتل  المتحضر    أفضل  من  محتل  متوحش  ,   الاحتلال   أو  الاستعمار  ليس    خيار   ,  ولا  تبرر  حضارة  عرب  الجزيرة   التي  يروج  لها  صديق  ثالت  ,  احتلال  سوريا  مهما  تفوقت  حضارة  بدو  الجزيرة  على  حضارات  العالم   أجمع  ,  فما  يخص  التحضر   والحضارة   لاتمثل  سوريا   ارضا  وشعبا   ذلك   الغائب   عن   التحضر  بشكل  عام  ,  فمن  يتجول  في  سوريا   يرى   الكثير  من  الشواهد   عن  الحضارة   السورية ,  ومن   يتجول  في  السعودية   لايرى  شيئا  من  هذا  القبيل ,  هناك  من  ينظر  الى  الموضوع  من  ناحية  عرقية   عنصرية  ,  فأهلا  وسهلا  بالأعارب   مهما  كانوا  وكيفما  كانوا  ,  فبدوي     الجزيرة     أقرب  لي  من  فينيقي   أوغاريت ,  ومصلحة   خالد  ابن  الوليد   وعمر   ابن  الخطاب   أهم  من  مصلحة   زنوبيا   ومصلحة   حمو  رابي   ,  اني  عربي   قبل  أن  أكون  سوري  وبين  مصلحتي  والمصلحة   البدوية   هناك  تطابق  تام   ,    أريد   أن  اكون محتلا  كخالد  ابن  الوليد   ,  محتلا  يأمر  ولا  يأتمر .

الرياح  لاتجري  دائما   كما  تشتهي  السفن ,  لذلك   ليس  هنا لي   الا  التحذير   من مغبة   الاغتراب  عن  سوريا ,  فما  يخص  المواطنة  السورية  والانتماء  السوري   ستكون  هناك  رياح   أخرى …رياح  العواقب  ورياح  المساءلة ,  خاصة  بعد  التجربة  المريرة  التي   عاشتها  سوريا  والتي  أتمنى  ان  لاتكون  قاضية  عليها , لقد  انتهى  فصل    العثمانيين  وفصل  العرب  بنتائج  دراماتيكية  ,    ومسألة    انقراض   اذيال  العرب  والعثمانيين   هي  مسألة  وقت  فقط …. يتبع  الجزء  الثاني   عن  عواقب  الاغتراب  وازدواج  الهوية

Tags: , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • المأساة العثمانية والمهزلة الأسدية !

    سمير صادق:  ومن منا لم يسمع  بعبارة  “سفر برلك” التي كان لممارستها من حيث النتيجة   قبل حوالي مئةعام  ما لايمكن تصوره من كوارث  , افراغ المجتمع من العنصر الشبابي  […]

  • أوقفوا القتل , نريد أن نبني وطنا لكل السوريين , الساعة صفر !!!

    وحتى من  يطالب بوقف القتل  في سوريا  يطاله العقاب والاعتقال , وحتى من يصفق للمتظاهر الذي يدعو لوقف القتل   يناله العقاب , السلطة مصابة بالجنون , ولا تستطيع فهم  أي […]

  • “السلسلة” مابين داعش وحزم!

    جورج  بنا: ليس للظن بأن داعش المتجذرة في الوعي الجماعي الديني ستتبخر تحت وابل القنابل أي ركيزة عقلانية أومنطقية , فداعش متعشعشة في اللاشعور الاجتماعي والديني منذ قرون , وكون […]

  • الابادة..والفاشية الانفلاتية

    الابادة ان كانت  سياسية أو اخلاقية  أو فيزيائية في سوريا ليست افتراضية , الواقع السوري يعبر  تعبيرا واضحا عن  ابادة  معالم الحياة السياسية والأخلاقية  , وحتى الوجود الفيزيائي  للانسان السوري, […]

  • الدولة العلوية تتشكّل في سوريا وعاصمتها اللاذقية

    عدنان أبو زيد:  تشير الدلائل الى أن انتقال العائلات العلوية التي تقطن المحافظات السورية وهجرتها نحو مناطق الساحل التي تسيطر على معظمها الطائفة العلوية، هو خطوة باتجاه عزل المنطقة والهيمنة […]