جورج بنا:
فالدولة الاسلامية الدينية التي تريد وضع كل المسلمين في العالم على أرضها , وحدودها الافتراضية تتعلق بوطأة قدم المسلم , وطأة القدمم هي بمثابة شرعنة لضم مكان الوطأة الى مشروع هذه الدولة , التي ستمتد مبدئيا من اندونيسيا اى طنجة , وهي قابلة للتوسع تبعا لوطأة قدم المسلم , اي أن الدولة الاسلامية المنتظرة مبهمة الحدود جغرافيا .
بشكل عام يمكن اعتبار سقوط الخلافة العثمانية ثم احتلال البلدان الاسلامية من قبل الغرب هم من الدوافع الرئيسية االتي ايقظت الشعور بالحاجة الى هذه الدولة على يد الاخوان المسلمين في مصر وباكستان بادئ الأمر . الآن وبعد حوالي قرن من الزمن أصبح من السهل القول بأن مشروع الدولة الاسلامية مجرد سراب, ليس له براءة السراب وانما شرور الشيطان , لقد كان لمشروع الدولة الاسلامية تأثيرا كبيرا على سوريا وخرابها وقتل ابنائها , والتأثير السلبي تمثل في محاربة مشروع الدولة السورية , لأن نظرة الاخوان لهذه الدولة كانت نظرة احتقار واعتبارها وصمة عار يجب ازالتها , وقد نجحوا في معظم أهدافهم التدميرية لمشروع الدولة السورية لحد الآن , الا أنهم فشلوا في اقامة الدولة الاسلامية الدينية , التي تبتعد يوميا وبتزايد عن امكانية تاسيسها , وبدلا من يتعلق موضوع التأسيس بعوامل داخلية فقط تحول مشروع التأسيس ليصبح أمرا عالميا , فالمجتمع العالمي لايريد هذه الدولة مهما كانت العواقب.
تختلف منطلقات الرفض الخارجي القطعي لهذه الدولة عن منطلقات عدم التقبل الداخلي لها , والمنطلقات الخارجية تتلخص بشكل رئيسي بالارهاب وتصديره , لأن هذه الدولة متهمة ليس فقط بارهاب الشعوب التي تسيطر عليها وانما بممارسة الارهاب العابر للحدود , وهذه النقطة هي المصدر الأساسي للمنع الدولي , داخليا لاتوافق بين العصر والنموزج النبوي الذي ينتظر منه ملئ الدنيا عدلا وتقدما , ومهما كانت درجة رشد الخلافة الراشدة في سياقها التاريخي , فانه ليس بالامكان أن يكون لهذا الرشد مكانا في العصر الحديث , للخلفاء مسحة مقدسة وهذه المسحة لاتستقيم مع امكانية وضع ضوابط للسلطة التي يمارسوها وبالتالي فان سلطتهم مرشحة لممارسة الاستبداد والفساد والديكتاتورية , ومن يريد الفساد والديكتاتورية في هذا العام و في هذا العصر ؟؟؟
فشلت الخلافة على كل المستويات , وكل المستويات كانت ذاتية , المستوى الأول كان فشل الخلافة على ذاتها الفاسد وعلى مجونها , والمستوى الثاني كان فشل اعادة تأسيس هذه الخلافة , وذلك بعد مرض وموت حاملها العثماني , فمن فشل في الحفاظ عليها لايتمكن من اعادة تأسيسها , الخلافة العثمانية كانت بحكم الميتة , ورصاصة الرحمة أتتها من الهزيمة في الحرب العالمية الأولى , والفكرة التي أججها حسن البنا عام ١٩٢٨ تتعرض كل سنة وبتزايد الى التآكل والابتعاد عن الواقع , وبقدر الابتعاد عن الواقع تعاظم شغف الاسلاميين بهذه الدولة مما قادهم الى ممارسة الارهاب , ظنا منهم بأن الارهاب يستطيع تأسيس الدول!
انطلاقا من امتلاك الدولة الاسلامية الافتراضية لعوامل الفناء الذاتي , يمكن القول بأنه لاحاجة للانهماك في محاربتها , فالاسلاكم السياسي يحارب نفسه بجدارة , ويعرض الدين الذي يدعي محاولة اعلاء أمره والدفاع عنه الى العديد من المتاهات الغير ضرورية , عند تكاتف الدين مع الاسلام السياسي يصبح سقوط الاسلام السياسي سقوطا للدين أيضا .
لايقتصر قصور الخلافة على امكانية التنكص الاستبدادي , هناك عدم تناسق مجمل شروط الحياة مع مفاهيم الاسلام السياسي , وهل من دولة في هذا العالم لاتعتمد القوانين الوضعية , وكيف ستتعامل هذه الدولة الغريبة عن العصر مع متطلبات هذا العصر ان كان اقتصاديةا او اجتماعيةا او عسكرية , وكم من المنتظر لدولة الملالي ان تبقى , وكم من المنتظر أن تبقى السعودية , وماهو دور البترول في بقاء هذه الكيانات , وهل وجود البترول أبدي ؟؟؟ وما هو الفرق بين ايران والسعودية وبين أفغانستان أو الصومال ؟؟ ليس الا البترول! , تحتكر هذه الكيانات كل معالم الدولة الفاشلة , والفشل النهائيي ليس الا مسألة وقت .
