بين الطائفية البسيطة والطائفية المعقدة !!!

June 18, 2018
By

جورج  بنا :

يدعي عادة أكثر الناس طائفية , بأن المجتمع السوري لاطائفي , ويعني بذلك بأنه كفرد سوري لاطائفي , اللاطائفي حقيقة لايشعر بضرورة نفي طائفيته , الطائفي المؤيد ينفي صفة الطائفية عن النظام , فالنظام طائفي عندما يمثل هذا النظام طائفة معينة تحكم طائفة أخرى بشكل معلن , وهذا الأمر لاينطبق على واقع الطائفية السلطوية السورية , وللمقارنة لاينطبق أيضا على واقع الطائفية السلطوية العراقية أيام صدام , اذ ليس كل جماعة صدام هم من السنة , وفي سنينه الأولى كان أكثرهم من الشيعة , كما أن جماعة الأسد ليسوا حصرا من الطائفة العلوية , وان كان معظمهم الآن علوي , جماعة صدام وجماعة الأسد تطوروا الى فرق عائلية ..تطوروا الى طائفة خاصة مستقلة عن السنة في حال صدام ومستقلة عن العلويين في حال الأسد , وللتشابه أوجه أخرى عديدة ..توريث ..تأليه ..تملك .. الخ , لامجال ولا ضرورة لتحليل أوجه التشابه بشكل مفصل .
مايجمع بين طائفية صدام وطائفية الأسد ليس مذهبي تقليدي , وانما خاصة “الانغلاق ” السلطوي على عدد من الأفراد , الذين قد يكونوا متنوعين مذهبيا , والانغلاق انحدر , لأسباب تتعلق بالثقة المفقودة تجاه الشعوب , باتجاه عضوي عائلي وبتخديم من الالتحام المذهبي , دون أن يعني ذلك بالضرورة التجانس المذهبي في طائفة السلطة المغلقة .
السلطة والانغلاق على فئة , هو الذي حول هذه الفئة الى طائفة , وبالتالي يجعل من السلطة سلطة طائفية … مؤسسة سلطوية أبدية تبتلع كل شيئ في الدولة ,التي تمثل بالنسبة للسلطة في أحسن الحالات مزرعة , ومن أجل مايسمى “الاستقرار” يجب تطوير القيم وتغييرها ,ومنها قيم “الوطنية” التي ألصقت بالسلطة مضمونا وممارسة ,الوطنية هي الانصياع للسلطة , ومعارضة السلطة هو خيانة وطنية , الوطنية تقزمت لتصبح ملحقا للسلطة بدلا من كون السلطة ملحقا للوطنية , الوطنية تقزمت الى ثرثرة ومبالغة ومجانبة وخطاب خشبي ..الوطنية هي خطاب شتم الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية وغير ذلك ..حكام الخليج وغيرهم , الوطنية تعني حسب القاموس الطائفي الانغلاقي الديكتاتوري ليس أكثر من ثرثرة ببغائية .
المجتمع السوري ينضح بالطائفية التي اعتمدتها السلطة كوسيلة أساسية للتسلط , الشارع السوري أصبح شارع مقاتل على مستويات طائفية متعددة تمتد من الشكل البدائي الشارعي المبسط (ضدية عنفية سنية -شيعيةعلوية ) الى الشكل الطائفي السلطوي المعقد الذي يجهل البعض آلياته , فالموضوع ليس سلطة علوية تجابه شارع سني ..هنا علي وهناك عمر ! الوضع اعمق وأكثر تعقيدا , السلطة ومن حولها هم طائفة مستقلة بحد ذاتها تمارس الطائفية ضد كل الطوائف الأخرى ..ان كانت السنة أو العلوية أو المسيحية أو غير ذلك من طوائف .
خاصة “الطائفية” عند السلطة ليست صفة مذهبية تقليدية ,ولأكثر من التوضيح, فان السلطة بحد ذاتها “طائفة” منغلقة على ذاتها محتكرة لكل شيي ومتحكمة بكل شيئ لها أعرافها ومقدساتها وآلهتها وترانيمها وأناشيدها ومصالحها وجيشها وحرسها ومرتزقتها , انها طائفية نظام سياسي مغلق يتربع على كافة الطوائف الأخرى ويأخذ منها مايحتاج ويعطي مايريد ,
هناك تفاوت في كم وكيفية التبادل بين طائفة النظام المغلق وبين باقي الطوائف المستسلمة له , وعلى آليات هذا التبادل تسيطر بعض الأحكام , منها مايسمى مبأ “الولاء التفاضلي”أي أن تشعر احدى الطوائف التي يجثم أخطبوط طائفة السلطة على رقبتها , بأن النظام يخصها أكثر من غيرها , وطائفة أخرى تشعر بأن النظام يخصها أقل من غيرها , التبادل يحدث تحت منظومة العرض والطلب , والسلطة متواضعة جدا في شروط الانتساب الى جماعتها , خاصة في المرتبة الثالثة وما فوق , اذ المطلوب في هذه المرتبة فقط المقدرة على التصفيق وممارسة الانبطاحية , وفي سلك الأمن خاصة المقدرة على التوحش ,والريع في هذه المرتبة لكل وحش أو مصفق منافق مئات الألوف من الدولارات , اما المرتبة الثانية فهي مخصصة لأقرب الناس الى عظام الرقبة من الأقرباء والجهويين وأبناء العشيرة ومن يمارس الولاء المطلق من الغرباء مثل ديكورات المناصب , التجانس المذهبيي هنا ليس بالشرط الأساسي ,والريع هنا لكل منهم بعض الملايين من الدولارات , ثم تأتي المرتبة الأولى ..مرتبة الشرف , وهذه المرتبة مخصصة لأفراد العائلة الحاكمة ..أخ ..صهر ..ابن خالة ..ابن خال والأقرباء المقربين جدا من العائلة ممن يستوفون أيضا الشروط المذهبية ,والريع هنا لكل يتجاوز المليارات من الدولارات .. الريع في كل هذه المراتب هو من انتاج معامل الفساد المنتشرة في البلاد من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب .
من أجل علاج وباء الطائفية المنتج لفرز اجتماعي -سياسي وفق أسس طائفية , لابد من التعمق في التفكير حول نشأة الدولة السورية التي بنيت على أساس “التجانس” القومي والديني المضاد للتعددية المممثلة لطبيعة الشعب السوري الحقيقية , دولة “التجانس” المفترض اصطدمت مع واقع شعب “التعددية” , راية ” التجانس” التي رفعها القوميون والاسلاميون كمبرر لقيام دولة عربية أو اسلامية هو الذي قاد في الدولة المريضة الى التفرد السلطوي القومي أو الديني عن طريق التنكر لطبيعة الشعب التعددية , والتنكر لطبيعة الشعب التعددية كان الدافع الرئيسي لخلق طائفة جدييدة بقاعدة أوسع من القاعدة العلوية , والطائفة الأسدية أوسع من الطائفة العلوية , وهذا يسهل تفردها بالسلطة ويسمح بنفي صيغة الطائفية المبسطة عنها, انها نوعا من الطائفية المعقدة المنيعة نسبيا ضد الاصلاح , فاصلاحها يعني المزيد منها , أي توسيع قاعدتها, وبالتلي زيادة تمكينها من التفرد , انتقال التفرد من الأسدية الى الاسلامية السنية يكرس المرض ويكرس الولاء على حساب الانتماء , لأن القاعدة السنية بطبيعتها الرقمية الطاغية واسعة بشكل طبيعي .
لاعلاج بدون اعادة تأسيس الدولة على أسس سياسية , وعلى اعتبار التعددية وحدة , والسعي لتكريس التجانس تفرقة , ولا سبيل الى ذلك الا عن طريق الفرض من الأعلى عن طريق أتاتوركية سورية أو وصاية دولية حازمة وصارمة .

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured