من الانسان المعاق الى الحضارة المعاقة!

April 4, 2018
By

ممدوح  بيطار:

لايزال  هناك  قدر  كبير  من  الفهم الغير   مصيب  حول  العلمانية, التي  أتت  من الغرب   وتفاعلت  مع  شعوب  المنطقة  خاصة   في   أوائل  القرن  العشرين  على   أثر  صدمة  الحداثة  ,  وعلى   أثر  صدمة   أخرى  تمثلت  بالأتاتركية  لكمال   أتاتورك  وبالتطورات  التركية  التي   أوحت  للبعض  بأن  العلمانية  هي   الحالة  الضدية  للاسلام  وهي  حالة  تعارض  تام  مع  الاسلام ,  ومهما  تنوعت  اشكال  الاسلام  وطرق  فهمه  ,  وتنوعت   أشكال   العلمانية  وطرق  فهمها    كاطار  لحياة  اجتماعية , تبقى   هناك  حقيقة  الدين  بأن  الله  هو  المطلق   اللامتناهي  وبأنه  على  كل  شيئ  قدير  ,  وحقيقة  العلمانية  التي  تعني  في  كل  صورها  وأشكالها  فصل  الدين  عن  الدنيا   أي  فصل  الدين  عن  السياسة  التي   هي  في  طبيعتها  واهتماماتها  دنيوية   , للله  مجاله  الخاص   وعلاقة  الانسان مع   الله  هي  علاقة  شخصية  لايمكنها   أن  تكون  اجتماعية   , لأن  الاجتماعية  رديف  للسياسية  وبالتالي  اقرار  لايستقيم  مع  العلمانية  التي  ترتكز  على  الفصل    أي  على  نفي   أي  صفة  اجتماعية  وبالتالي  سياسية  للدين  , العلمانية  هي   طريقة  حياة  اجتماعية  وبالتالي  هي    بالضرورة   سياسية  ولا  علاقة  لها  بالانتماء  الفردي  الذي  هو  بطبيعته    انتماء  خاصا

تأسست  النهضة  الأوروبية  على  العلمانية  ,  والعلمانية   تسود  الآن  في  المجتمعات  الناجحة  حسب   معايير  هذا  العصر ,  سيادة  التأخر   في   منطقة  الشرق  الأوسط  العربي  الاسلامي , تجعل  من   البحث  عن   اطار  يمكن  من  خلاله     صناعة  التقدم    أمرا  منطقيا  , اذ  لاوجود  للانسان  العاقل   الذي  يرفض  التقدم , وكأي      فكرة  جديدة    تعرضت  العلمانية  الى   بعض من   سوء  الفهم   خاصة   في  أمر  فصل  الدين  عن  الدولة  ,  حيث  اعتقد  البعض  بأنه   في  العلمانية  الاجتماعية  لاوجود  للقيم  الدينية  , والبعض   الميال  الى  التكفير  رأى  أن  العلمانية  تكفر  كل  مؤمن   ,  لذلك  فرفض  العلمانية  التكفيرية   مشروع   وواجب  ,  كواجب  العلمانية   في    محاربة  التكفير  الديني  ,التكفير  هو  في  الحالتين  اقصاء  , والاقصاء  هو نبع  من  منابع  المشاكل  .

العلمانية  انقذت  المقدس  الديني من  الاندثار  عن  طريق  اضفائها طابعا  اجتماعيا  واقتصاديا  على  المقدس ,  حولت  المقدس  الى  منظومة  محايثة   للحياة  اليومية  الأرضية ,  من  حيث    أصبح  للمقدس  فضائه  الخاص  واستقلاليته  في  هذا  الفضاء   ,  ومن  حيث   امنت  للمقدس  عن  طريق  عزله  وابعاده  عن   تقلبات  وتطورات  السياسة  امكانية  بقائه  كمقدس   ,  فالمقدس  في  العلمانية  له  بيئته  الخاصة به  ,  وقد    أعطي  المقدس  في  العلمانية  خواص  تجعله  مؤهلا    اجتماعيا  وليس   فرديا  خاصا فقط  ,  اذ  تحول   الى  اخلاقيات  دنيوية  تعتني  بالرموز  والخطوط  العريضة ولا  تتعثر  و تقع  في مطبات  الجزئيات   نتيجة  تدخل  هذه  الأخلاقيات  بتفصيلات  الحياة اليومية  كاللباس  وتهنئة  الجار  المسيحي  بأعياده…الخ ,  ,  العلمانية  تمكن   الدين  في  فضائه  الأصغر من  أن  يكون   ذو تأثير  أكبر  ,  العلمانية  تمكن  الدين  المقدس   أن  يكون  خادما  للانسان  وتمنع  الانسان  من  يكون  خادما  للمقدس  أو  عبدا  له  ,  وهذا  الأمر  يتفق  مع  مهمة  الدين  الأساسية  التي  هي   ممارسة  خدمة  البشر .

الاسلام  بخصائصه  كدولة ودين  بدون  كهنوت  رسمي  وقف  عائقا   أمام  نفسه  ,  ومهما  كانت  قدسية  الاسلام  كدولة لم   تعد  هذه  الخاصة  مستقيمة  مع  هذا  العصر  ,   الاسلام  يرفض  الكهنوت   الا    أنه  لايتمكن  من    منع  أي    انسان  من  التمشيخ  ,  واطلاق  اسم  الفقهاء  والعلماء  على الطبقة  المتمشيخة  أنقذ  الاسلام   نظريامن  الكهنوت  الكلاسيكي ,  الا   أنه  سمح  بانفلات   الفقهاء  والعلماء   ولم  يتمكن  من ضبطهم , لقد  تحولوا  الى  مرجعية  ليست  شرعية  الا  أنها  فاعلة  عمليا  ومرفوضة  نظريا  , هذه  التشكيلة  زادت  من  صعوبات تأقلم   الاسلام  مع  العلمانية  مقارنة  مع  سهولة  تأقلم   المسيحية  مع  العلمانية.

نظرا   للجهل  والأمية   ارتبك مفهوم  العلمانية  في  اذهان  الناس , وبدرجة   أعظم  ارتبك  مفهوم  الاسلام  في   أذهان  الناس أيضا ,  فالطبقة   أو  الفئة  التي  تتعامل  مع  هذه  المواضيع  شرحا  وتفسيرا  وترويجا  عند  العامة  المسلمة  هي  فئة  الفقهاء   الأغبياء  بشكل  عام ,  فالفقهاء  اختذلوا  الدين  الى  طقوس  وعبادات  ثم  ترهيبات وترغيبات   ,   واختذلوا  العلمانية  الى  منظومة  الحادية  همها  الوحيد   ممارسة  الكفر  ومحاربة  المؤمنين  ثم  القضاء  على   أمل  المسلم  بالجنة  التي   الغتها  العلمانية   من  الوجود,

تفاقمت  المشكلة  بسبب  انعدام  امكانية  الحوار   في  مجتمع  لم  يعد  متجانسا , فهناك  فئة  ذات  تعليم  عصري عال   وثقافة  غربية  ,  وأغلبية   أمية  أو  ذات  تعليم  بسيط  تقليدي   ,  حوار الفئتين  عسير  وممارسته     تشبه   ممارسة  حوار  الطرشان  ,  لذلك  تعثر  التنوير  التلقائي الذاتي  الاجتماعي  وتشنج   الانسان  البسيط  على   المنقذ  الديني , بينما   ازداد  الآخر  نقمة  على  الدين  لاتهام  الدين  بكونه  سببا  رئيسيا  لغربة  الفئتين  عن  بعضهما  البعض ,  هناك  فئة  ثالثة  كان  لها الباع   الأكبر  في  تشويه المفاهيم  وهي  فئة  المتديينين  تقليديا  والذين  يمارسون  الاتجار  بالدين  , برفعون  شعارات  دينية  لاكتساب  الشرعية  بينما  مسلكية  هذه  الفئة  ونمط  حياتها  هو  الأبعد  عن  الاسلام  ….فئة  المصلحجية!

الأصل  في  العلمانية هو تجويل   الانسان  من  منفعل  الى  فاعل ,  من   مجرد   أداة  لاحول  ولا  قوة لها  ولا  دور  في  الحياة  ولا  موقف  ينبع من  داخل الانسان , الى  انسان  بموقف  يمكنه  من  رفض   المفروض وامتلاك دورا   في  الحياة   وقوة تنبع  من  الذات  وليس انسانا  مستجديا  لمشيئة  الله  وخاضعا  لارادته ,متريده  العلمانية  هو  خلق  انسان   لاينوء  تحت  السلبية  والاتكالية, العلمانية ترفض  الاستسلام  لما  يسمى   حكم الله  الذي  ينصب الحاكم  الجائر ,  العلمانية  لاتقر  بأن  الجوع  والفقر من  ارادة الله , ولاتعترف  بأن  الله  هو  الذي  اراد  لنا  النكسات  والمصائب ,  ومن  يروج  لهذه  الأفكار  والمفاهيم  هم  رجال  الدين  ,  الذين  ياصقون  بالانسان  شخصية   أخرى  تناقض  شخصيته  وبالتالي  يتكون  منه  انسانا  مزدوجا  تائها  بين  ذاته  وبين  الشخصية  القدرية  الاتكالية  السلبية  التي  ألصقت به , فصم  الانسان  هو  تأسيس  لاعاقته  ,  وما الحضارة  المعاقة  الا  نتيجة  للانسان  المعاق

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • الأوهام القاتلة

    هناك مشاريع اصلاح عدة , منها مشروع  يؤكد على ان الجميع يجب أن يعمل تحت سقف الوطن , وان الرئيس بشار الأسد هو قائد لعملية الاصلاح , وفي الشطر الأول […]

  • مجزرة الحمير

    صدفة شاهدت مجزرة اعدام الحمير والبغال عل شريط مسجل (التواصل الاجتماعي )  , وقد كان من الضروري ايقاف رؤية الشريط قبل انتهائه  , فالمنظر مرعب ومقزز للنفس  , وما  رأيته […]

  • هزيمة أو انتصار , حزب الله وهدنةآب 2006

    بعد أكثر من  أربعة اسابيع من الحرب  احنلت اسرائبل   جنوب لبنان  حنى الليطاني,  ثم قررت الأمم المتحدة  عقد هدنة في الشهر الثامن  من عام 2006 بين  لبنان واسرائيل  وحزب الله […]

  • انتخابات بالطريقة العربية

    في العالم العربي مشاهد انتخابية عدة. مصر على أبواب انتخابات رئاسية. سوريا أجرت انتخابات نيابية. لبنان أجرى انتخابات بلدية جزئية ويحضّر لانتخابات نيابية عامة. سبق ذلك انتخابات تونسية ورئاسية يمنية […]

  • هلك المناضل في حضن أبيه

     عوض سليمان: القنطار، “اليساري ابن الشيعة” الطائفي المقيت، قُتل في حضن أبيه الأسد تستوقفني بعض المسائل في هلاك سمير القنطار، أولها أنني لا أنكر أن الرجل قام بعملية نهاريا عام […]