العداء والتشابه بين القومية العربية والقومية الصهيونية !

April 1, 2018
By

نيسرين  عبود:

أمراض  شعوب  هذه  المنطقة  كثيرة ,  وأكثر  الأمراض  انتشارا   هو   التجرثم بالفكر  القومي والطائفي  والعشائري,  الرئيسي  في الأمراض   هو  مرض  القوميات   ,  فهناك  القومية  العربية  وهناك  القومية  الصهيونية  وغيرهم  من  القوميات  الصغيرة  نسبيا  , الا   أن   القومية  العربية  والقومية  الصهيونية هم الأكثر  عداء  واقتتالا   لبعضهما  البعض  , وذلك  بالرغم  من  التشابه  الكبير  بينهما  , انهما  توأم  متشابه  ومتصارع  بآن  واحد   ,  وكلاهما   يرضع  من  الثدي    الايديولوجي   العرقي .

ماهي  معالم  الفكر  القومي  العربي  , وما  هي معالم  الفكر   القومي   الصهيوني؟

نشأ  الفكر  القومي  العربي  في مطلع  القرن  العشرين   بهدف   التخلص  من   العثمانيين   ,  وقد  وجد  هؤلاء  بأن  هناك  مايجمعهم   مثل  اللغة  والثقافة   والحياة  المشتركة   ,  الا   أن  عامل  الجمع  الأهم  كان   العامل  الاتني  العرقي  العربي,وحتى  التفكير  الوحدوي  العربي  في  اطار  القومية  العربية   ارتكز  على العامل  الاثني  العرقي  ,  الذي  ساهم من جهة   أخرى    بشكل   كبير  في  اندلاع  الأزمات   الداخلية,  كما هو  في   العراق  وسوريا مع   القومية  الكردية   ومع  جنوب  السودان   ومع  اقباط  مصر  ومع  القومية   السورية  والأمازيغية  , تارة  بسبب   رفض  هيمنة  القومية   العروبية   وتارة  بسبب  رفض   هذه  القومية  العروبية  لبقية  القوميات  واعتبارها  لاغية   أو  غير  موجودة .

امتداد   العامل  العرقي  العربي  على  الشعوب والأوطان  انعكس   على   امتداد العامل  الجغرافي    الذي  تسكنه  هذه  الشعوب  والذي  تمثل   تقليديا  باسم  الوطن  العربي ,  فالوطن  العربي  هو وطن   القومية  العربية  العرقية  والتي  تتربع  على  جغرافيا   تخصها  هي  الجغرافبا  العربية.

تتميز  القومية  العروبية  بميزة  الميل  الى  التعريب  الموروثة  من   سياسة  الفتوحات  العربية  التي  عربت  الناس  دينيا ولغويا  بعد  احتلال  ارضهم  وأوطانهم  كما    هو  حال  بلاد  الشام  وشمال   أفريقيا  , وهذا  الأمر  جعل  من  الفكر  القومي  العربي  فكرا  احتلاليا مفعما بعنف  تمتد  جذوره  الى   قبل   ١٤٠٠  سنة  ,  وما حدث  في   أوائل  القرن  العشرين  ليس  أكثر  من  اعطاء  هذه  الاحتلالية   أو  الفتوحية  كما  يريد  العروبيون   تسميتها   صيغة  نظرية  وبلورة  في  شكل  دولة  او دولا  ,  عليها   أن  تكون  موحدة   بغض  النظر  عن  كونها  مؤهلة   للوحدة    أو  غير مؤهلة  , اذ  أن  العامل  العرقي كاف   لاحتضان  هذه  الوحدة    واعطائها الدفع  الضروري  للبقاء  والتطور  ,  وذلك  بعكس  مانعرفه  عن  بقية  الوحدات   أو الاتحادات  كالاتحاد  الأوروبي   ,  الذي  ولد على   ركائز  اقتصادية  وسياسية  بعد   أن  تم  القضاء  على  المفاهيم  القومية  الاوروبية  المتعددة ,

  ظهرت الصهيونية   في  أواخر  القرن  التاسع عشر  وبداية  القرن  العشرين بشكل  قومية  أهملت  وتجاهلت  الأرض التي عاش  عليها  يهود  العالم   بشكل  مواطنين  في  مختلف  الدول والمجتمعات  وأيقظت    المفاهيم  العرقية  اليهودية   … العرق  هو  الأساس  وليس  الجغرافيا  …الدم  الذي  يسيل  في  العروق هو  دم  يهودي  بخصائص  يهودية , فهوية  اليهودي  استقالت  من   هوية  البلدان  التي   عاشوا  بها  , وجغرافيته  ابتعدت  عن  جغرافيا  الدول  والمجتمعات  التي  عاش  اليهود  به   , استقر  الأمر  على   أن  البديل  عن  الجغرافيا  كانت  فلسطين     ,  المحدد  للهوية  الصهيومبة   اصبح  الأصل  العرقي والاثني   المشترك  الذي  ينحددر  منه  اليهود   الذين  ينحدرون  بدورهم  من   أجدادهم  في  فلسطين , فعرقية  الانتماء  هي  مايجمع  بين  أسس  الفكر  القومي  العربي   والفكر  القومي  الصهيوني ,

فكرة  الوطن  القومي  المبنية  على  اسس  عرقية   هي  شكل   آخر  من  أشكال  التشابه  بين  القومية  العربيىة  والقومية  الصهيونية , فالوطن  العربي جغرافيا  هو  الرقعة من  الارض  التي   يسكنها  العرق  العربي والتي  تمتد  من   المحيط  الى  الخليج   أي  الوطن  الأصلي  للعرب  في  الجزيرة  مضافا  اليه الشعوب  التي  تعربت   كحال  سوريا  ومصر  والمفرب  ,  فالعرق  هو   العامل  الأساسي  في  رسم  الحدود  , وهذه  الطريقة  تستخدم  من  قبل  الاسلاميين    ,  فحدود  دولتهم  يحددها  وجود  المسلمين   ,  ان  وجدوا  في  روسيا  فروسيا  جزء  من  الدولة  الاسلامية  ..  ,  ولايختلف  ذلك  عن    التفكير   القومي  الصهيوني  ,  حيث   أن  وجود  الصهاينة  في  منطقة  ولو  محتلة  عن  طريق  الحرب  يعني    أن  هذه  المنطقة  قد  تحولت  الى  جزء  من  اسرائيل  ,   يمكن  القول  بأن  اسرائيل  تشكل  وتكون وتجمع    الشعب   أولا , ثم  تبحث  له  عن  الأرض  , ولو ازداد  عدد  الصهاينة فجأة   بحوالي مليونين   ,    لاشتعلت  نار  حرب  يتم  من  خلالها  تأمين  المكان  المناسب  لهم  تحت  الشمس , الخلل  في  القوميتين  هو  تبعية  الأرض  للعرق,  بينما  الأصح   هو  تبعية  العرق   أو  الاعراق    للأرض ,  المهم   هو  العنصر   الجغرافي    أولا   ومن   يسكنه  ثانيا ,

علاقة  الدولة وبالتالي  القومية   بالدين  متشابهة  في  حال  القومية  الصهيونية  وحال  القومية  العربية, ,   هنا  يحب محاولة  فهم  ولادة  الفكر  القومي  العربي في    أوائل  القرن العشرين  على  يد  مجموعات  معظمها  مسيحية ,  فللقومية   العربية  طوران  ,  طور  البداية  وطور  البلوغ  ,   ففي  البداية كانت  المبادرة   بمعظمها   مسيحية  وفي  البلوغ   أصبحت  بمعظمها  اسلامية ,  البداية  تأثرت  بالأديان  ,  فحماسة    المسيحيين  للفكر  القومي  العربي كان  مدفوعا  ولو  لاشعوريا  من  الحرص  على  الأقلية  المسيحية  التي  شعرت  بالتهديد  من قبل الاسلاميين ,الفكر  القومي  عنصري أيضا ,  ألا  أن  عنصريته  ليست  دينية, لذلك   روجوا   للقومية  حماية  لهم من  العنصرية  الدينية    ,  أما  في  مرحلة  البلوغ  وخاصة  بعد عام  ١٩٢٨  فقد  امتزجت   العنصرية  القومية  مع  العنصرية  الدينية   وتحولت  العروبة  الى  اسلام  والاسلام  الى  عروبة ,  وهكذا  انقلب  الوضع  بالنسبة  للمسيحيين  الى  تهديد  أكبر  , لم  ينفع  في علاجه  اعتراف  انطون  سعادة  بأننا كلنا  مسلمون   ,  هناك  من   أسلم  بالله  عن  طريق  محمد وهناك  من  أسلم  عن طريق  المسيح  ,   اما  عفلق  فقد   أعلن  الاستسلام  النهائي  وقال  ان  العروبة  اسلام والاسلام  عروبة   , والهدف    من  هذه  الخطوة  كان  سحب  البساط  من   تحت  أقدام  الاسلام  السياسي  الذي  بدأ  حديثا  عام   ١٩٢٨  على  يد  البنا  وقطب, وهكذا  ولد  في  هذه  المرحلة  استغلال  متبادل وابتزاز   للعروبة  من  قبل  الدين  وللدين  من قبل  العروب,فالدفاع  عن  العروبة  العرقية  هو  دفاع  عن  الاسلام  والدفاع  عن الاسلام  تحول  الى  دفاع  عن  العروبة ,  وبذلك  انصاع   الأسلام  ذو  الجوهر  الأممي   للعروبة  ذات  الجوهر القومي , وانصاعت  العروبة  للاسلام  في تقارب   مؤسس  على  المصلحة  المشتركة  في  تقاسم  السلطة , هذا  التقارب   اختل  عدة  مرات,  وسبب  الاختلال  كان  دوما  محاولة  جهة  تكبير  حصتها من  السلطة   وبالتالي   نقض  اتفاق  التراضي  والتقارب .

الحركة  الصهيونية  هي  حركة  احتلالية  استيطانية  ابتزت   الدين  كما  ابتزته  القومية  العربية  وذلك  لتحقيق  تجميع  اليهود  في  فلسطين ,  الصهيونية   أصلا   ليست حركة  دينية  كالقومية  العربية  التي  لم  تكن   أصلا  حركة  دينية ,  وحال  الصهاينة  الأوائل كان  بعيدا  عن   اليهودية,  كحال  القوميين  العرب  الأوائل  ببعدهم  عن  الاسلام, تفاعل  القومية  الصهيونية  السلبي  مع اليهودية  شبيه  بتفاعل  الفكر  القومي  العربي مع  الاسلام   … فالتناقض  تحول  الى  تفاهم   وهكذا  ولدت في  النهاية    الصهيونية  الدينية  وولدت  العروبية  الدينية  وتأجج  العداء  بين  القوميتين  وبين  الدينين وذلك  بالرغم   من  التشابه  القومي  وحتى  التشابه  الديني .

لقد  كانت  الايديولوجيات   العرقية  دائما  سببا  مهما  من  أسباب  الحروب , ومبررا  لانتهاك حقوق  الانسان  كما  فعلت  العرقية  النازية  القومية  ,  لم  يجد  القوميون  العرب  والقوميون  الصهاينة  من  حل  لمشكلة  فلسطين  الا  حل  الحرب والاقتتال , ربط  الهوية  بالعرق  والدم  لايؤدي  الا  الى  هدر  المزيد  من  الدم ,  والعالم  المتحضر  تجاوز  المفهوم  البيولوجي العرقي  للهوية  ,  فالهوية   أصبحت  ترابية  مصدرها  الأرض  الذي  يعيش  عليها  الانسان  كان  من  كان  وبغض  النظر   عن  أصله  وفصله  البيولوجي  ,  التحديد  الترابي  للهوية  هو  القادر  على  تجاوز  النزاعات  التي  تحركها  النزعات  العرقية ,  الاستمرار  في  الاتكال  على   العروبة  القومية  العرقية  ثم  القومية  الصهيونية  العرقية   سيكون  كافيا  للاستمرار  في  الحروب   العبثية داخليا  وخارجيا , من  يريد  الانتصار  على  القومية  الصهيونية  الدينية   ,  عليه  الانتصار    أولا  على  القومية  العربية   الدينية    ,  ومن يريد  الانتصار  على  القومية  العربية  الدينية  عليه  بالانتصار    أولا   القومية  الصهيونية  الدينية  , اذ  لاتختلف   العروبية  عن  الصهيونية  من  حيث مبادئها  وأصولها  الفكرية ونزعتها   العرقية  الدينية

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • فولوكلورية الأصولية

    ليس هناك مايقلق جديا  بخصوص الثورة السورية , وبالأخص من   بعض مظاهرها الدينية المتطرفة ,  حيث يبدو الطريق الثوري للبعض  بشكل متزايد على أنه وعر , خاصة وان النظام […]

  • الدم لايهزم

    منذ الأيام الأولى لإندلاع الثورة السورية و نظام الأسد يحرص على تأطيرها على أنها جزء من حرب سياسية موجهة من قبل خصم أو خصوم سياسية اسمها المعارضة , و أن […]

  • مملكة الأسد التخيلية !

    حنان عبدو: الوضع يزداد بلورة خاصة خطوط التماس التي تعبر عن  تقسيما غير معترف به الآن  , لا أحد يريد التقسيم  الا أنهم جميعا يقسمون  , لا أحد يريد الفساد  […]

  • القانون دين الدولة!

    مهما كانت المآلات، فإن الربيع العربي هو إجتراح لمعجرة. ذلك أن مجرد تصوّره قبل وقوعه، كان ضربا من الهلوسة، فمن خطر بباله رؤية فرعون خلف القضبان؟ ها هنا يكمن البعد […]

  • معارضة المعارضة: “الخيار الثوري المدني في سورية “ بقلم هيثم مناع.

    رغم تحفظاتي على بعض الشطحات الساذجة أنشر:”الخيار الثوري المدني في سورية “ بقلم هيثم مناع. في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وافقت السلطات السورية على خطة العمل العربية، وكذلك فعلت أهم […]