لماذا الصحوة الإسلامية؟

March 7, 2018
By


راتب  شعبو: 

من مكرور القول أن إخفاق الحركات القومية والماركسية في منطقتنا، بصفتهما حركات تحرر، فرش الأرض أمام ظهور ما يدعى اليوم الصحوة الإسلامية. وبعيداً عن سياق وأسباب ذاك الإخفاق وما يمكن رده إلى غياب الديموقراطية عن تلك الحالات أم إلى الافتراق الحاصل بين وعيها وواقعها، يبقى السؤال: كيف لهذه الصحوة الإسلامية أن تفلح حيث أخفق الآخرون؟ والسؤال الأولى ربما: ما الذي دفع وهيأ لتكون هذه الصحوة إسلامية؟ أي لماذا يرتدي الكم الأكبر من الرفض الشعبي للشكل الحالي من النظام السياسي والاقتصادي العالمي في منطقتنا اليوم لباساً إسلامياً؟

في الحقبة الماضية سعت الحركات القومية والماركسية إجمالاً إلى تحقيق الاستقلال السياسي ومن ثم الاقتصادي إن في إطار قومي أو أممي، بانحياز إلى ما كان يسمى المنظومة الاشتراكية أو بعدم انحياز أو بحياد إيجابي..الخ. في تلك الحقبة كان للفكر الاشتراكي سطوة سياسية واقتصادية دفعت الناصرية مثلاً إلى التنظير لاشتراكية عربية “قومية”، ودفعت حركة الإخوان المسلمين في مصر على لسان الشيخ حسن البنا، إلى القول إن البلشفية نفسها موجودة في مبادئ الإسلام، كما دفعت “الجماعة” في سورية إلى دخول الانتخابات النيابية في 1949 باسم “الجبهة الإسلامية الاشتراكية”. أي بكلمة، غطت الفكرة الاشتراكية على أو همشت إلى حد ما صراع الهويات. اليوم نلاحظ ميلاً معاكساً باتجاه الالتجاء إلى الإسلام، كرافعة نضالية لدى البعض وكدين ينطوي على حل لمشاكل الدنيا لدى البعض الآخر. ومرة ثانية ينبثق السؤال: ما هي حدود هذه الصحوة؟

السمة الأبرز في الصحوة الإسلامية هي النزعة الجهادية العالية، فقد بات حضور الفريضة الغائبة (الجهاد)، كما تسميها بعض الفصائل الإسلامية (كالجهاد الإسلامي)، كثيفاً وطاغياً. إن الرصيد الذي لا ينضب من الانتحاريين (الاستشهاديين) وتحول العمليات الانتحارية من قبل أنصار هذه الجماعات إلى ممارسة يومية وخبر بارد وروتيني في نشرات الأخبار إلى حد أنها باتت في قسم كبير منها ممارسة مجانية وعبثية بل، في أحيان كثيرة، إجرامية تستهدف مدنيين أبرياء من أبناء البلد نفسه في الأسواق الشعبية أو دور العبادة ..الخ، يكشف أمرين: الأول هو سيطرة الجانب العقيدي وتحديداً ما يعتقد الانتحاري أنه شراء الآخرة بالدنيا، والثاني، وهو مشتق مباشرة من الأول، هو الطاقة التعبوية الهائلة التي تحوزها الجماعات الجهادية. ولعل هذه الطاقة، الجاهزة والقليلة الكلفة، تفسر جزئياً على الأقل سرعة نشوء وثبات هذه الجماعات ونجاحاتها في صراعات غير متكافئة ضد آخر مغاير لاسيما دينياً. ولنلاحظ أن العدو في كل من العراق وفلسطين وجنوب لبنان وأفغانستان، حيث تثبت هذه الجماعات وتحقق نجاحات، ينطبق عليه ذلك (استخدمت الحكومات السودانية المتعاقبة بنجاح فتاوى “الجهاد” في جنوب السودان لمواجهة متمردي الجنوب غير المسلمين، ولكن كان لا بد من العمل على خط انقسام آخر “عرقي” – لا تنفع فيه التغطية الإسلامية – لتغطية الصراع في دارفور، “فالعدو” هذه المرة مسلم ولكن من غير العرب).

السمة الثانية هي انعدام التناسب بين الطاقة التعبوية الهائلة والمنهاج السياسي الفقير. منهاج يقوم على ثنائيات بسيطة وفاقدة للعمق السياسي. ببساطة يمكن أن ينقسم العالم إلى فسطاطين (هويتين) لا منزلة فيه بين المنزلتين. وببساطة يمكن أن تنزلق الهويات المتصارعة وتبدل مواقعها، وعليه يمكن لهذه الطاقة أن توظف في عمل وطني رفيع (مقاومة الاحتلال) وأن تخدم في وقت آخر كقوة تدمير للوحدة الوطنية وحتى كطاقة تغذي حرباً أهلية. يمكننا أن نتذكر كيف حول أبو مصعب الزرقاوي، وهو أحد وجوه هذه الصحوة، أنصاره إلى محاربة الشيعة “الروافض” وحزب الله في لبنان، فاتحاً الباب أمام حرب أهلية أشد فتكاً بالإسلام من الاحتلال “الصليبي” نفسه. وكيف أدت حرب يوليو الإسرائيلية على لبنان سنة 2006 بأيمن الظواهري إلى تغيير هذا الموقف ومناصرة حزب الله في حربه تلك. ثنائيات دينية سياسية، الدين يضفي عليها قطعيته والسياسة تفرض عليها حركيتها، فنصبح أمام قطعيات متحركة، هي من سمات هذه الجماعات.

ليس جديداً أن يطمح الدين إلى اقتحام السياسة، إنه نزوع “طبيعي” ويشكل القاعدة، والقول إن الدين الإسلامي يقتحم السياسة بصفته ديناً ودنيا، لا يفسر لنا سبب تدخل كل الديانات (السماوية وغير السماوية، الكبرى والصغرى منها) بالسياسة بصفتها محل التحكم بالشأن العام. حتى الكنيسة المسيحية لم تترك ما لقيصر لقيصر بل استولت عليه وباتت تتوج وتعزل القياصرة، مفتية ذلك بالقول إن الكنيسة مسؤولة أمام الله عن أعمال الملوك أنفسهم. ما يتوجب علينا هو أن نفسر سبب نجاح عملية الاقتحام هذه اليوم وبهذه الصورة.

ليس هاجس الإسلام السياسي فرض الأحكام الشرعية، حتى أن الكثير من الحركات الإسلامية تخلت صراحة عن ذلك، بل إن الهاجس العميق يتعلق بالهوية. وهذا الهاجس يطفو على السطح ويستفز أعمق مخازن الطاقة الفردية والجماعية حين تتسع الهوة “الحضارية” بين الجماعات ولا يبدو أمام الأمم المغلوبة سبلاً ملموسة واضحة للخروج من “تخلفها”. عندئذ يسيطر على السلوك السياسي بوعي مباشر أو غير مباشر مبدأ الحفاظ على الذات حتى “يجعل الله لها مخرجاً”.

في فترة حروب التحرر الوطنية عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية كان يبدو التحرر للأمم سبيلاً للخروج من محنتها، كما شكلت سياسات الاستقلال الاقتصادي الوطني والبناء الاشتراكي وما إليها سبيلاً مشابهاً. ولا يهم أكانت هذه السبل موهومة أم لا، المهم أنها كانت ترسم أفق حل أمام الوعي العام. إن عالم اليوم يخلو إلى حد بعيد من هذه الآفاق وهذا ما يجعل الهويات أو الذاتيات تتخذ واجهة الصراعات. لعل ذلك ما يفسر هذا المد الإسلامي الواسع والمتنوع في منطقتنا. وما يفسر حدة تعبيرات بعض تياراته. وما يفسر تقبل هذه التيارات من قبل قسم كبير من الوسط العام والوسط الخاص رغم أن هذه الجماعات تنسف باعتمادها المرجعية الدينية أساس الدولة الحديثة التي تقوم على فكرة المواطن والمواطنية.

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • منذ متى كان هناك معارضة تركمانية في سوريا ؟

    لقد اقتبست عنوان هذا الموضوع من سؤال طرحه الصحفي نزار نيوف , وقد طرح نيوف هذا السؤال  بحالة  المشدوه ,اذ  انه يتصور كل شيئ , ولكنه لايستطيع تصور معارضة تركمانية […]

  • المرأة وأشباه رجال الدين والدنيا !

    ممدوح بيطار : * لا أجد ضرورة لتكرار الكلام الانشائي الهادف الى تبرير السعي لمساواة الرجل مع المرأة , المساواة أمر بديهي لايتطلب الغوص في بحور البرهنة والتبرير ,المرأة السورية […]

  • كلهم أصبحوا بقدرة قادر شرفاء !

    قالت جريدة الوطن السعودية يوم أمس  عن لسان  نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف أن المسؤولين الروس الذين زاروا دمشق مؤخرا، حصلوا على وعود من الرئيس بشار الأسد بالدخول في […]

  • خصوم الأسد يفكّرون في اغتياله.

    خصوم الأسد يفكّرون في اغتياله التقييم القائم من جهات مختلفة لواقع الأزمة السورية ينطلق، هذه الأيام، من المعطيات القائمة على الأرض. والمشهد الداخلي سيظل محل تجاذب لفترة طويلة، حيث يصعب […]

  • الثورات العربية ..الأبعاد الجيوسياسية , والمعادلات الاقليمية

    مجرى عمليات التغيير في العالم العربي ونتائجها ما زالت مفتوحة على الكثير من الاحتمالات. إلا أنه بات واضحاً اليوم كيف يمكن أن تؤثر هذه التغييرات على توزيع القوى جيوسياسياً في […]