مابعد الحداثة وتشييئ المرأة !

February 9, 2018
By

ممدوح  بيطار:

التشييئ يعني ببساطة اختزال قيمة ووجود الانسان الى مرتبىة االشيئ الذي يشترى ويباع , انه تبخيس لقيمة الانسان وتنكر لانسانيته قبل تحويله الى مجرد أداة , واذا كان الاسلام متهما بتبخيس المرأة عمليا فهذا لايعني استفراد الاسلام وااحتكاره لهذه الخاصية , لذلك لابد من البحث عن منابع أخرى لهذا التبخيس , الحداثة والتحديث ثم العلمانية غيرت أوضاع المرأة بقدر تباين وضعها في الغرب مقارنة مع الشرق ,الا أن مرحلة ما بعد الحداثة تتسم بحرية تسويق واستهلاك كل شيئ تحت شعار خلق الحاجة وليس تغطية الحاجة , لانشتري بنطالا لأن البنطال القديم ممزق وانما لأن لون البنطال الجديد هو “الموضة” , الحداثة والتحديث قدموا للمرأة الكثير بما يخص استقلاليتها ومساواتها وحريتها , هل ستنقلبب مرحلة مابعد الحداثة على الحداثة والتحديث أو أنها ستكون استمرارا وتطويرا لهم ؟؟

ينفي تشييئ المرأة وجودها ككيان إنساني مستقل ومساوي بقيمته وكرامته وحاجاته لغيرها خاصة الرجال , التشييئ يحول المرأة الى مادة جامدة مختزلة الى مرتبة الشيئ فاقدة للخصوصية والاستقلال والارادة , وعن ذلك قالت نوال السعداوي : ” تعيش المرأة التناقض الاجتماعي بحدة , يجب أن تكون باردة عفيفة طاهرة لا تحس الجنس ولا تطلبه , يجب أن تكون أداة متعة لاشباع زوجها جنسيا حتى الثمالة,جسدها عورة يجب إخفاؤه بمقاييس الأخلاق, جسدها مباح ويجب تعريته بمقاييس الزواج التجاري والاعلانات عن البضائع. ولا أظن أن هناك إستغلالا أشد من هذا الاستغلال ولا إمتهانا أشد من هذا الإمتهان الذين تعيشها المرأة,فهي فريسة بين قوتين متنازعتين متضاربتين كقطعة لحم بين فكين ضارياتين ,وكل هذا طبيعي في مجتمع فقدت فيه المرأة مكونات شخصيتها وأفرغت من إنسانيتها وتحولت لشيء أو أداة, فهي تارة أداة للاعلان وهي تارة أداة للشراء والاستهلاك، وهي تارة أداة للإمتاع وخدمة الشهوات، وهي تارة وعاء للأطفال بختصار خادمة في النهار وجارية غير مأجورة في الليل .

عن مابعد الحداثة لانعرف الكثير , لكن هناك بعض الشبهات التي لاتطمئن بشكل عام ,فثقافة الإستهلاك الى الهلاك هي ضرورة رأسمالية , الا أنها ليست بالضرورة حاجة انسانية , ما بعد الحداثة تخاطب الغرئز المستهلكة .. ,والبعض يرى بأن الاسلام قد قفز قفزة واحدة وانتقل من الكهف الى الكوكبة اي الى العولمة وبالتالي الى مرحلة مابعد الحداثة , فهناك من يزعم بأن الاسلام المشييئ للمرأة يوازي تشييئ مابعد الحداثة للمخلوق البشري عن طريق تحويله الى مادة استهلاكية تشترى وتباع .

يدعون بأن خلق المرأة المسلمة الجديدة والتي لاتتساوى بالشيئ , يتم بمحاربة موجة التحرر الجنسي للمرأة وما يسموه الاباحية الجنسية , يريدون منها العودة الى البيت والمحافظة على العفة والامتناع عن مخالطة الجنس الآخر , ثم ارتداء الحجاب لكي لاتتحول الى مصدر لاثارة شهوات الرجال والفتنة , فالمرأة المسلمة الجديدة تتمثل بالدرجة الأولى بكونها مصانة الأعضاء التناسلية , وهذه الصيانة ضرورية من أجل خصخصة توظيف الأعضاء التناسلية لهذه الأعضاء ,والابتعاد عن التوظيف العمومي التجريبي , لكل امرأة تجربة واحدة لاغير , ومع رجل واحد لاغير ,والرجل بعكس ذلك .

يتضمن اعتراف بعض الاسلامين بوجود تشابه بين تشييئ المرأة رأسماليا في مابعد الحداثة وبين حالة المرأة المسلمة الحديثة ,لقد فات على نباهة هؤلاء بأن هذا التشبيه هو اعتراف غير مباشر بأن المرأة المسلمة الحديثة مشيأة ايضا , وبأن موجة خلق الاستهلاك في مرحلة مابعد الحداثة لايعني أن المرأة حصرا قد تحولت الى مادة استهلاكية , مابعد الحداثة تستهلك كل شيئ حتى المعرفة , الا أن فلسفة استهلاكية مابعد الحداثة تختلف جوهريا عن فلسفة الاستهلاكية الاسلامية !, فات على نباهتم الفرق الكبير بين التعري والتغطية , حيث أن التعري يتم بناء عل ارادة شخصية وبذلك هو في جوهرخ تحرر , وبأن التغطية بالحجاب والنقاب يتم بنا على ارادة خارجية كالارادة الدينية , وهذا بجوهره قسر واستبداد واملاء , لاصحة لمقولة ..هناك من يعريها ليسوقها وهناك من يغطيها ليسوقها . التعرية أمر طوعي , بينما التغطية أمر قسري.

المرأة اسلاميا فرج له جسد , وفي مابعد الحداثة تبقى المرأة جسدأ له فرج …. !!!يبدو وكأن الاسلاميون لايهتمون بوجود فرق بين الحالتين ,خاصة بالنسبة لحالة العقل , الفرق شاسع بين الحالتين ويبدو وكأن العقل ضامر أو غيرموجود عند تحول المرأة الى فرج مع ملحقاته أي الى حالة مشوهة لطبيعة المرأة , الجسد بفرج هو أمر طبيعي , ومن طبيعة الانسان امتلاك عقل , والدلالة على ذلك هو وضع المرأة مقارنة مع وضع الرجل في كل من المجتمعات الاسلامية ومجتمعات ما بعد الحداثة , فالمرأة في مابعد الحداثة ستكون نصفا استهلاكيا وانتاجيا ولا يمكن لها أن تتحول اى ملحق طفيلي , لاوجود لأي تطور في مجتمعات الحداثة والتحديث وما بعد الحداثة لايلتزم بأمر المساواة بين المرأة والرجل , لابل هناك في العديد من الحالات اجحاف بحق الرجل الذي تحول من ظالم الى مظلوم , المرأة تحولت في مجتمعات الحداثة الى فاعلة أساسية وفي بعض الحالات فاعلة رئيسية في المجتمع , وما هي القوة التي يمكنها اعادة المرأة الى صيغة المفعول بها ونزع صفة الفاعلة عنها في مجتمعات مابعد الحداثة ؟؟؟

لا أمكانية للتأخر بخصوص وضع المرأة في مجتمعات مابعد الحداثة , ولا امكانية للتقدم المطلوب بخصوص المرأة في المجتمعات الاسلامية , الوضع يتسم بالكثير من التعقيد الذي لايمكن تفكيكه بشكل كامل من خلال هذه المقالة , لابد من تسليط أضواء أخرى على هذه الاشكالية وذلك بمقالات وشروح اضافية حول المرأة في مجتمعنا في عصر مابعد الحداثة

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • بين الوطني والانساني !

    جورج  بنا: “لاصوت  يعلو على صوت  المعركة”  هو  شعار  لامعنى عملي  له  على الأرض  وفي  الواقع  , لأن  المعركة  التي  لايعلو  صوت  على  صوتها  هي  معركة مميتة  وميتة  قبل  ولادتها […]

  • في المسألة الطائفية في المشرق العربي ١\٢

    بقلم:عزمي بشارة  قد يَستغربُ حتّى جزءٌ من الباحثينَ المقولةَ التي تفيدُ بأنّ الطائفيّةَ، بمعناها المقصودِ في الخطابِ السياسي العربي في عصرِنا، ظاهرةٌ حديثة. ولتبديدِ بعضِ هذا الاستغرابِ، نقولُ إنّ الطوائفَ […]

  • كيف غفر أهل حماة للسوريين؟

    بقلم:ديما ونوس: “أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة.. أهدافنا: وحدة، حرية، اشتراكية.. قائدنا إلى الأبد، الأمين حافظ الأسد.. عهدنا: أن نقضي على الإمبريالية والصهيونية الرجعية وأن نسحق أداتهم المجرمة عصابة […]

  • فصل النهايات: ولادة الأمة المتوحشة

     بقلم:نصري الصايغ الوقت العربي نفد من دون أن نصدق. غلب الإسلام السياسي بأزمانه الدينية، عروبة مدنية، قست على عروبييها فاحتل الفراغ الفكري الأمكنة. «الربيع العربي» الجميل، شوهه الاستعصاء المذهبي، اختطفه […]

  • هل يفلح سلاح الانشقاق؟

    الانشقاق، وبغض النظر عن شخوصه خلفياته، وأسبابه، وموجباته ومن يقف خلفه ويموله ويحمله، هو، في المحصلة والمقام الأول، إحدى وسائل الضغط والقوة الناعمة التي يعول عليها في عملية “إسقاط” النظام […]