الزواج المدني ضرورة

خالد عمران:

لكي يتسم الدين بكونه دين رحمة وتسامح لابد أن يتسم بالقدرة على التغيير ومواكبته لمتطلبات العصر ، ولكي يحقق رسالته الإنسانية التي يدعيها ، لابد أن ينخرط في اي حركة إنسانوية ويدعَمها ويدعِّمها بدعواته وتوظيف مقوماته الروحية في سبيل تحقيق تلك الحركات الإنسانوية !.
طبعاً هذا غير ممكن ، فالدين هو فكر غيبي يحتوي مجموعة من التشريعات والعقائد الثابتة من دون اي مراعاة لزمان او مكان ، ورسالته الإنسانية متلازمتة مع كينونته كدين ، فلكي تكون إنسان عليك أن تدين بهذا الدين ، والحركات الإنسانوية لا تُقبَل إن لم تخرج في سبيل الدعوة إليه ونشره والتبشير به !.
قد يروح البعض إلى خلاصة أنني أتكلم عن الدين الإسلامي ، رغم عدم اشارتي إلى له بالاسم ، ورغم أن ما ذكرته يطال المسيحية واليهودية ، ولكن ولكي لا أجعل البعض تختلط عليه الأمور ، فنعم إنني عندما اتكلم عن الدين بجموده الفكري والعقائدي ، فببالتأكيد لا أتكلم عن المسيحية ، ولا أفكر باليهودية لكون سوريا الإسلامية العروبية قد سحقت شوائب اليهودية في مناطقها ، ولم يعد لدينا يهودي في سوريا إلى تلك المعمرة في حارة اليهود في باب توما ، وستصيبها المنية قريباً ، ولا حاجة لتنويرها !.
ما الذي يجعلني أحيد المسيحية في خطابي ، لعدة عوامل :
المسيحية السورية انخرطت في كل الحركات الوطنية وحتى القومية ، ولم تقبل تحولها لحالة دينية متزمتة لا علاقة لها بالثقافة الوطنية أو الاجتماعية أو أن تكون عائق في وجه المواطنة ، والمسيحية تحمل في مضمونها تراث تنويري ينهل منه أي شخص يسعى لإدخال التنوير إلى دينه ، سواء كان هندوسي او يهودي او بوذي أو مسلم ، والمسيحية قامت بتدعيم ثقافة المواطنة ، عندما حولت خطابها الديني لخطاب اجتماعي ، وقامت بتحويل التعاليم المسيحية بما يتوافق مع الثقافة الاجتماعية في محيطها وليس بما يتناسب مع ميزان الحسنات والفوز بالآخرة ، فاحبو بعضكم لم تحدد او تقيد بالمسيحي ، بل طالت كل مختلف يعيش في البيئة المحيطة ورلدينا العديد من حالات الزواج المسيحي المسلم بسوريا وكانت مبادرة المسيحيين في قبول التشريع الإسلامي التعسفي والموافقة على شرطية الأسلمة الجائرة والمخزية لإمكانية الزواج في كثير من الأحيان ، ولم يقدر الكثير من المسلمين هذه الشجاعة في تحول هدف الحب لشيء أسمى من الهويات المتوارثة الدينية ، بل تعاملوا معها كمكسب في إسلام مشرك ، وزيادة عدد المسلمين واحد آخر ، وأحبو أعدائكم ، لم تقم بوضع معايير العداوة استناداً لمعايير دينية تشريعية سماوية ، بل أكدت أن الجار وشريك المواطنة هو ليس بالعدو وإن لم يكن مسيحي ، بل العدو هو الذي يسعى لقتل المسيحي ولقتل السوري وذهبت إلى حد قتل العربي وتهجيره واستلاب حقوقه ، فهذه المعايير جعلت حتى من بعض المسيحيين هم أعداء بالنسبة للمنظور المسيحي ، وأمرت بحبهم ودعت لذلك وليس من باب الانهزامية أو الاستسلام ، بل ذهبت لأبعد من ذلك في تحويل الحاقد والكاره “العدو” لكونه على سوية فكرية أقل من المسيحية الفكرية ، فبذلك تصبح محبته انتصار ، وترفع عن مبادرة التفرقة التي يقوم بها ، ومبادلتها بشيء نقيض ويلغي وجودها ، فإنما البشر أخوة قد كتبها الشاعر الألماني شيلر ، ولكنها لم تكن مستوردة من عالم غير موجود ، فالمسيح هو بدائية الوعي لكل إنسان فينا ، وهو أيضاً خلفية ومادة خام لكل حركة إنسانوية بشرط أن لا تنزع عنه صفته البشرية ، أي المسيح الإنسان خارج قوقعة الألوهية
وأيضا هناك صفة مميزة للشباب المسيحي في انخراطه في النشاط المدني ، وبل الغالبية هم مسيحيين ، ولا أعرف كيف لا ينتبه أغلب مثقفينا لهذه الميزة ولماذا لا يبحثون في خلفية هؤلاء الشباب وتمكنهم أكثر من غيرهم في مشاركتهم في النشاط المدني وتحقيق المجتمع المدني .
وأخيرا وأهم فكرة في تحييدي للمسيحية ، هو كون أي تنازل أو نقد للمسيحية يتم تناوله من قبل الإسلامويين بكونه عيب في المسيحية ودليل على صحة إسلامهم ، وهذا ما يجعلني أخص الإسلام دائما وبتحيز منقطع النظير !.
إذا متى سيذهب المسلمين بدينهم إلى تحقيق ما يحويه من تراث مقبول نوعا ما في جعله يتصف بالتسامح والمحبة من دون أي معطيات على أرض الواقع لهذه الصفات ، متى سيخرج لدينا مسلمين ويترأسون الخطوط الأمامية في دفاعهم عن الحقوق المدنية وعن حرية الاختيار ، وينخرطون في النشاط المدني المناضل لتشريع الزواج المدني ، هذا الزواج الذي يحاكي الرسالة الإنسانية لكل إنسان أي كانت خلفيته الدينية ، هذه الرسالة التي تقول بأن واجب الحب هو الغاية الأسمى التي لا تقف عند أي شرع او عرف او تقليد ، بل تحطم كل هذا لتحقق امتزاج ثقافي وعرقي من دون مفهوم الغلبة ، وتحيل كل الإجراءات التشريعية والقوانية والسماوية للزواج أن لا تكون أكثر من تضييقات لا تؤثر على جعل الزواج أخلاقي ، بل تصبح أخلاقية الزواج وتحصينه أمر ذاتي يعنى به الرجل والمرأة ، ويصبح مفهوم العائلة هو بيئة صحية للأولاد أكثر من نسب أو دين صحيح لا يعني شيء ولا يؤثر على أهلية الفرد في تحوله لعضو منتج في المجتمع !.
هناك الكثير في خبايا مفهوم الزواج المدني ، ولكنني سأتوقف هنا بعد تلبية دعوة الأستاذ ممدوح بيطار في نشر المقالات التي تتناول الزواج المدني تاركاً المجال للآخرين في تسليط الضوء على هذه الخبايا وما تحويه من مضمون إنساني وأخلاقي حر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *