الإسلاموي هو الكهنوتي، المسلم المتدين الذي يعيش لأجل دينه

الإسلاموي هو الكهنوتي، المسلم المتدين الذي يعيش لأجل دينه

إن الثورة السورية والواقع السوري طرح قضايا كثيرة للنقاش اليوم في الوضع السوري والعالم الإسلامي , حيث ما تعرضت له ثورة الشعب السوري من أسلمة للحراك ثم للفصائل المقاتلة وثم المطالبة بأسلمة للحياة والدولة والبعض استشاط للمطالبة بدولة الخلافة , تتطلب الأمر الخروج عن نطاق المجال السياسي للحالة السورية والعودة للبحث في أصول بعض القضايا : مثل الأخلاق , الدين , السلطة , العدالة , والعقاب !!.

فمما لا شك فيه أن الثورة السورية بشكل خاص و” الربيع العربي ” بشكل عام قد أتم مهمة إسقاط الثقافة الإستبدادية للأنظمة العربية وتعرية الشعوب العربية الإسلامية للانتقال بها لمفاهيم جديدة مثل الحرية الديمقراطية والمواطنة ودولة القانون والثقافة العلمانية بشقيها العِلماني والعَلماني الذي أثبت وبالتجربة أنه أساس كل تطور وتقدم للحضارة البشرية !.
ولكن وبعد اتمام المهمة في الإسقاط والتعرية وضِعنا أمام واقع علينا مواجهته ,إن الواقع الإسلامي مهد كل استبداد في المنطقة , وإن المثقفين السوررين بشكل خاص والعربيين كانوا على اطلاع بهذا الواقع وكان لهم رصيدهم من العمل الجاد على مكافحته والتصدي له ولكن للمهتمين من القراء فقط , وهم نادرين وقليلين جدا في مجتمعنا , لذا يتطلب اليوم وبمحاذاة العمل على استكمال منهجية الثورة السورية وإحداث التغيير العمل أيضا على ترسيخ ثقافة جديدة تمهد لوطن سوري جديد , ولهذا أقدم هذا المقال المتواضع لاستكمال العمل عليه فيما سيقدمه من طروحات ومفاهيم جديدة ستوضع على بساط البحث ومشرحة النقد , ولدينا وكما لامست مجموعة من الكتاب اليوم ولديهم الرغبة الصادقة والمقدرة الفكرية والثقافية والعقلية على التعامل مع هذه المواضيع , وهم كثر لدينا في هذه المجموعة !.
إن من شروط استكمال الثورة السورية بعد قيامها ونتيجة لتوافر مسببات وظروف الثورة … من ظلم واستبداد وديكتاتورية وسلطة طائفية وفقر وعجز اقتصادي أن تقدم اليوم عقد اجتماعي هو كضمانة للشعب السوري الذي اختلطت عليه أوراق اللعبة السياسية والأممية وجعلته منقسم ولكن بأغلبيه ساحقة رافضة للاقتتال رغم تواجده على مدى الخمس سنين .
وإن طروحات العقد الاجتماعي بين طوائف وأعراق ومذاهب وأطياف الشعب السوري تتعرض لكثير من العقبات التي سنتناولها تباعاً .
فأي عقد اجتماعي يتطلب العدالة الاجتماعية والعقاب _حيث أن العقاب ليس في النية الراغبة والهادفة في بث وإثارة الرعب “كالعقوبات الإسلامية الرادعة من سحل وجلد ورجم وتقطيع أيدي وذبح …. الخ” بل هو _العقاب_ الوسيلة لتطبيق هذه العدالة وتأهيل الناس لممارستها بشكل سلوكي واعي لها ولغايتها _ وهذه العدالة تشترط التوازن والتكافؤ والمساواة وبالتالي التساوي بالحقوق بأسرها بين جميع الأفراد أو الطوائف والأعراق والأطياف والمذاهب , حيث أن الثقافة الفردية غير ناضجة في المجتمع السوري وتحتل مكانها الثقافة الجماعية للجماعات , فمفهوم المواطنة من الصعب أن يولد اليوم ضمن العقد الاجتماعي , ولذلك سنفتح الأفاق لمفهوم المواطنة الذي يعنى به المواطن كفرد من دون علاقة تربطه بعائلته أو عشيرته أو طائفته أو دينه أو عرقه !.
وهذا سيطرح موضوع _كنقطة بداية_ أصل الأخلاق , ومن ربط الأخلاق بالدين , وجعلها معطى غير قابل للشك أو التساؤل وذلك بسبب ارتباطها بالمقدس , وأيضاً أداتا قياس الخير والشر , وواختلاف هاتان الأداتان بين جماعات وطوائف الشعب السوري , فما يصر عليه الناس ضمن الجماعة الواحد ويمنعون بقسوة بالغة في تجاوز هذه الحدود عن طريق العادات والتقاليد والعرف بل أيضا عن طريق الرقابة المتبادلة والغيرة على الطائفة والذين يحرصون على العلاقات القائمة فيما بينهم كجماعة أو طائفة والتحكم بالذات و اللباقة والأخلاق والكبرياء … هؤلاء أنفسهم لا يساوون خارج دائرتهم , أي حيث تبتدئ دائرة الغرباء , بأي شيء من حدود الخير والشر , فتنفلت أخلاقهم من عقالها , فهؤلاء يتمتعون كل التمتع بالانعتاق من أي قيد اجتماعي , فهم لا يساوون إلا ما تساويه حاجتهم , وهنا نوضع أمام حقيقة طائفية أي طائفة وضيق اجتماعية أي جماعة أو عشيرة أو قبيلة أو عائلة , فمما لا شك فيه أننا رأينا وبأم أعيننا مسابقة للوصول إلى قمة الانحدار والانحطاط بين الطوائف السورية المتناحرة في سوريا , التي سرقت وسبت واغتصبت وأحرقت وقتلت وأجرمت كتعبير سلوكي ومسلكي عن معتقد بين كل هذه الطوائف على قيم خير ضمن الجماعة وشر تجلى بالسلوك خارج هذه الجماعة , فمن معتقد العلوي بأحقية نهب ممتلكات السني ومن معتقد السني بأحقية قتل وسبي نساء العلوي وكذلك الأمر للشيعي وغيرهم من الطوائف … وبل لا يبتهجون ويجدون راحتهم العميقة ويتذوقوها إلا كلما دمروا وهدّموا وتلذذوا بالشعور بالغلبة والهيمنة والتفظيع ببعضهم وليس للحرب علاقة بهذا السلوك , بل هي فسحة الحرية لمسلكية المعتقد !.
فهل أداتا قياس الخير والشر في مجتمعنا هما عرقلة لتطور المجتمع البشري السوري أم تعزيز لهذا التطوير .؟؟!! . أظن الجميع يوافقني باستحالة الخيار الثاني !.
وللعودة للأخلاق وأخلاقية العادة التي بوصفها أقدم أنواع الأخلاق وأكثرها بدائية , ففي أي رحم ولدت قيم دينية أدت لتشوه الأخلاق _بتعريفها هي كل ما يصب في المنفعة التي تشمل المستقبل_ وفرزها مفاهيم الايمان والكفر والطهر والرجس , التي لا تعود بالنفع لأي مجتمع بشري إلا بفرزه وتقسيمه لزمر وطبقات واقتتاله , وهذا التقييم الأخلاقي لمفاهيم الطهر والرجس أو الكفر والإيمان هو قديم قدم الحياة , وكان من أسباب الشعور العام المسيطر والأساسي والدائم لعرق متفوق غالب مع عرق أدنى, وهو منشأ هذا التضاد, وإن الإنسان المدجن في هذا العصر بمثل هذه الترهات “الآيات والأحاديث” هو المسلم , ورغم مسكنته وعتهه وغبائه وعدم وجود أي دليل على تفوقه كعرق أو كفكر أو كعلم أو أي شيء يبرر إخراجه كخير أمه , أصبح يظن أنه الغاية للوجود البشري ومعنى التاريخ بمثابة الإنسان رفيع القدر , وللأسف يحق له اعتبار ذلك أمام هذا القدر العظيم من انحطاط المرض والكسل الفكري والشيخوخة الذي بدأ ينخر في أوصال الشرق, فهذا النمط من النوع البشري هو عار على البشرية , ويضعون الحضارة موضع شبهة ويقدمون حجة ضد وجودها واستحالتها !.
فما يحاول الإسلام فعله هو ما فعله اليهود قبله , ولكن لم يحققوا هذا التمرد على القيم والأخلاق وقلبها رأس على عقب إلا بعد ألفي عام , ولم يستطع أحد رؤية المشهدية بشكلها الواضح بسبب الامتداد الزمني لهذا الفعل , وأيضا هذا ماغفل عنا على مدى الألف وأربعمائة سنة , فالكهنوتية هي التي تستهدف إلى تحويل الهيمنة السياسية إلى هيمنة روحية , وهذه الثقافة هي التي آلت إلى خلق فجوات وهوات بين البشر , لا يقوى ذوي الفكر الحر على اجتيازها , ففي تقاليد الكهنوتية المنافية للعمل والنشاط , ولدينا اليوم مجموعة من المشايخ هم كالكهنة قديما , يتخيلون علاجاً ساجاً يقوم على كبت الأحلام للإنسان كالصبر الذي هو جبن وبل أحيانا يسمى فضيلة أو أن يكون فريسة التفجر العاطفي الوحشي كالدعوة للجهاد !.
هذه الثقافة الكهنوتية والتنويم الايحائي الذي يقوم به الشيخ والذي يتمثل بالفكرة الثابتة والمثبطة للعقل , الخشوع النهائي , الايمان المطلق , والتي تفهم جيدا في معالجة الشيخ لجميع القضايا , هذا العلاج الجذري هو العدم , اقران الحل بالله , هو السقوط في العدم !.
فهذا الاتحاد مع العدم , يجعلنا نستطيع القول أن الإنسان بدأ يأخذ أرضية هذا الشكل من الوجود الخطر في جوهره , هذا الوجود الروحي…هو ما اعطى النفس البشرية هذا العمق والخبث , وهاتين الصفتين “العمق والخبث” بكل ما تعنيه وفرتا للإنسان تفوقه على سائر العالم الحيواني !.
فما قام به اليهود لا يستطيع القيام به إلا شعب من الكهنة , وهذا ما يقوم به الإسلاميون اليوم , يريدون قلب القيم والأخلاق لجعل المساكين “حيث المسكين هو الإنسان البسيط الطيب الذي يحوي من التضليل ماهو مخدر يجعلنا نعيش الحاضر على حساب المستقبل وبصورة أهدأ وأأمن ولكن بأسلوب أحقر أيضاً وأحط ” هم وحدهم الطيبين … وأما الأقوياء النبلاء والمقاتلين “المفكرين” هم معشر الخبثاء والطغاة والكفرة والجشعين !.
فهذا ماعرف قديما بتمرد العبيد في الأخلاق , وهذا التمرد هو انتقام الكراهية , الكراهية التي تعتبر وليدة العجز , فأكبر الموتورين في التاريخ كانوا كهنة , والشعب الإسلامي اليوم ينتقم لحقده المكبوت المضطهد , كما فعل اليهود الذين اضطهدوا على مر التاريخ , وقلبوا القيم البرجوازية والارستقراطية لصالح الروحانية الغيبية ” الطيب , النبيل الجميل , المحبوب من الله وقاموا بتسعير الكراهية التي لا حدود لها (كراهية العجز ) , فقد كان الارستقراطيون البرجوازيون يفرضون السعادة على أنفسهم , فلا يفصلوها بين العمل والنشاط , فالحيوية عندهم توظف بالضرورة لحساب السعادة , وذلك يتناقض تناقضاً عميقاً مع السعادة كما يتصورها العاجزين الحاقدين , والمقهورين ,و الذين ينؤون تحت عبء مشاعرهم العدائية المسمومة , والذين تظهر السعادة لديهم بمظهر التخدير والخمول والراحة والسلام والامتناع عن العمل واسترخاء الفكر والجسد , اي السعادة باختصارها في صورتها السلبية !!!.
أخلاق الارستقراطيين البراجوازيين تتولد من تأكيد الفخر بالذات لكل ماهو مختلف عنها وأقل منفعة , أما أخلاق العبيد الحاقدة تحتاج دائماً إلى عالم مواجه لها وخارج عنها , ولكي تولد تحتاج لحافز خارجي لكي تفعل فعلتها , وهذا الحافز هو اضطهادها, هذا مافعلته الأنظمة العربية وهذا ماتعرض له اليهود تاريخيا, ولكن كان هذا الاضطهاد دائما من رحم المعتقد اليهودي والإسلامي المسوغ لاستعبادهم , وعندما يصبح الحقد خلاقاً إلى حد توليد القيم يبدأ التمرد !.
ورغم أن دوحة الكراهية اليهودية هي أعمق وأسمى من أي دوحة كراهية في العالم , الخلاقة للمثال الأعلى , والتي تحول القيم وتجعلها منحطة , ومن هذه الكراهية خرج شيء لا يقل عنها ابداعا وأصالة , خرج حب جديد , أعمق وأسمى من جميع أنواع الحب , ولم يكن كنقيض لهذه الكراهية , بل انبثق منها , إنها محبة الأعداء التي لا يتخيل أحد وجودها ,فانظروا مدى التقدير الذي يكنه الإنسان المترفع لعدوه , هذا التقدير كان منذ وجوده الطريق الواضح لمعالم المحبة , وخلافاً لذلك إذا ما تصورنا “العدو” كما يفهمه الإنسان الحقود , لوجدنا فيه صنيعته , شيئاً من خلقه الخاص , فهو تخيل العدو الشرير نقيضاً لمفهوم الطيب , الذي لا يعدو كونه هو بالذات “الطيب الشرير” , ولكن هذه المحبة كانت تحمل في طياتها كراهية أخرى وجدت في الكنيسة فيما بعد, فكان من اليهود أن تخلصوا من أداتهم , واعتبروا المسيح هو الخصم الوهمي الذي يريد تشتيتهم ,فكان منهم أن صلبوه , وأصبحت فكرة الصليب المقدس أمرا مخادعا وفي شدة الغواية والخداع , فهذا التناقض الرهيب المتمثل في إله مصلوب على خشبة , هذا السر الكامن وراء منتهى الفظاظة التي لا يتخيلها خيال , اله يصلب نفسه بنفسه من أجل خلاص البشر ؟؟!! , ولكن يبقى الثابت أن اليهود وبانتقامهم وتحويلهم القيم جمعاء قد انتصروا تحت هذا الشعار على كل مثال آخر , على كل مثال أنبل !.
المهم أن انتصار العبيد , أخلاق العامة , يمكن أن يسمى بتسمم الدم , ولكنه أنجز امتزاج الأعراق , فاليوم كل شيء يتأسلم وخاصة بقانون الزامية اشهار التأسلم تحت العديد من المسميات , الزواج وفرض الأسلمة على الرجل المتزوج لامرأة مسلمة وفرض إسلام المرأة وتحجيبها, أسلم تسلم , أسلم أو تدفع , أسلم ولك الجنة , أي يتحول إلى زقاقي داعر , ولكن ماهمُّ التسميات ؟! , طالما أنه يفلح في تخليص البشر وتحريرهم من نير (الأسياد ) وأعني بالأسياد الأفراد السادة خارج كل سقف عبودي!.
فإن ما تمارسه الأحكام الديمقراطية اليوم في العالم الحديث تتمادى بغيها حد الكره في منع دراسة أصل الأخلاق وتطويرها وخاصة في المواضيع الأكثر موضوعية , أقصد مواضيع العلوم الطبيعية والفيزيولوجية , فمن ذا الذي يضمن لنا أن لا تكون الديمقراطية الحديثة , والفوضوية الأحدث منها , وخاصة النزوع نحو العاميات , الشكل الاجتماعي الأكثر بدائية والعزيز اليوم على قلوب المسلمين , من ذا الذي يضمن أن لا يكون كل هذا في جوهره مفعولا كارثيا من مفاعيل الردة الوراثية , أي النكوص إلى طباع الأسلاف الأولين الهمج , وأن يكون عرق الإنسان المفكر إلى انهيار حتى في الوجود الفيزيولجي , وخاصة مايحدث في اروبا باسم الديمقراطية من تقبل المسلمين , الذي شهد تاريخهم بغياب وتقتيل وإعدام كل شخص مفكر وعالم في غياهب الفكر والعلوم وخارج عدمية العقيدة الدينية !.
وهذا ما سأدعوا إليه في النهاية , أن نكون دائماً متوتري الذهن , ومتحفزين لبلوغ أهداف جديدة وأنبل من أي قيم كراهية , فلدينا الكثير من نماذج الإنسان المميز المفكر والمثقف , إنسان يبرر وجود الإنسان , ويجعلنا نؤمن بالإنسان الإله الأوحد , مسيح كل زمان ومكان , السيد الفخور بذاته ومقدرته , فإن ما يقوم به الدين الإسلامي من تصغير وتسطيح وتقزيم الإنسان وترسيخ عبوديته , هي من أخطر الأخطار التي تحيق بنا وتقود البشرية إلى العدم!.
هذه المشهد بكليته يجعل النفس كلية متعبة ولكن لا يمكن مطالبة القوة “الإنسان المفكر” بأن لا تكون قوة وأن لا تتجلى كقوة كاسحة وأداة اكتساح وإخضاع وتعطش للانتصار على كل فكر كهنوتي, وهذا نفسه ينطبق على عدم إمكانية المطالبة بأن يكون الضعف قوة , أي أن يكون الإسلام واليهودية التلمودية منهج للحياة !.
فالمسلمين يريدون منا أن نراهم أنهم الأقوياء , وأنهم خير أمة أخرجت للناس وشعب الله المختار , وأنهم أسياد العالم , ولكن عليهم أن يلعقوا بصاق هذا العالم , لا خوف , أبداً ليس بدافع الخوف , ولكن لأن الله أمرهم بذلك , أمرهم باحترام جميع السلطات , ليستمروا في كراهيتهم , ويجعلون من هذا الخداع العاجز للنفس أمام جبروت الله , مظهر من مظاهر الفضيلة البراق , هذه العقيدة الدينية التي تتيح للأكثرية من المسحوقين والمستضعفين والمقهورين أن يخدعوا أنفسهم تلك الخديعة الكبرى والعظمى , أن الضعف هو نفسه حرية !!!!!!!.

فالشرير هو طيب الأخلاق الأخرى , أخلاق اللا عبيد , ولكنه أصبح قاتم وظالم بسبب أنه نظر إليه الحقد المسموم وتناوله بالمقلوب .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *