جدلية الالحاد !!

July 19, 2017
By

حسان ديب :

 

جاء في مقال الإلحاد السائد عربياً للأستاذ محسن محمد “يعتقد الملحد العربي أنه بنفيه وجود الله قد تخلص من المفاهيم الغيبية والماورائية واقترب من الواقعية والعلمية. لكن التدقيق في أسس هذا النفي يبين أنه غارق ومنغمس في الغيبيات ومبتعد عن الواقع. فالإلحاد القائم على نفي وجود الله يجعل من الله مشكلته الأساسية، كما هو حال المؤمن، أي أن الملحد والمؤمن ينطلقان من أرضية غيبية واحدة تتمثل في فكرة الله كجوهر مفارق، ولكن الأول ينفيها والثاني يؤكدها. بمعنى آخر، إذا كان الإيمان إقراراً إيجابياً بالإله، فالإلحاد يأخذ الوجه المقابل للعملة، أي، وجه الإقرار السلبي. وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نستخلصه من ماركس في نقده لإلحاد اليسار الهيغلي (الشبيه بالنمط الإلحادي الذي ننقد)، حيث وضح أن هذا الإلحاد هو المرحلة الأخيرة من الربوبية، وبالتالي أعلى درجات الإيمان وفي هذا الخصوص، وضمن السياق نفسه، يكتب مهدي عامل مؤكداً بصيغة لا تدع مجالاً للشك: «ديني الفكر الذي يتحدد الله كمحور لمشكلته الأساسية، سواء أكان إيمانياً أم إلحادياً فهو إذاً ديني، حتى لو قال بالإلحاد، لأنه قائم على تربة الفكر الديني».”
وفي مقدمة كتابه “كارل ماركس مسألة دينية” يضعنا “سربست نبي” وجها لوجه امام عبارة كارل ماركس «الدين افيون الشعوب» كما وردت وفق سياقها كالتالي: “ان الشقاء الديني هو من جهة تعبير عن الشقاء الواقعي ومن جهة اخرى احتجاج على الشقاء الواقعي، فالدين هو تنهيدة الكائن المقهور، قلب العالم العديم القلب كما هو روح الاوضاع العديمة الروح انه افيون الشعوب”.
ولقد تناول العديد من الفلاسفة وقبل ماركس عبارة الدين أفيون الشعوب ، و استعرض ما قاله الفيلسوف باور B. Buare في كتابه (مسألة الحرية الطيبة) اذ يتحدث كيف ان الدين “بالتخدير الشبيه بالأفيون بحافزه المدمر” ويذكر عن تأثيره الشبيه بالأفيون للاهوت على الجنس البشري.
ومنذ خمسين سنة طرحت مجلة Time بأحد عناوينها سؤالاً شهيراً : “هل الله ميتٌ؟” . إذ كانت المجلة تستفسر عن العلاقة التي تربط بين الدين وعصر المعلومات الحديث الذي كان ببدايته.
فالإلحاد هو أن تعرف مدى التطور في علم الطب الدقيق الذي هو مستقبل الطب ،والذي تقوم فكرته على ان الامراض الوراثية يمكن تشخيصها و حتى علاجها وفق تحديد مورثات فردية ، لكن هذه العملية معقدة ومازالت قيد التطوير ، وأن تعرف ايضاً علم المورثات الذي ابتكر فكرة الاستنساخ ، وأن تفهم كيفية عمل المورثات بصورة مختصرة، أن الخلايا البشرية تمتلك مايقارب 25,000 مورث والتي (تُشفر) المخططات البروتينية التي تكون كل الخلايا في اجسامنا، هذه البروتينات هي ليست فقط وحدات بنائية (عضلات ،عظام، دم..) بل هي تشكل اساسيات كل الفعاليات البشرية من حركة و احساس و ادراك وكل الفعاليات الدماغية.
وإن التحدي الاساسي في السبعينات من القرن الماضي كان عزل ودراسة عمل كل مورث، وما وصلنا له اليوم من التطابق الجيني للكثير من الفصائل الحيوانية مع الإنسان يثبت صحة نظرية داروين والتي عليها بنيت الأبحاث الجديدة ، فكل هذا يؤكد زيف قصة آدم وحواء وتنهار الأديان الابراهيمية من دون أي جدل حولها وغير مأسوف عليها ، فمن تأسف على معتقدي مركزية الأرض وتسطيحها ودوران الشمس حولها؟؟
تقول Mandisa Thomas :” نحن الملحدون نملك وصمة عار .. أننا نحب الجدال، مغرورن، وجلّ همنا هو استفزاز المؤمنين” .
فيجب بدأ العمل على تغيير هذه النظرة وتشجيع غير المؤمنين من العروق الأخرى على المشاركة أيضاً ، فما حدث من اختلاط لهذه الأعراق واستكمال هذا الاختلاط الضروري كافي لأن يأخذ العالم مظهر فكري جديد .
ففي الالفية الجديدة هناك شبه يقين أن الأجيال الجديدة ستتقبل الإلحاد ومنذ عمر صغير .
ومع نمو العلمانية في العالم التي تؤمن عيش الملحدين والمؤمنين سوية وبشكل متساوي في الحقوق ، يزداد عدد الأشخاص الذين يعرّفون أنفسهم كـملحدين أو لاأدريين أو لادينيين، أو حتى عند سؤالهم عن الدين قد يجيب بعض الناس أنهم لا يشغلون تفكيرهم بهذه المواضيع .. ليستمر عدد غير المنتسبين إلى دين ما بالازدياد حول العالم.
فليس من السهل أن تقوم بجمع الناس حول “عدم الإيمان بشيء ما”. تقول Stephanie Guttormson :” إن تنظيم الملحدين معاً هو كمحاولة جمع قطيع من القطط” ، ولكن يمكننا التأكيد على ما يقوم به ريتشارد داوكنز ولورانس كراوس من أن يجعلا من “الإلحاد” أمراً عادياً .. حتى لا يعود الملحدون بحاجة مجموعة سرية لتقول لهم أنه (لا بأس ألا يؤمنوا)، أو تدافع عن أخلاقياتهم في وجه صانعي قوانين الديانات.

Tags: , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • مقاوم وممانع بالثرثرة

    بقلم: عبدو قطريب تعددت هجمات إسرائيل على سوريا دون رد فعل مماثـل من قبل نظام الرئيس بشار الأسد،  وحقيقة ألف شكر لسيادته على  الاكتفاء   بالثرثرة  كرد على اسرائيل ,  […]

  • الثورة السورية:سنة رابعة !

    بقلم:حازم صاغية إذا حاولنا أن نتذكّر العناوين الأعرض للتاريخ السوريّ الحديث، أي التالي على استقلال 1946، فما الذي نتذكّره؟ تحضر في المقدّمة الانقلابات العسكريّة، من حسني الزعيم في 1949 إلى […]

  • من مزرعة سياسية لعائلة القذافي إلى جمهورية دستورية

    قيام الجمهورية الاولى في ليبيا الجديدة… يرى المحلل السياسي المعروف خالد الحروب في تعليقه التالي على أول انتخابات حرة وديمقراطية في ليبيا أنه ليس مهما من سيفوز بأغلبية مقاعد الجمعية […]

  • ليست قصة علم .. إنه هم طائفة وحصة الأسد ولو مات

    علي عيد: ما معنى أن تكون معارضاً وأن تغرف من نبع الثورة لتقف على المنابر وتتفاوض كأي رجل يفترض أن يدخل في تاريخ البلاد. هنا لا يتعلق الأمر برأي شخصي […]

  • مالم يقوله الرئيس في خطابه تقوله الشبيحة

    خطاب الرئيس الأخير دام أكثر من ساعة , وهو بذلك يعتبر قصيرا جدا مقارنة بالخطب الأخرى , الا أنه طويل جدا مقارنة بخطب رؤساء الجمهوريات مثل ديغول  وكينيدي وغيرهم ,  […]