العروبة ..مالها وما عليها !

July 27, 2017
By

 سمير صادق  نبيهة حنا :

*هل ماتت العروبة ؟ (١)
نسأل العروبة أن تسمح لنا بنظرة تأملية ,نظرة نقد وجرد؟؟ ,دون ان نتعرض للجلد او نؤول الى سجون الموت او نعلق على حبال المشانق ,نظرة تأملية حسنة النية , الشعب كممثل للتاريخ يحلل ويحاكم ثم يحكم ,العروبة!! مالها وما عليها!.
حتى ولو ان العروبة اندثرت ,او انها من الاندثار قاب قوسين او ادنى ,وحتى انه لايجوز على الفقيد الا الرحمة,احب القول ان هذا الاندثار لم يكن مفاجئا كاندثار ميسينا,وانما كان بطيئا مؤلما وباوجاع كموت الجياع,واذا كان لكل داء دواء ,فالعروبة اعيت من يداويها.. المرحومة كانت نقمة اكثر من كونها نعمة.
العروبة بأشكالها المختلفة ..ان كانت سياسية او ثقافية او اقتصادية لاتستطيع ان تشكو من سوء استقبال الشعوب لها ,او من سلبية هذه الشعوب بالتعامل معها ,الشعوب التي انتظرت من العروبة الفرج استقبلتها بالهزيج والفرج ,واعطتها فرصا لاحصر لها ,الشعوب كانت صبورة وغيورة….
اما لماذا تحولت العروبة من نعمة الى نقمة؟ هنا يجب تحليل معطيات الماضي ومقارنتها مع متطلبات الحاضر والمستقبل!
الماضي يظهر لنا وبسهولة,ان العروبة اتت من الجزيرة العربية ,حيث تطغو القبيلة والقبلية ..حيث النظم الخاصة بالقبيلة ,وحيث نجاح هذه النظم في تسيير امور القبيلة, والعروبة المزودة بالحضارة القبلية لم تستطع ان تطور هذا النظام الى نظام مدني ,يمارس الحضارة الحديثة ..يحترم استقلالية الفرد وسلطة المجتمع على الفرد ثم التعددية,حركات عديدة بدأت بالمنطق السليم وبالنوايا الحسنة ,وانتهت بالممارسة العوجاء والعرجاء,حيث اصبح الحزب السياسي دين او عشيرة او طائفة,وحيث خضع المجتمع للفرد الذي مارس الولاية حتى الموت ,فترات حكم مذهلة تقاس بالعقود وليس بالسنين ..وكأن نساء بلاد النيل او صحراء ليبيا او تونس الخضراء أو سوريا الحضارة قد اصيبوا بالعقم بعد ان انجبوا المبارك او القذافي او زين العابدين أوالأسد أوصدام ,ولو اطال الله عمر هؤلاء لأكثر من مئة عام لكان علينا قياس فترة ولايتهم المجيدة بالقرون..شيء لايصدق ..الرؤساء تحولوا الى ملوك وزعماء قبائل ,وهم ..هم ذاتهم من روج لفظيا للتقدم والنهضة والحرية والديموقراطية ,عمليا تقلص عمر الوطن ليساوي عمر الحاكم مضافا اليه لربما عمر اولاده , الرسالة لتي وجهها تقريبا كل رئيس عربي حمل لواء العروبة الى قطيعه ….حذار من زوالي ! اذ بعدي سيأتي الخراب !
ليس من الغريب ان تخطئ العروبة والعروبيون ,ولكن من العجيب ان لايتعلم هؤلاء من اخطائها ومن خبراتهم الفاشلة,هاهي العروبة السياسية تطبل وتزمر من اجل الوحدة السياسية والاقتصادية والانسانية العربية,العروبة مارست ذلك يشكل يؤسف عليه ..اعتباطي غوغائي محكوم عليه بالموت قبل ولادته ..والامثلة على ذلك كثيرة ..ان كان اندماج اليمن السعيد مع مصر او مشروع وحدة العراق مع الاردن او الاندماجات التي بشر بها القذافي ..وحتى الوحدة بين سوريا ومصر التي دامت عددا قليلا من السنين, لاشيئ يستطيع تبرئة العروبة والعروبيين من تهمة التهور والاعتباطية التي قادت الى الفشل,الذي قضى وبشكل جذري على الكثير من الاحلام والآمال, من أهمها فكرة الوحدة العربية بالذات ,كل ذلك والشعب الصبور لم يكف لحظة عن اعطاء العروبة والعروبيين الفرصة تلو الاخرى ..شجعها ..دفعها الى الامام كفر من كفر بها ..قاوم من اراد مقاومتها ..والعروبة المسكينة لم تفلح الا في شيئ واحد ,وهو زيادة الانشقاق والتشرذم والتشتت والضعف .

كيف ماتت العروبة ؟ (٢)
ام كيف حدث ذلك !فالجواب صعب بعض الشيئ !,قد تستطيع بعض الافكار ازالة الحجاب عن بعض الاسرار,والسر هو ان العروبة التي اتت من الجزيرة العربية بحلة القبلية ,لم تستطع خلع هذه الحلة ,وارتداء لباسا مدنيا ..اتت بالسروال وبالشيطان الذي تخفى تحته والعباءة والذقن والشوارب ..الخ وبقيت كذلك ,وهذه هي المشكلة التي لاحل لها ,الوحدة او الاتحاد يتطلب حلة مدنية متوجهة الى آفاق تقدمية سياسية وعلمية ضرورية لبناء الدولة الحديثة ,المنهجية القبلية تستطيع تنظيم امور القبيلة ,ولكنها لاتستطيع تنظيم امور دولة كبيرة ومعقدة ومتواجدة في طور النشوء,تباين الوسيلة مع الهدف هو سبب الفشل ,ومن يريد بناء قلعة الصمود والتحدي والتقدم ,لايقوم بذلك بالمعول والرفش ..الامر يستلزم آليات ثقيلة .. خطة وفكرة ومفكرين وبنائين . الامر لايتم بمظاهرات التأييد والمسيرات المسيرة ..كل ذلك اختصره عبد الناصر والقذافي بساعات عمل قليلة ..بين ليلة وضحاها اعلنت الوحدة ! كيف ولماذا ومتى والى اين ؟ اسئلة سامة من المتآمرين والخونة اعداء الشعب!! ..ماقاله الريس هو الصواب ,وما على الشعب الا ان يرقص ويطبل ويزمر لتصرفات سياسية ارتكاسية ضبابية..
العروبة الخاوية والخالية من المضمون الحضاري الجدي استعملت وسائل ثعلبية في تبرير فشلها المزمن والمتكرر,لقد مارست وبشكل ادماني القاء اللوم على الآخرين ..انها الموآمرات والمخططات المنكرة التي حاكها الاستعمار الغاشم ..الخونة والمندسين والعملاء والصهيونية الشرسة التي هي سبب الداء والبلاء ..انها الرأسملية الجشعة او الاشتركية المادية او الشيوعية الكافرة ..انها العلمانية او الحرية الانفلاتية ..او الحرية التي لاتستحقها الشعوب المسحوقة..هذه العروبة لم تسمح يوما ما ولو للحظة بوقفة تأملية ووجدانية يطرح بها السؤال التالي :هل الضعف الذاتي هو سبب الفشل؟؟..من لايسأل وبالتالي لايعرف موطن الداء ,لايستطيع تقديم الدواء!!

العروبة وطرق الانقاذ ! (٣)
العروبة الخاوية حضاريا والمصابة بالعنانة الفكرية حاولت ايجاد ركيزة للاتكاء عليها ,وفجأة تحولت الى المواربة الدينية
مقلدة من اعتمر العمامة حاملا بيد سيفا وباليد الاخرى الرسالة ,ناشرا الدين بالعنف والفتوحات البدائية , التي كانت بالرغم من بدائيتها ناجحة في الوصول الى اهدافها وفي نشر الاسلام,رسالة هؤلاء كانت دينية وقد كتب لها النجاح ,ولم تكن قومية ,لذا فان تقليدها لتحقيق اهداف قومية مصيره الفشل,اذ ان الوسائل لنشر الدين هي غير الوسائل الضرورية لتكوين الدولة القومية.القوية ممارسة التقليد ادت الى خلط الدين مع السياسة , وهذا الخليط افرز مايسمى الاسلام السياسي ,الذي لايعرف بوضوح ماذا يريد ,ولم يستطع ولو جزئيا التوصل الى مااراد .
التفكير الديني الذي تقمص جزئيا في العروبة ,جلب معه اشكالا عدة من الثقافات , من اهمها الخلافات والاقتتالات على الخلافة ,هذه العقلية التي لم تهدف الى اكثر من الحيازة على السلطة ,والتي مثلت حقيقة حياة الخلفاء ومطالبهم ,طغت على الفكر العروبي وعلى مسلكية العروبيين .هنا يجب القول ان هذا الامر ليس من خصوصيات وادبيات الخلافة الاسلامية فقط ,وانما من خصوصيات كل الاديان والمسيحية منها ,التي انتهجت في اوروبا نفس المنهج الاقتتالي ,في اوروبا انتصرت في النهاية القوميات نصرا ساحقا, ولم تمارس هذه القوميات الخليط الذي سبق ذكره, وهذا هو سر نجاحها الذي لانستطيع تجاهله مهما تعصبنا او عصبنا اعيننا.
بعد جهد ملحوظ ,بدأت العروبة بالبحث عن وسادة اخرى للاتكاء عليها ,ثم وجدت الاشتراكية التي مزقتها واستهلكتها بلمحة بصر, العروبة خلطت الاشتراكية بالدين ,وهذا الخليط افرز الكثير من النفايات ,التي منها الناصرية والقذافية والصدامية ,اذ ان صدام الاشتراكي احتضن بين ليلة وضحاها القرآن وغير العلم الجمهوري الذي بشر بأن الله هو الاكبر ,داعيا المسلمين الى مؤتمر عاجل قبل الغزو الامريكي وذلك لانقاذ القوم العراقي وثورته الاشتراكية المجيدة.اشتراكية الله الغريبة والعجيبة ..خليط عبيط ..كيف له ان يقود الحياة والشعب الى شاطئ الأمان والرخاء والتقدم.
للعروبة السياسية التي ادمنت على وسيلة القاء اللوم على الآخرين ,والتي فشلت في انتاج خليط مثمر منتج بين الدين مع السياسة ومع الاشتراكية(البعض اطلق عليها اسم الاشتراكية العربية) ,رديف آخر هو العروبة الثقافية ,والتي كان لها حظا اوفر للنجاح,اذ ان وسادة الثقافة لم تكن ضحلة ,لقد كان هناك العديد من الفطاحل..ان كان المتنبي او ابو العلاء المعري او ابن خلدون او الكواكبي او ابن رشد وغيرهم ,الا ان العروبة الثقافية اصيبت بمرض الهلع والفزع من كل صوت نقدي للتاريخ وسبل وسائل الحياة ,العروبة نقلت وحدانية وقدسية الدين الى الثقافة ,الله واحد والثقافة واحدة متمركزة في رأس الحاكم الظالم ,وكل تحريف او محاولة تطوير او تغير كان مصيره التفشيل ومصير مروجه جهنم الدنيا ,لقد انقرضت الثقافة وبترت ,وما بقي منها تافه وناقص , ولم يعط الشعوب على مدى القرون العشرة الاخيرة العدد الكافي من الافكار والمفكرين من امثال ابن رشد ,ومعظم ماولد من افكار ومفكرين اعتمد على النقل خاصة من الماضي ومن ثقافات اخرى,واذا كان ناقل الكفر ليس كافر ,فان ناقل العلم ايضا ليس عالم .
مرض العروبة كان كامننا في خواها وفراغها من المضامين الضرورية للحياة ,لم تنجح سياسيا, ولم تنجح ثقافيا ,وما نراه اليوم من تأخر لم يأت من العدم ..انها العروبة رحمها الله!!!!

  • حسين بيكار

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • ثورة بكر بغشاء بكارة, هكذا يريدها البعض !

    الآنسة “ثورة” لاتزال  تحتفظ بغشاء البكارة , لذا فالزواج  منها على سنة الله ورسوله  حلال , والبعض يرفض  التزاوج مع الثورة السورية  , لأنها كما يقول فراس السواح ثورة “مخترقة”  […]

  • فقاعة رياض حجاب

    هناك أسلحة وأدوات وألاعيب إعلامية ونفسية ولوجستية عملياتية كثيرة مستخدمة ضد سوريا، لإسقاط نظامها “بالعافية”، كما يقول المصريون، وبـ”المنيحة أو بالعاطلة” كما يقول المثل العامي، وبالحلال والحرام كما يردد البعض، […]

  • السنة مذهب اسلامي يعتقد ان صحابة محمد بن عبدالله مهما فعلوا فهم عدول حتى لو تقاتلوا بينهم وسحل بعضهم بعضا كما سُحل الصحابي الجليل عثمان بن عفان على يد جمع […]

  • ملاحظات حول القبيسيات!

     سمير صادق: نحن الأن في مرحلة من الانحطاط التاريخي , الذي ينعكس على كافة مجالات الحياة , ان كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ..مرحلة الديكتاتوريات الكهلة المرهقة , وبدلية […]

  • ماذا لوكانت سوريا ديموقراطية؟

    جورج بنا: يتوجب علينا ,وقد وقعت سوريا في مطب الخراب والاندثار, طرح  العديد من الأسئلة  التي قد تكون  نسبيا مفيدة  وقد تكون  عديمة الجدوى  , وعن عدم الجدوى هناك اسئلة […]