شظايا فلسفية ..!

فادي أبو ديب
حول العقل والعقلانية

 Bildergebnis für ‫تجفف العقل  كاريكاتير‬‎جزء كبير من مشاكلنا بخصوص بعض تفاصيل حياتنا اليومية وموقفنا من العالم أننا دائماً نفكّر بمصطلحات عصور مضت: نحتاج إلى العقل- نحتاج إلى الحرية بالمعنى الفلاني- نحتاج إلى تعليم من نمط كذا…إلخ وغالباً ما تكون هذه المفاهيم تصوّرات تنويرية أوروبية من نتاج القرن السابع عشر أو الثامن عشر أو حتى العشرين، ومعظم هذه المفاهيم مفاهيم أكل عليها الدّهر وشرب ولم تعد تفي بمتطلّبات حياتنا ولن تحلّ مشاكلنا. البعض ما زال يردّد عبارات من قبيل أن العقل هو الشرع الأعلى.
ومع أهمية العقل فإنّ هذه العبارة وشبيهاتها نكوص نحو ديكارتية عقلانية من جهة ونحو مادّية حسية (عادة ما يكون هذا هو القصد من استخدام مفردة العقل شعبياً) مضى عليها زمن وتحطّمت تحت أمواج الاانتقادات من جهة وتحت مجهر الواقع من جهة أخرى. أين أوصلنا تمجيد العقل؟ إلى التكنولوجيا؟ ولكن لم يكن القصد من المذهب العقلاني ما وصلنا إليه الآن! أبداً! التحديات التي نواجهها اليوم تصل إلى مرتبة إمكانية الانقراض الحقيقي.
والوسائل التدميرية التي نملكها ونستخدمها ستبدو فلكية بالنسبة لديكارت أو فولتير أو روسو، لا بل أنّ الكثير من تصوراتهم للعالم والجنس البشري ستبدو ساذجة وطفولية أمام ما نواجهه اليوم وما أثبتته الأحداث العالمية.
التنوير الأوروبي قام على قناعة راسخة بصلاح الإنسان. الآن لم يعد الكاثوليك فقط هم من يؤمنون بفساد الإنسان، بل الوجوديون والعدميون وجزء كبير من التشكيكيين والوضعيين وغيرهم.
صار هذا الاعتقاد قناعة شبه منتشرة ولم يكذّبها علم النفس ولا علم الاجتماع ولا دراسة الميثولوجيا والتاريخ التي نشأ بعضها متأخراً عن بدايات التنوير المتفائلة.
ما هي سلطة العقل في عصر الميديا والتكنولوجيا؟
ما هي سلطة العقل أمام عالم يمكن لكل شخص فيه أن يكون صحفياً ومخرجاً ومصوّراً وكاتب سيناريو ومذيعاً…إلخ؟
ما هي سلطة العقل في عصر تحطيم الهرميات، أو بالأحرى قلبها الممنهج رأساً على عقب؟
ما هي سلطة العقل في غياب الفلسفة والميتافيزيقا والاعتقاد بهما؟
أكرّر “والاعتقاد بهما” من قبل دارسيهما؟ ما هي سلطة العقل في عصر اللاسلطة، أو في عصر سلطة مَن لم تكن هناك شرعية لسلطته وفي عصر سحب السلطة من الأب والأم والمعلّم، وفي عصر عدم الاعتقاد أصلاً بوجود منوِّرين ذوي سلطة عقلية وروحية؟
هل يجب أن ننتقل إلى فكرة منح الأولوية لشيء مختلف عن الفكروية الصارمة؟
هل يجب أن نبدأ بإدراك فشل تخلّي مكتسبات العقل والعقلانية عنا (فكرة الدولة، فكرة المؤسسات التعليمية) بعد تحولها النهائي إلى منظمات إقطاعية؟ ما البديل؟
يجب أن نفكر، لأن إصلاح هذه غير ممكن؛ فهي تنتمي إلى عصر مضى من حيث فكرة النشوء وأسبابه وأهدافه.
***
ولكن هل انتقاد النزعة العقلانية يعني التخلّي عنها؟ وهل  الاعتراف بفشلها أو عدم كفايتها مبرّرٌ لتنحيتها جانباً.
مكتسبات العقلانية لا يمكن التخلّي منها. كتابة نصّ بطريقة منتظمة تفترض مبدأ عقلانياص ناظماص وتصوّراًمعيّناً حول اللغة والقارئ- كأبسط تعبير عن الأمر.
تقوم العقلانية في شكلها الديكارتي على فصل صارم بين الذات والموضوع فأنا المُدرِك منفصل عن الشيء المدرَك أمامي، ومن خلال العقل (التفكير المنطقي المتسلسل) أصل إلى نتائج معينة حول هذا الشيء.
ومن ناحية أخرى تتوافق العقلانية مع المبدأ التجريبي: الحدث يحصل عدداً من المرات ويؤدي إلى نتائج معيّنة فأصل إلى استنتاج معيّن لا يمكن أن اتجاوزه.
ومن ناحية أخرى تحيّزاتي الشخصية لا علاقة لها بالمراقبة ولا بالنتيجة. هذا ما تصرّح به العقلانية.
من النتائج على سبيل المثال لهذا المبدأ العقلاني الأهمّ: النصّ يتألّف من كلمات، وكل كلمة لها معنى. قراءة النصّ بعد معرفة الكلمات وسياقها ينبغي أن يوصل جميع من يقرأ إلى معنى معيّن.
فالنصّ، وهو الموضوع، منفصل عن الذات، التي هي القارئ. مهما كانت حالة القارئ وخلفيته فيجب أن لا يتأثر الموضوع بها، كما أنّ الجهة التي تظهر منها الشمس صباحاً لا علاقة لها بموقفي منها!
ومن نافل القول أنّ علم التأويل الحديث قد نسف ههذ القناعة بخصوص اللغة، ولا داعي للخوض في هذا الأمر لأنّه بيّن لمن لديه أدنى اطّلاع على التأويل ونظرياته.
الدعوة لتجاوز العقلانية يعني الاحتفاظ بمكتسباتها مع فتح الإمكانية للحدس؛ فأنا أحدس، بناءً على قراءة عقلانية للعلوم والتاريخ مثلاً، أنّ قانون الطبيعة/ التاريخ يفترض أن يقوم الإنسان بالاعتناء بإنتاج طعامه بنفسه. التاريخ يقول لي أنّ الناس عندما ينصرفون إلى الاستهلاك من دون انضباط فإنّ نتائج سيئة تحصل، مثلاً في عام كذا وكذا وكذا. العقل لا يقول أنّ هذا قانون، ولكنه يقول إنّ هذا حدثٌ حصل للسبب الفلاني والفلاني. الحدس يخبرني أنّ هذا قانون سيتكرّر. تنبّؤ التكرار غير المرتكز على قراءة علمية رقمية (كالتنبّؤ بحالة الطقس) ليس أمراً يرتكز على العقلانية المحضة بل على الحدس. الحدس قد يقوم هنا على ربطٍ لاواعٍ بين هذه القراءة التاريخية وقراءة لتفاصيل شخصية، وقد تؤدّي إلى استنتاجات معيّنة لا يقرّها العقل. العقلانية ترغب في اليقين الذي يمكن إظهاره للآخرين inter-subjective، أما الحدس فلا يعنيه بالدرجة الأولى الإثبات للآخرين، لأنه خالٍ من الدافع السُّلطوي سواء على نطاق ضيّق (فرض رأي على شخص آخر) أو واسع (إثبات علمي أو فرض رأي سياسي.
***
يمكننا أن نبيّن حقيقة أننا نتجاوز العقل المحض يومياً وبشكل بديهي؛ فعلى سبيل المثال، إحدى أشهر عمليات المنطق هي تلك الملخّصة في العملية التالية:
مقدمة عامة: كل إنسانٍ/ رجل فانٍ
مقدمة خاصّة: سقراط إنسان/ رجل
استنتاج منطقي (المنطق مرادف للعقلانية هنا): سقراط فانٍ ضمن الاستنتاج السابق أمر يتجاوز العقل المحض، وهو: هل تستطيع أن تثبت بالعقل أنّ “كلّ” إنسانٍ فانٍ؟
هل زرت كل جزر العالم القديم والحديث لتعرف إن كان الموت قانوناً كونياً؟
وحتى لو زرتها لربّما كان الموت ظاهرة خاصة بجيل زمانك!
كيف عرفت أن الموت قانون كوني يا ابن العشرين ربيعاً.
هل أخبرك بذلك أبوك الذي لم يعش أكثر من خمسين عاماً ولم يرَ إلا البشر في نطاق محدود؟
هل أخبرك بذلك كتاب مقدّس أم حكمة الأجداد؟
هل هو أمر متعارف عليه بناءً على حدس أو معرفة سابقة محفورة في الكيان الإنساني؟ كيف عرفت أنّ سقراط إنسان/ رجل؟
هل فحصته بيولوجياً وتأكدت أنه ليس امرأة؟
هل بنيت تصنيفك للرجول والنّسوية على مبدأ عقلانيّ؟
كيف تعرف أنّ سقراط ليس إلهاً في مجتمع يوناني يقرّ بتجسّد الآلهة؟ هل تعرف ما هو الفرق بين الإنسان والإله؟
من الواضح أنّ القائل لا يفكّر بكلّ هذه الأسئلة “المتفذلكة” والسفسطائية، ومع ذلك يجرؤ على التصريح بأنّ كل إنسانٍ فانٍ وأنّ سقراط إنسان أو رجل. اللغة في حد ذاتها لا تتركّب “عقلانياً” بل حدسياً.
نحن نمارس نوعاً من المستيكية في كل مرة نبدأ بحوار أو نكتب نصّاً، ونحن واثقون أنّ “شيئاً” ولو كان “النزر اليسير” على الأقل من المعنى سيصل مع أننا لا نعرف القاموس اللغوي الذي يستعمله الآخر في فكّ شيفرة النصّ. تجاوز العقل إذن لا يعني نبذ كلّ منهجية العقلانية، ولكنه نبذ لأهم بنودها وهي فصل الذات القارئة عن الموضوع المقروء، سواء كان هذا في عملية قراءة لنص أو عملية قراءة لمفهوم تاريخي أو أحداث زمنية.
نحن نمارس الحدس (اللاعقلنة) حين نتحدث وحين ندرك الكثير من الوقائع. وإذا كان هذا صحيحاً في إدراكنا البديهيّ لبعض الحقائق، فلا ريب أنّه يمكن أن يكون صحيحاً في فهمنا للعديد من الحقائق الأعلى والأكبر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *