جدلية الوطنية والظروف المعاشية

ممدوح بيطار:

عمليا  يجب أن تكون “الوطنية” حالة معاشة مصلحيا , أي  أنه على  ممارسة المواطنية والوطنية  أن  تقدم لمن لهم علاقة معها … الأرض  والانسان , ايجابيات  تؤمن لهم  تحقيق “مصلحتهم ” التي تتمثل بالتقدم والازدهار والحياة الحرة الكريمة,فمصلحة الوطن  هي جمع لمصالح الأفراد , تحول المواطنية الى  حالة احتفالية  اعلامية  هو بمثابة تفريغها من مضامينها  التي هي تحقيق ماذكر وأكثر,مانراه اليوم في بلادنا لايتصف بتقدم الايجابيات  وانما السلبيات الصرفة  , لقد أصبحنا معيارا   وسجلنا  رقما قياسيا  في  ممارسة افناء الذات , في بلادنا  لاتتكاثر الا القبور  ولا يعلو صوت على صوت  التحطيم  والتخريب والتكسير  , جوعنا يزداد فتكا  وهجرتنا  تزداد تغريبا , بكلمة مختصرة  لا يحسدنا  أحد على مانحن به  . كيف حدث ذلك ؟

جانب  الحقيقة من ادعى  على  أن البلاء سقط من السماء , خان المنطق  من ظن  على  أن جحود الآخرين  دمرنا , ولو صح ذلك  لأصبح  القول بأننا لم نقتدر على الدفاع عن  أنفسنا منطقيا ,ولا جدوى من التعمق في  البحث  عن  أسباب لشقائنا خارج  ذاتنا  , توجد مقولات   عديدة وفرضيات  تافهة  وتكهنات مريبة  ..كل ذلك هو  نوع ممارسة الاتكالية  والقاء المسؤولية على  ظرف أو منظومة خارجية .فليكن عندنا مايكفي من الشجاعة الأدبية والموضوعية   التي  تسمح لنا بالمصارحة والاعتراف بالخطأ  , ليس بقصد جلد الذات , وانما  بقصد  التعرف على نقطة الانطلاق ..من أي مستوى  ومن أي وضع  علينا أن ننطلق  ,  دون أن نقفز على المراحل  بعيون مغلقة  وعقل حالم ..يجب  أن نسير المراحل   بجد وثبات ونشاط ,لكن بسرعة لكي نلحق يوما ما  بالركب الذي  سبقنا .

لكي  نتعرف على الصحيح يجب  تشخيص الخاطئ , ومن  الأخطاء  التي  اعتبرها كبيرة هو  عدم اعترافنا  الوجداني والعقلي والعملي  بسوريا وطننا  نهائيا للسوريين ,  احتقرنا الوطن من حيث لاندري ..   البعثي سماه “قطر”, وبالتالي ليس دولة , وانما حالة مرحلية حتى الوصول الى الدولة العربية من المحيط الى الخليج , السوري القومي  ايضا لم يتعامل مع سوريا والسوريين كدولة  وانما  صرف جهوده  كلها على  احياء ما مات  من دولته الافتراضية    , انها الشام  ونجمتها قبرص,  وجهودنا يجب  أن تتوجه الى تحقيق ماقاله سعادة من ان سوريا للسوريين  والسوريون امة تامة كاملة  ,وعن الكمال تحدث  البعث  أيضا  ..امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة , أما الاخوان  فقد كانت دائرة بحثهم  عن  نهاية المطاف  أوسع ..فسوريا ليست الا جزءا من  الدولة الاسلامية  التي لا أعرف لها حدودا , وشعب هذه الدولة هو الأمة الاسلامية  , ولا يعرف مخلوق في هذه البلاد ماهو القصد  بالأمة  الاسلامية ..ان كانت تشمل الصين وأمريكا وروسيا  !, مختصر الكلام   لم  يكن عند الانسان السوري ذلك الوعي  بأن  وطنه  النهائي سوريا , وقد ساهم كثيرون في تعميق مرحلية الحالة السورية .

هذا الوضع النفسي  كان ضارا جدا , اذ  استهلكت الجهود لتحقيق مالايمكن تحقيقة  ,وبالتالي لم يبق  لما يمكن تحقيقه مايكفي  من الطاقة ..اهملنا الداخل  ولم نحقق شيئا  في الخارج ,فنجمة قبرص  لم تتألق هلاليا  , وفلسطين لم تعود سوريا ,  والامة العربية الخالدة لم تفرز  دولة عربيا , واسلام  الاخوان الضبابي  لم  يتطور الا همجيا , ؟؟ ازدياد قتال  واقتتال الاسلاميين تناسب طردا مع تشقق وتبعثر الامة الاسلامية الافتراضية وازداد بعد  مروجوعا عن تحقيق  أحلامهم   …, الأمثلة عن  “اضطراب” الوعي الوطني   السوري  وانشغاله  بالعبثية  وفقدان الجدوى  كثيرة جدا  وما اوردته كان على سبيل الذكر وليس الحصر  , نتيجة لذلك لاعجب من أن  نتحول الى ماتحولنا اليه !

أخفقت الوطنية  في تعريف نفسها كركيزة للدولة  , الوطن تمدد وكان على الوطنية  أن تتمدد أيضا الى حدود افتراضية ..وطننا ليس ضمن الحدود السورية ,وصل الى  اريتيريا بعثيا والى  قبرص سوريا قوميا والى  اندونيسيا والتيبت  اخونجيا ,النتيجة  كانت فشل كل هذه التصورات , ومن يفشل عمليا  يعاوض  شكليا ونظريا  بشكل يوهمه  بأنه حقق كل أهدافه , وهكذا  ولدت ممارسة  التزوير, يرقصون  الدبكة   ابتهاجا  بما هو غير موجود .. المصفق  يصفق  لحركة الفم  دون النطق بشيئ  ,  المسيرات  وما  أدراكم ماهي المسيرات ! ,  سائرة  وعين الله ترعاها ..وأعتذر سلفا عن ادعائي  بأن معظم   المسيرون  لايدركون  أو يستوعبون   أسباب  اغلاق المدارس  من  أجل المسيرة ..ممارسة المواطنة تحولت الى  احتفالية فولوكلورية ,  المواطن الجيد  هو الدبيك  وليس العامل النشيط  والموظف الأمين والتاجر الصادق  ,وكلما ازداد البعد عن  تحقيق الحلم  ازداد التطرف في السعي لتحقيق ذلك الحلم  , لم ندرك حتى البسيط من الأمور  منها مثلا  موضوع العلاقة بين الفكرة والانسان , الفكرة هي لخدمة الانسان  وليس العكس , فكرة سعادة  عن تتام  وتكمال الأمة السورية جيدة , وما  هي قيمة جودة الفكرة  اذا  كان تحقيقها  مستحيل , من الواجب  على الانسان وضع امكانياته في المكان المنتج  ولا تجوز بعزقة الجهود في أمر عبثي  ولا يجوز  الاصرار  العدمي  على  تحقيق  فكرة لايمكن تحقيقها .

لاضطراب الوعي  الوطني السوري  اسباب  اضافية  أخرى  , سأذكر بعضها دون التفصيل  الممل بالنسبة للبعض ,  لا اريد التشكيك بالأهداف , وجودة الهدف  تتعلق  بامكانية الوصول اليه  , لايجوز للهدف أن يكون طوباويا  حلميا , عليه أن يكون واقعيا  , وعلى من يريد التوصل الى  أهدافعه أن يكون قويا  منيعا  وغنيا ماديا وفكريا , ومصد القوة الأساسي في هذا العصر  هو الاستنارة العلمانية  المؤطرة لمنهجية  العقلانية  ومنظومة القيمية والأخلاقية  في المجتمع ..انظروا  الى المجتمع  فستلمسون  ازدياد الأمية  وانحطاط الخلقية وانقلاب القيمية عن الكثير  من أفرد الشعب , وكل ذلك لم يسقط من السماء وانما أفرزته منظومات صنعناها بأيدينا  ….الفساد !!

انقذت منظومة  العلمانية  العديد من الشعوب  وقادت الى الرخاء والاستقرار عند  عدد كبير من المجتمعات , وذلك لما  تملكه العلمانية من مقدرة  استنارية ,  عندنا ولدت العلمانية معاقة  بأثقال الماضي , حيث لم يتم تفكيك  هذا الماضي والطلاق منه  بالثلاثة  , أقيم  حفل زواج بين  العلمانية التحديثية  وبين التراثية  المذهبية والعشائرية العائلية  بقضها وقضيضها  , كانت الزيجة عقيمة, وتمكنت التراثية لأسباب عدة من التمكن  من بدايات  علمانية واعدة , تم اجهاضها  وتعطيلها  دون  أن يتمكن  أو يريد  مؤيدوها الدفاع عنها , حيث  أن ماتم انجازه علمانيا لم يكن كافيا  لتشجيع  المؤيد لكي يدافع عن  العلمانية ببذل  وشجاعة  …فجأة نكتشف  انغماسا مريعا للطوائف والطائفية  في  امور المجتمع…فجأة تتحول الأجواء الى قندهارية , فجأة  تنتشر المفخخات فغي البلاد طولا وعرضا , فجأة نكتشف  تدجيلا مريرا في رقصاتنا  الاحتفالية ,  يبدو وكأن تقييمنا للأمراض لم  يكن صحيحا  وعلاجنا لم يكن كافيا , اننا في موت سريري!وهل ستكون لنا  فرصة للتعلم من أخطائنا ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *