طبائع الاستعمار الداخلي !

نيسرين  عبود:

لا أظن على أن هناك خلاف مع   أعظمية الشعوب العربية حول  تعريف  أوضاع هذه الشعوب  , فكل هذه الشعوب تعاني من الاستبداد  ومن الفساد والديكتاتورية   ومحاولات التوريث  , والدولة التي تعبر في تطورها  عن كامل  نتائج الاستبداد بامتياز هي سوريا  , حيث الاستبداد على أشده  والديكتاتورية  اسطورية  والتوريث لم يبق محاولة  وانما واقعا  , ثم انه لاوجود   في البلاد السورية  لمعارضة ولا  للرأي الآخر , بينما  كان هناك في مصر  على الأقل اعتراف بوجود معارضة  والأمر كذلك في تونس, وفي تونس كان هناك جيش تونسي , كذلك الأمر في مصر  , أما في سوريا  فلا وجود لجيش سوري وانما  يوجد هناك كتائب الأسد  المعنية  بحماية الأسد , الجيش في سورية  هو مؤسسة خاصة  تحمي الأسد وتقاتل الشعب  , يقال  علنا على  أن الكتائب “عقائدية ” , وهذا صحيح , ولكن ماهي  العقائد التي   أعطت الكتائب تلك الصفة  ؟ هل هي العقيدة السياسية  أو العقيدة المذهبية ؟ .العقيدة للأسف  مذهبية بامتياز  , والقاء  نظرة سريعة على  تشكيل  هذه الكتائب يؤكد ذلك  , اذ من بين  أعلى مئة رتبة في الكتائب هناك    أكثر من ثمانين علوي  ومعظم هؤلاء   من  منطقة القرداحة وجوارها , الكتائب  ليست فقط علوية وانما  علوية  أسدية  , وليست علوية  أسدية فقط  وانما علوية  أسدية  وجهوية  عائلية أيضا .

  بشكل طبيعي  لاتجوز مقارنة سلطة محلية  في دولة يقال على أنها مستقلة  بسلطة استعمارية  خارجية  , ذلك  لأنه من غير المعقول   أن تكون السلطة  الداخلية شبيهة  بالاستعمار الخارجي  , أما عندما تقدم  السلطة الداخلية من الممارسات  مايشبه ممارسات الاستعمار الخارجي   وفي بعض الأحيان  تتفوق  وحشية  هذه الممارسات على ممارسات الاستعمار الخارجي  , عندها  تصبح المقارنة  ضرورة ويصبح البحث عن تعريف  وتسمية  مناسبة  لوضع السلطة أمر  لايمكن اهماله  , لا ممنوع في السياسة  ولا غريب في السياسة…  كل شيئ ممكن والقول بأن  السلطة الداخلية  أصبحت بمثابة استعمار داخلي واجب عندما  تتحول هذه السلطة فعلا  الى  شبيه للاستعمار الخارجي .,

من يراجع  مصادر التاريخ الحديث  يستطيع التعرف على  المصدر الأول لهذه المفردة , لقد كان الشيخ محمد الغزالي  في كتابه  ” الاسلام والأوضاع الاقتصادية”, وبعد محمد الغزالي  كان برهان غليون في كتابه “بيان من أجل الديموقراطية” ,والمقارنة بين  ادراك  محمد الغزالي  وادراك برهان غليون لهذه الخاصة  تظهر تباينا  واضحا  في العديد من النقاط  , فالغزالي   اعتبر   الاستعمار الداخلي   ضرورة  لحدوث الاستعمار الخارجي , غليون  اعتبر  أن الاستعمار الخارجي  هو الذي   وجد خليفة له في صورة الاستعمار الداخلي ,والمهم هنا هو  فهم غليون لهذه الظاهرة  لأسباب تتعلق  بحداثة فهم غليون  للاشكالية (بين  بحث غليون   وبحث الغزالي هناك فرق زمني   حوالي ثلاثين سنة  )  ,كتاب الغزالي  له صفة تاريخية , بينما كتاب غليون فله  صفة عملية  ,والاطار  الفكري العام  عند غليون هو اطار مستقبلي  ,  غليون  ليس علماني   بالهواية  , وانما عالم  من علماء العلمانية , اطار تفكيره  مدني لذلك فهو مستقبلي  , بينما اطار تفكير الغزالي فقهي ديني ,  فكر الغزالي يستحق الاحترام  , بينما فكر غليون  فيستحق التطبيق  والاحترام معا .

غليون اعتبر الطبقية وحكم الأقلية  المصدر الأساسي للاستعمار الداخلي , بينما شدد الغزالي على الطائفية كمصدر رئيسي  للاستعمار الداخلي , كلاهما اعتبر  استئثار الأقلية بالحكم  هو  المسبب الأول  للاستعمار الداخلي , غليون  اعتبر  حكم الحركات القومية حكم  أقليات مارست عكس  مضامينها الايديولوجية , فالبعث كما نرى الآن  مارس عكس  شعاراته من الوحدة والحرية والاشتراكية, وانتقل من  حكم أقلية سياسية قومجية الى حكم أقلية  طائفية  كان الامساك  بها والسيطرة عليها  وتحويلها الى مرتزقة   أسهل من الامساك  بفئة قومية   قد تكون   أكثر ميولا لممارسة النقد  من الفئة المذهبية ,  كما أن  تحويل  الفئة القومية  الى قطيع مطيع  أصعب من تحويل   أفراد طائفة الى قطيع مطيع , تحول البعث الى تمثيل المذهب  أتى في أعقاب  فشل  الغش  القومجي البعثي  في مسألة التطور الايجابي  والنمو الاقتصادي  ثم  افلاس  فكر التحرير والتصدي  والممانعة ثم المقاومة, لقد نسي البعث  أن  الاستقلال  لايقتصر على التحرر من الاستعمار الخارجي , الاستقلال يعني أكثر من ذلك بكثير , الاستقلال  يعني  تطوير دولة  ايجابيا لتصبح  بالوقع مستقلة ماديا وسياسيا  ,  فكيف يمكن للانسان السوري بعد عام ١٩٤٦  بأن يشعر على أنه  مستقل  عندما  يتحول تدريجيا خاصة بعد عام ١٩٧٠  الى  متسول ينتظر وصول  “الاعاشة” من الأمريكان لكي    يشبع ,ثم عليه اضافة الى تسوله  أن يشتم الأمريكان  يوميا  عشرات المرات  وذلك لكي يكسب رضى  السلطان عليه  ,  السلطان خلق  حالة العداء  لاقناع الجائع بأن  أمريكا هي سبب جوعه , حالة العداء  ضرورية  لأنها  تؤمن  للجلاد مصدرا   لاستيراد وهم المؤامرات  التي عليها تبرير فشل الطاغية في كل المجالات.

لقد   أنعش  الأسد وسوريته الأسدية  التفكير حول   الاستعمار الداخلي  وذلك  لأن الأسدية حققت عمليا  كل مانعرفه نظريا   عن طبائع  الاستعمارالداخلي , لقد طورت الأسدية الاستبداد السياسي والدبكتاتورية الى  شكل الاستعمار الداخلي  الأقبح من الاستبداد والديكتاتورية  ,فقد  عملت الأسدية على ضمان بقائها  من خلال تحالفات  وانحيازات اجتماعية قادت الى تقسيم  الشعب  وهدم  الوحدة الوطنية  ثم عملت  الى تفكيك القيم والمبادئ حيث  أصبح الفساد فضيلة  وضرورة  لايمكن  تجاوزها  أو الاستغناء عنها  لمن يريد  أن لايجوع ولمن يريد أن لايدخل السجن , بدون الفساد يستحيل البقاء على قيد الحياة , ومع الفساد لايمكن الاستمرار في الحياة والموت  أصبح حتمي في كلا الحالتين , تحاشيا للموت  هرب الناس  بنسب  لايعرفها التاريخ  فحوالي نصف الشعب السوري يتواجد  في حالة  الهجرة  أو الهروب والنصف الآخر جائع , لقد ورط الاستعمار  الداخلي  الشعب السوري بمشاكل  لم يعرفها هذا الشعب  تحت الاستعمار  الخارجي العثماني وخاصة الفرنسي , فعندما  احتلت فرنسا البلاد لم يهرب نصف الشعب السوري , وتحت الحكم الفرنسي كانت هناك حريات  وشكل مبسط من الديموقراطية ولم تكن هناك مجاعات ولا سجون بالشكل الأسدي  ولم يمت   انسان تحت التعذيب ولم  تهدم فرنسا  ثلثي البنية التحتية السورية  ثم ان فرنسا لم  تبرمل ولم تقتل مئات الألوف من الناس  ولم تقسم  المجتمع  بالشكل الذي قسمته الأسدية  , الطائفية  لم  تكن كارثية  كما هي عليه الآن  , والحكم الفرنسي لم يعرف  أجهزة مخابرات  تعدادها نصف مليون  مخابراتي  ,الادارة  لم  تعرف  فساد ادارة الأسدية  كما  أن  الوضع الاقتصادي  لم يكن  أسير الفساد , وحتى الاقطاعية  لم  تكن  قاتلة  كما هو حال  اقطاعية  حكم الأسدية  , لم  يسيطر آنذاك  ٣٪  من مجموع السكان على ٩٧٪ من  الاقتصاد ,ولم  تعرف حقبات الاستعمار الخارجي  ذلك الفلتان الأمني  وتلك السرقات والتعفيش  والخطف  وكوارث شبيه  بمجازر  هذه الأيام ومجازر  ١٩٨٢ ثم مجازر تدمر وصيدنايا , وبعد الاستقلال وفي ظل الاحتلال كان هناك انتخابات  غير مزورة  ,  ولم  تبلغ ثروة  ناظم القدسي أو شكري القوتلي  أو  معروف الدواليبي  أو فارس الخوري  مابلغته ثروة  بشار الأسد , ولم يحاول  ناظم القدسي توريث ابنه , ولم يكن هناك عائلة تمادت في الاجرام  والجهل كما تمادت  عائلة الأسد

لابد في النهاية من الاشارة  الى   أن  الاستبداد ليس دائما  غير شرعي  , ديغول  كان مستبدا  وكذلك  اديناور , الا أنهم  لم يستعمروا  أوطانهم ,ولا يمكن تفسير الحالة المزرية التي  وصلت اليها سوريا  بالاستبداد  أو بالديكتاتورية  , لقد كان فرانكو ديكتاتورا  الا   أن اسبانيا  لم تتحول الى دولة فاشلة  تحت ديكتاتوريته …مامورس في سوريا في نصف القرن الماضي  لم يكن   يكن  استبدادا أو ديكتاتورية فقط وانما  استعمار داخلي  شمل  الأرض وما عليها , استعمار  قاد الى تغيير الانسان  وأخلاقه وطبائعه  وعقله , حتى أن البعض   ادعى “مبالغا”  بأن كرموزومات الانسان السوري  تغيرت باتجاه   أسدي …كلنا بشار !!!

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *