الحرب والخراب علاقة متبادلة !

نيسرين عبود:

هل الخراب الذي نراه  اليوم في سوريا هو نتيجة للحرب أم أن الخراب بشكل  عام هو المسبب الوحيد للحرب ؟

ما من شك بأن  الخراب الذي نراه اليوم في سوريا  هو نتيجة مباشرة للحرب , أما الحرب فلم تسقط من السماء  ولا هي نتيجة عوامل طبيعية كالزلزال  , وانما هي نتيجة لحالة أو وضع ما  يمكن تسميته   أيضا بالخراب  , انه الخراب السياسي أو الاجتماعي أو  الاقتصادي  , أو كل هذه العوامل مجتمعة , فالحرب هي النتيجة الحتمية للخراب السياسي وفروعه الاقتصادية والاجتماعية , أي أن الحرب  وسيلة تنفيذية  لخراب آخر , وهذا الخراب لايفرز الحروب  الا بعد  استعصائه  على الاصلاح والعلاج .

هناك حروب بين الدول  نتيجة لخراب  العلاقات السياسية  بين هذه الدول , وهذه الحروب تنتهي عادة بتسوية  معينة  تتميز  بالدوام مقارنة بالتسويات التي  تتم  بخصوص الحروب الأهلية  , الحروب الأهلية  تتيمز  بفصول  متعددة  والتسويات في الحروب الأهلية   تعبر عن  تسوية  فصل من هذه الفصول ,حيث تستمر الحرب هنا  بفصل آخر  …قد ينتهي فصل العنف  الا أن فصل  انعدام الثقة  وما  يتبع ذلك من  تشنج  واحتقان يدوم , وقد يدوم لفترة  طويلة جدا  , وقد  يقود  ازمان  هذه الحالة الى  اندلاع جديد للعنف , الحروب الأهلية خبيثة وعادة  لايدرك من ينخرط بها  هذا الخبث , وبالعودة الى الحالة السورية  لا أستطيع ايجاد  أي  بديل  أسوء منها ومن نتائجها , الا أن السلطة التي سعت جاهدة  من  أجل  اشعالها  لاتدرك ذلك لعدة أسباب  منها  انانيتها  وغبائها واعتمادها على  عقل واحد  وعدم اهتمامها  بالبلاد كوطن وانما كمزرعة  , ولو لم يكن  كذلك  لما  ورطت السلطة البلاد  بحرب  أحرقت الأخضر واليابس … قالوها  بمنتهى الصراحة والوضوح ..اما الأسد أو نحرق البلد !. فالمهتم بالبلد   كوطن  لايحرقه من أجل الأسد .

لاتقتصر آثار الحرب  على الخسائر المادية والبشرية المباشرة التي يمكن تعويض المادي منها جزئيا  والتي يتم   عادة  تسليط  الضوء  عليها,  هناك خسائر أخرى  لايمكن  تعويضها واصلاحها الا بعد أجيال ,منها  التشوهات النفسية والتربوية  والأخلاقية  ,جيل الحرب هو جيل  عنف   وجهل  وليس جيل علم وسلام, ماخسرته سوريا من جراء الحرب  يساوي على الأقل  مئة مليون  أسد , وهذا الأسد “الثمين”   يعرف على أن وجوده  سبب لبعض المشاكل ان لم نقل  كل المشاكل , ورحيله  هو حل لبعض المشاكل , ان لم نقل كل المشاكل , مصر على البقاء  ولو تم احراق البلاد.

حقيقة لم أتمكن في البدء  من التأقلم  مع جدية هذا الشعار ,  لقد كنت أظن على أنه مبالغة موتورة من قبل معنوه  ,  الا  أن البرهنة  عن  ما لايمكن تصوره تمت , فعلا يتم احراق البلاد من أجل بليد ..تحقق  اللامعقول  والغير قابل للتصور ..هذه واقعة  سيسجلها التاريخ  بحروف  سوداء , التاريخ لايعرف مايشبه ذلك , هناك  العديد من الطواغيط  الذين دمروا بلدانهم من  أجل كراسيهم  , الا أن التاريخ لايعرف   شبيها  لتلك المصارحة  الوقحة  ..الأسد أو نحرق البلد  أو الأسد أو لا أحد.

ماذا  يمكن  أن  يكون شكل المستقبل  في  أحسن الأحوال ؟ المستقبل   سيكون فصلاآخر  من فصول الحرب, حيث سينخفض  مستوى العنف لكنه لايزول  , ويرتفع مستوى السياسة  لكن  سوف لن تتمكن هذه السياسة من خلق جو يتسم  بالثبات والهدوء ,  الديكتاتورية حولت الشعب الى “كسيح”  عليه تعلم  المشي من جديد , كسيح سياسي , ومن هذا الكسيح السياسي  تحذر الطغمة الحاكمة  وتدعو  الى  الاستمرار مع الأسد  , وكأن الاستمرار مع الأسد  يشفي الكسيح المعاق ..وداويها بالتي هي الداء !.

كيف  يمكن  تحويل  المجتمع  من مذهبي الى  مدني , ففي الخمسينات  كان المجتمع السوري مدني  بامتياز ..كانت هناك أحزاب سياسية   وكان تمثيل الاخوان المسلمين  في البرلمان  ضئيل جدا  وبنفس تمثيل الحزب الشيوعي   تقريبا , والآن نتواجد في مجتمع الطوائف  , وقد  استغرق  التحول الى الطائفية  جهودا استمرت على الأقل نصف قرن , ان لم يكن  أطول !, والمجتمع المتمذهب هو مجتمع   غير منتج  ولا يستقيم حكمه الا مع الديكتاتورية التي لايريدها الانسان السوري , فهل يمكن لعاقل  تصور حلا  لاشكالية المذهبية خلال شهور  في مرحلة مابعد الأسد ؟ بدلا من الشهور يتطلب الأمر جهودا جبارة  ومستمرة لعشرات السنين   بل  لقرن كامل من الزمن ,  مرحلة  مابعد الأسد  سوف تبق   أسدية  في حالة من الضمور الأسدي  , والأسدية سوف لن  تتبخر  فور رحيل الأسد  , وحتى لو رحل الأسد   نتيجة لاتفاقية  فسوف  لن تستسلم جماعته  وتذهب طوعا الى القاضي  , سيمارسون  الشغب  والتفجيرات  والقتل والعصيان  والاستمرار  بحرق  البلاد ..قالوها  صراحة وفعلوها  وسيستمرون  بفعلها سعيا وراء الحفاظ على المكاسب والهيمنة , وسيكون من الصعب اقناعهم بعبثية سعيهم ,  انهم  أمراء  الحرب الذين مسكوا بالسلطة  والمصالحة   لاتعن بالنسبة لهم الا الحفاظ على المصلحة , ومع مصلحة هؤلاء  لايستقيم  انشاء دولة  حرة عادلة ديموقراطية .

الأسدية مرض سياسي مزمن, وعلى من يسعى للشفاء من هذا المرض  أن يكون بمنتهى الصبر  ومنتهى التواضع  والقناعة بمكاسب  صغيرة وقليلة ,  حقيقة تمنيت لسوريا مستقبلا  أفضل , وما هي فائدة التمنيات التي  لايمكن تحقيقها ؟

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *