بهنان يامين:
العالم يضج لصورة الطفل السوري الغريق، ذو السنوات الثلاث، وقد رفضه البحر كما رفضه ذاك الوطن، الذي دمره طاغية، ليخرج مهاجراً الى ارض الله الواسعة، وكانت طريقة خروجه من غياهب اليم، وهو يدير قفاه للعالم ورأسه غاطسة في الرمال، وكانه يقول لهم ” تباً لكم، لقد ظلمتم الشعب السوري لاكثر من اربع سنوات ونصف، ساكتين عن جرائم نظام قاتل، فهذا قفاي لكم.”
صورة غيلان الكردي هذه، وصورة الشاحنة المكدسة بالجثث، كانت كافية لتغيير سياسة الهجرة للعديد من الدول الاوروبية، وملاحقة المهربين، الذين يستغلون يأس الانسان السوري وضعفه، الذي هام على وجهه تأهاً بعد ان فقد وطنه الذي دمره الطاغية الاسدي. ولكن هل هذا يكفي بفتح ابواب الهجرة امامهم، ام كان من الافضل ان ينهوا معاناتهم بمساعدة الشعب السوري على اسقاط هذا النظام، الذي اوصل الانسان السوري الى التيه في كل بقاع الارض، بعضهم هرباً من الخدمة العسكرية لدى كتائب الاسد، وبعضهم خوفا على اولادهم، وبعضهم رحل بعد ان اجبر على الرحيل من قبل الحرب الاهلية؟.
لو اردنا العودة بالتاريخ الى الوراء، للحظنا ان هجرة الشعب السوري الى الغرب ليست بالاولى، فلقد كانت اولى الهجرات في خمسينات القرن التاسع عشر، وتلك الهجرة سببها الحرب الاهلية الطائفية ما بين الموارنة والدروز، وكانت الدولتين الاستعماريتين، الانكليزية والفرنسية، تغذيان هذه الحرب، فهاجر العديد منهم الى الغرب نتيجة المذابح وسياسة التجويع التي مارستها السلطنة العثمانية، لكي تتبعها موجة الهجرة الثانية هربا من مظالم الدولة العثمانية ايضاً، في ايام سفر برلك، حيث كانت المذابح والجوع والهرب من الخدمة الاجبارية والسخرة احد اهم اسباب هذه الهجرة مع مطلع القرن العشرين.
خرج الانتداب الفرنسي، ومع خروجه شعر الانسان السوري بالعزة والكرامة، وباشر العمل على بناء دولته المدنية، حيث كان الشعب السوري طامحاً الى بنائها، من اجل مستقبل ابنائه، ولكن الغرب، دفع العسكر الى وئد تلك الديموقراطية الواعدة، التي شهدتها مرحلة خمسينات القرن المنصرم، في البداية عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية، ليأتي صباح الثامن من أذار 1963 ليقضي عليها بلا رجعة.
منذ ذاك الصباح، وسورية تشهد العديد من موجات الهجرة، واسباب هذه الموجات التهجيرية كانت الهروب من ظلم نظام البعث، ليس في سورية فحسب بل في العراق ايضاً. حتى الحرب اللبنانية كان هذان النظامان في العراق وسورية سببا رئيسيا لها، صحيح كانت المقاومة الفلسطينية، واعطاؤها السلطة الكاملة على المخيمات أحد أهم اسباب تلك الحرب، ولكن النظام السوري بقيادة حافظ الاسد كان يدفع الى تأجيج هذه الحرب، وصولاً الى دخول قواته الى لبنان، لا كمنقذ من تلك الحرب، بل كسلطة احتلال. شهدت تلك المرحلة ارتفاع المعيشة في سورية، حيث اضطر الكثيرون منهم الى الهجرة من أجل معيشة اولادهم وهربا من الخدمة الاجبارية. بالطبع نتيجة تلك الحرب شهد الشعب اللبناني الشق التؤام للشعب السوري، هجرة واسعة.
شهدت سورية في أواخر سبعينات وبداية ثمانينات القرن العشرين، حرباً أهلية مبطنة نتيجة ممارسة حافظ الاسد وبعثه وعسكره، الطائفية في المجتمع والدولة، لتنعكس المادة الثامنة من دستور حافظ الاسد، سلباً على الشعب السوري، وكان تدميره لمدينة حماة واستباحتها، وقعاً سيئاً على مجمل الشعب السوري، الذي شهد هجرات متتالية هرباً من عسف هذا النظام، الذي اطلق يد الاجهزة الامنية لتعيث في المجتمع والدولة الفساد والرعب والارهاب.
قتل الابن البكر للطاغية الاسدي، باسل، نتيجة رعونته، فاحضر الابن الثاني ليكون الوريث عوضا عن القتيل، الذي سمي زوراً بالشهيد، ولما حل يوم رحيل الاسد في منتصف عام 2000، حكم الوريث، وتأمل الناس خيراً بالتغيير، وخاصة ان خطاب قسمه كان مؤشراً على نوع من التغيير، ولكن ربيع دمشق الاول لم يدم طويلاً، وقبل ان يطوى عام 2000، حتى كانت القوى الديموقراطية تدخل السجون ثانية، ليزداد الفساد ويتحكم برقاب الناس أكثر من زمن الاب.
الا ان كان الربيع العربي في مطلع 2011، فكانت الثورة السورية، انطلاقاً من درعا لتشمل في حركة سلمية كل سورية، ليواجهها الطاغية بالرصاص وباللعب على الاصلاحات، الى دفع الناس الى التحول الى التسلح. ازداد العنف وأخرج بشار من سجونه كل من يمكن ان يستخدمه، فكان تجار ومهربي المخدرات من امثال زينو البري، وكذلك الاسلامويون الذين صدرهم الاسد العراق ليعيد اعتقالهم ويطلق سراحهم في سلسلة من مراسيم العفو، وكان مجرد اطلاق سراحهم كافياً لتشكل تلك المنظمات الاسلاموية، وصولا الى جبهة النصرة في البداية وداعش في النهاية، التي ما هي في الحقيقة الا الآلة الجهنمية لدولة البعث العراقي، بعث صدام حسين، وهي دولة كانت جاهزة لهذا الدور.
فجأة تحولت قضية الشعب السوري من شعب ثائر تواق الى الحرية، الى شعب تائه ولاجئ، وعوضا ان يعمل العالم على انهاء مسببات المأساة السورية، وهو النظام الارهابي الاسدي، ومن وراءه روسية وايران، نراه يحول قضية ثورته وتحرره وضرورة مساعدته على ذلك، الى قضية شعب تائه ولاجئ، يفتش عمن يحميه، ويمد له يد المساعدة، اي بمعنى آخر ان يذله، وكان قدر الشعب السوري ان يتيه على وجه الارض، ويتدرج في القهر حتى يصح ان يسمى بالسوري التائه
هذاهوغيلان ذوالسنوات الثلاثةهاربا من براميل النظام وسكاكين التنظيم ومن البحر أيضا
