من ستجد عندما تزور مزبلة التاريخ ؟
جورج بنا :
المزابل حاجة أساسية من حاجات الانسان , والاستغناء عنها غير ممكن , فبدونها تفوح روائح العفن , عدد المزابل وحجمها أمر يتناسب طردا مع حجم الزبالة , والحديث هنا ليس عن مزبلة القرية أو المدينة , وانما عن مزبلة “اعتبارية” هي مزبلة التاريخ , ومزبلة التاريخ تختلف عن غيرها من المزابل التقليدية , حيث يمكن تكرير محتويات المزابل التقليدية ثم استخلاص مواد مفيدة منها كالصابون مثلا , مزابل التاريخ لاتسمح بالتكرير ,وانما قد تسمح بالتكرار , فدخول العديد من الزبالة الى المزبلة لم يثن غيرهم من التفسخ والتعغن الذي يقود منطقيا الى المزبلة , هاهو الابن يسير بخطى ثابتة باتجاه المزبلة , وصل الى مشارفها وهو ينتظر الآن شرف الدخول اليها ..الرجل المناسب في المكان المناسب .
غريبة تلك الأيام الأخيرة , الأيام التي انتقل في مثلها حافظ الأسد الى جوار ربه قبل ١٥ عام , والغرابة تكمن في فقدان أي دراسة أو موضوع جدي حول عن من قيل قيل عنه على أنه صانع سوريا الحديثة , وذلك باستثناء ماكتبه شاعر البلاط بهجت سليمان , لم يكتب ثائر ديب ولو يتفوه شريف شحادة بكلمة ولم يلقي خالد العبود موعظة , كما أن بسام أبو عبد الله بقي صامتا, وبطبيعة الحال فقد أغلق القبر فم الشاعر محمد مهدي الجواهري , الا أن بعض أذكياء الأسدية وجدوا في مديح الجواهري لحافظ الأسد قبل عشرات السنين مديحا للوريث بشار الأسد , اذ ماينطبق على عبقرية حافظ الأسد ينطبق على عبقرية بشار الأسد , وبالتالي فمديح حافظ هو مديح لبشار, خاصة وان الجواهري أعطاكم عمره قبل تنصيب بشار, ولم يكن له حظ التعرف على القائد الرائد .
كلمة في مديح الجواهري , انه بدون شك من أعظم من تملق مسلكيا وأجاد لغويا , لقد مات عام ١٩٩٧ وبالرغم من ادمانه على مديح كل من اعتلى كرسيا , الا أن له معاييره الصارمة , لقد مدح الملك فيصل ومدح , وهو الشيوعي , نوري السعيد ومدح الملك حسين ومونتغمري ومحمد علي , الا انه امتنع باصرار عن مديح صدام حسين , لذا فانه ليس من المؤكد ان يتعامل الجواهري مع بشار كما تعامل مع حافظ , الذي قدم للجواهري قصرا وقبرا أيضا !.
لاشك بأن الجواهري وأمثاله من أفصح نزلاء مزبلة التاريخ ..انه رجال القافية وليس رجل القضية , انه وريث تراث امتد من أمرؤ القيس حتى أدونيس , ومن أمثاله أمثال , فهؤلاء يمثلون طاقما كاملا من المداحين والممدوحين , وفي المزبلة سوف لن يكف حافظ عن استجداء المديح , وسوف لن يكف أمثال الجواهري عن تقديم جرعات مناسبة من المديح .. هكذا هي الحياة في الدنيا وفي الآخرة !
مزابل التاريخ تبدو وكأنها غير مرغوبة من الجميع , وما نلاحظه هو التالي , كل طرف يرى الطرف الآخر المعادي أو المعارض في مزبلة التاريخ , الأسدية تدعي ان معارضيها سيؤولون الى المزبلة , والمعارضة تؤكد على أن الأسدية من نزلاء المزبلة المؤكدين , فما العمل والحال كذلك ؟.
لايمكن التعامل مع كل هذه التناقضات والاتهامات المتبادلة الا بسلوك طريق الحيادية والموضوعية , وذلك حسب القاعدة المسيحية التي تقول”من ثمارهم تعرفونهم” , فالأسدية حكمت سوريا نصف قرن من الزمن حكما مطلقا , وكل صغيرة أو كبيرة كانت من صنعها , وسوريا الآن كما يمكن لكل مراقب تقييمها عبارة عن خراب أو مزبلة , مزبلة صنعتها الأسدية عن سابق عمد وتصميم ,لذلك فانه من الأولى بالأسدية صانعة المزابل أن تؤول نهاية الى مزابلها التي ستتوضع في التاريخ , ذلك لأن ماحدث في سوريا هو أمر تاريخي وسوريا التي تزبلت بحلتها الأسدية سوف لن تحافظ على هذه الحلة , سوف تلملم جروحها وتنهض ولو بعد حين وسوف لن يكون في سوريا الجديدة الفقيرة والمهدمة أي مكان لمن حاول اغتيالها ومن حاول تمزيقها , مكان هؤلاء ليس في سوريا وانما في التاريخ السوري , الذي سيكون حساسا جدا تجاه أمثال الأسدية , التي كانت تجربة مريرة ومؤلمة ..تنذكر وما تنعاد !.
أما المعارضة التي تراها الأسدية في المزبلة , فلم تثمر لحد الآن لكي نتعرف عليها من ثمارها , المعارضة لم تخرب سوريا , لأنه لم يكن لها أي دور لأنها اما في المهجر أو في المحجر ,هرب معظمها وتشرد في كل بقاع الأرض , ولمن بقي لم تكن له اقامة الا في الماخور , وبالرغم من صعوبة أو استحالة عملها الآن , الا أنه كان بامكانها العمل بأكثر فاعلية في الستينان والسبعينات , نقصتها المعرفة السياسية ووضوح الأفق والشجاعة الأدبية , ونقصها أيضا الرؤية المستقبلية الواضحة , لم يكن من الصعب جدا تصور ما ستؤول اليه سوريا بعد عام ١٩٦٣ وخاصة بعد عام ١٩٧٠ ,نهاية سوريا الأسد عام ٢٠١١ هي النتيجة الحتمية والمنطقية لبدايتها عام ١٩٧٠ , فمن يبدأ كما بدأ , سينتهي كما انتهى .
بالرغم من تقاعس المعارضة وفشلها في تقويم الاعوجاج , فانه ليس من الحق والعدل وضعها في مزبلة التاريخ , هناك فرق شاسع بين اجرام ولؤم السلطة وبين سذاجة وغباء المعارضة , المعارضة تستحق التأنيب وتستحق النقد وتستحق شيئا من العقاب , الا ان مكانها يجب أن يكون الوطن , حيث لايوجد لانقاذ الوطن غيرها .
لايجوز انهاء الموضوع قبل التعرض باختصار لموضوع المعارض والمعارضة , فالمعارض هو ليس الايديولوجي وليس المحارب وليس السلفي وليس الصامت أو الملفق أو ..أو فقط , المعارض هو من تضرر من حكم الأسدية , وهل بقي من لم يتضرر من الأسدية , وحتى الايديولوجية ليست الا صياغة للمصلحة بلغة فلسفية أو عقائدية , والسلفي الذي يحارب قاصدا الموت ليس الا عنصر مقاتلة تنتهي بمكسب في الجنة , ولكل معارض دوره ومكانه , فدور المقاتل ينتهي بنهاية القتال , ودور الصامت ينتهي بازالة الكمامةعن فمه , ومن سيحكم ويقرر ويسير بالبلاد قدما هم الأكثرية المتضررة , هم من لهم مصلحة مادية ومعنوية واعتبارية بالعيش في وطن يؤمن لهم مصالحهم , وهذه الأكثرية لاتضم دائما المحارب الذي انتهت مهمته , يقال على أن الثورات تأكل أبنائها , والقصد هنا من أكل الأبناء هو نهاية أدوار ونهاية مهمات وبداية أدوار ومهمات أخرى , فالمحارب الذي يريد الاستمرار في الحرب التي لم تعد لها ضرورة يؤكل من قبل الثورة ..الثورة تأكل ابنائها !!! , وبالمقارنة مع الثورات الأخرى أستطيع القول على ان سقوط الأسد سيترافق مع تبخر للسلفية والاسلامية المتشنجة والتكفيرية وحتى الطائفية …سيذهب طاقم , ويأتي طاقم آخر يختلف نوعيا وبشدة عن الطاقم الأول ..
Post Views: 572