المحرقة في النهاية ستأكل مشعلها
يحيى العريضي:
في ظل منظومة الاستبداد الحاكمة، كان هناك لذة خاصة للقفز فوق القانون؛ ليس بفعل غياب معرفة الفرق بين الصح والخطأ، أو الخير والشر، أو المشروع وغير المشروع، أو الحق والواجب؛ بل بفعل استسهال الأخذ والانجاز والكسب المستند إلى حالة جشع تعكس فطرة طفولية تحكمها غريزة التملك الطفولية البدائية الناتجة عن انعدام أي فرصة للتطور الذهني الثقافي الحضاري الذي يسمو بالمرء أخلاقياً ليكون إنساناً يعرف ما له وما عليه وما يلزم الحياة لتكون إنسانية لا غابة وحوش يحكمها منطق القوة لا قوة المنطق.
الكل يريد ان يهبش وياخذ ما ليس له بقدر ما تطول يده النتنة… ابتداءاً من أصغر مادة استهلاكية وصولاً إلى حياة أخيه الانسان. من هنا هانت أكبر الكبائر؛ ومن بينها زهق حياة الآخر، وصولا إلى زهق حياة بلد بأكمله. وباستثناءات لا تكاد تُذكَر؛ انطبق هذا الحال على الجميع، من رئيس البلد إلى أصغر واحد فيها.
كل شيْ كان قابلاً للبيع ابتداءاً من الذات حتى آخر قطرة في بوابة الروح مروراً بآخر جدار في جسد الوطن وكرامته. من اعترض على حكم بشار الأسد أبدى استعداداً، وأثبت أنه خبرة نادرة في الجشع والقابلية للارتهان والبيع لأي يد خارجية مهما كانت وساختها وسموميتها. طبعا كان هناك استثناءات. وبالمقابل ، كانت الجهة الحاكمة لسورية قد تعودت وتمرست بالارتهان للخارج من أجل البقاء؛ فكان غاية بالسهولة عليها أن تبيع أكثر وترتهن أكثر وتساوم أكثر على مصير بلد بأهله وأرضه وحقوقه.
غابت سورية؛ وانتهى أي عقل يمكن أن يلملم ما حلّ به من طاعون اخلاقي؛ فما الحاكم إلا أمير حرب ورئيس عصابة، ولا من يعارضه إلا طفلاً طفيلياً ماخوذا بما نزل عليه من ديّة قتله يصرفها، وهو حي. …. أما ملايين السوريين، فكانوا الهباء المنثور لجوءاً وتشرداً وجوعاً وبرداً وإهانة في كل مكان.
كان الاستقواء بإسرائيل أحد أقبح وجوه نظام الفجر الذي اعتبر سورية مزرعة موروثة بعقد إذعان لمحتل الأرض ومغتصب الحقوق، إسرائيل؛ فكان تصريح رامي مخلوف أمين صندوق مال العصابة بان أمن إسرائيل من أمن النظام. كان أول ما فكّرت به العصابة الصهيونية المحتلة لفلسطين بعد تيقنها من احتراق عميلتها – العصابة الحاكمة في دمشق- هو المخزون الكيماوي لسورية؛ وكانت الطريقة الوحيدة لسحب هذا السلاح عبر استخدامه على الشعب السوري؛ فكان لها ما أرادت واستخدمت العصابة ذلك السلاح على أهل ريف دمشق؛ فتمت الترتيبات بين راعي النظام “بوتين” وصاحب الخط الأحمر وبهندسة إسرائيلية بدأها سفير إسرائيل في واشنطن؛ وتم سحب السلاح من اجل الكيان الصهيوني.
حتى ذلك المسلك العاهر لم ينفع العصابة في البقاء؛ فكان لا بد من إيجاد إرهاب يوازي وحتى يفوق إرهاب عصابة البراميل في دمشق؛ فكان خلق داعش وتنوعاتها فتناغمت مع النظام عبر توليفات جهنمية أزاحت الانظار عن إجرام النظام بشكل ملفت.
اتسع الموضوع السوري؛ فأضحى دولياً. ولم تعد أي يد غير فاعلة في المسالة السورية. وكلما كبُر الموضوع ضاقت مساحة المسؤولية الملقاة على عصابة دمشق. أمريكا متهمة وكذلك روسيا وإيران؛ والأخيرة بمعية حزب الله متهمة باحتلال سورية وقتل الشعب السوري؛ وأصدقاء الشعب السوري كانوا كل شيء إلا أصدقاء للشعب السوري وتبعثره في أربع أصقاع الأرض. أصبح تقسيم الجسد السوري خياراً يتحدث به كثيرون كرحمة لأهل سورية؛ والمبدأ السائد : إنها حرب دينية سنية – شيعية؛ وكل فئة هدف قتل مشروع للأخرى؛ وإسرائيل تجمع غنائم حربها.
تتنفس عصابة دمشق قليلاً برجحان كفة قوتها؛ فيتم تحريك حالات عسكرية ميدانيا، فترجح كفتهم ويضيق الحال بالعصابة الحاكمة والعكس صحيح؛ حتى لا يبقى في سورية حجر على حجر. يصبح البقاء للسوري هو الطموح هروباً عبر قوارب المطاط أو من براميل قتل أضحت منهج القتل لدى العصابة.
ضاقت الحال وانسدت كل الآفاق أمام السوري. بدأ ينتظر معجزة تعيد إليه حياته، حتى لو لم تعد إليه بلده. لم يعد العالم يعبأ لوصمة العار التي حملها أبدياً على جبينه. فلا التتر أو المغول أو النازية تحمل على كاهلها ما حمله النظام على كاهله وما شهده العالم دون ان يحرك ساكناً؛ ويبقى انتظار المعجزة الإلهية للخلاص.عصابة متمرسة ومتمترسة وراء شعارها: “نحكمها أو ندمرها”؛ ويبقى السوري متمترساً وراء الخلاص من نظام الاستبداد بكليته. لا الأولى تتحقق، ولا الثانية مسموح بها دولياً. ربما يكون غضباً ربانياً؛ لم يأخذ حده بعد. ربما تكون إرادة محفل أرضي أو ما تحت أرضي قرر ان ينفذ إرادته المريضة بالخلاص من الملايين على كوكبنا
Post Views: 459