المسكوت عنه في معنى النظام العربي

ماجد كيالي:

منذ تأسيسه، قبل سبعة عقود، وتحديداً منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية، وقيام الدول العربية، وتأسيس جامعة الدول العربية (1945)، ظلّ النظام الرسمي العربي بمثابة حالة افتراضية، أكثر من كونه حالة فاعلة، واعية لذاتها، ومتمحورة حول ذاتها.

وفي الواقع، فهذا النظام لم يشتغل على نحو صحيح، أي على أساس التعاضد والتكامل بين الوحدات السياسية المشكلة له، بل اشتغل عكس ذلك، والأهم أنه لم يثبت صدقيته في أي مجال، لا سياسي ولا اقتصادي ولا علمي، ولا على الصعيدين الخارجي والداخلي.

في المجال السياسي أخفق هذا النظام في التعامل مع قضية فلسطين، ولا نقصد مستوى التصارع في الميدان العسكري مع إسرائيل فقط، إذ إنه لم يثبت حتى على مستوى مواجهة التحدي الذي تمثله هذه الدولة بالنسبة له، من النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية، ولا حتى بالنسبة لاستيعاب مشكلة اللاجئين الفلسطينيين والتخفيف من مأساتهم، بدل مفاقمتها. أيضاً لم يثبت هذا النظام في التعاطي مع احتلال نظام صدام الكويت (1990)، ولا في تدارك التداعيات الناجمة عن الغزو الأميركي العراق (2003)، إذ ترك هذا البلد لمصيره، بحيث تقدمت إيران لملء الفراغ فيه. وها هو النظام نفسه يقف عاجزاً إزاء الزلزال الذي أحدثته التدخلات الكارثية لإيران في أوضاعه الداخلية، من لبنان وصولاً إلى اليمن مروراً بالعراق وسورية، لا سيما من مدخل تقويض وحدته المجتمعية، عبر إثارة النعرة المذهبية فيه، بين جمهور السنّة وجمهور الشيعة، علماً أن هذا الأمر لم توفق فيه إسرائيل ولا أية قوة استعمارية سبقتها. وهذا مع ملاحظتنا أن «عاصفة الحزم» التي شكلت رداً على تحركات «الحوثيين» المدعومة من إيران، أتت متأخرة جداً، فضلاً عن أنها اقتصرت على الشكل العسكري. فلو أن دول مجلس التعاون الخليجي أدركت أهمية استيعاب اليمن في إطار المجلس، ومكنته من حل مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية، لما وصل الأمر إلى هذا الحد.

على أي حال، فوضعية النظام العربي في المجال الاقتصادي ليست أحسن حالاً، إذ إن العلاقات العربية البينية ظلت متدنّية جداً، فالتبادل التجاري العربي، مثلاً، بقي منذ عقود يتراوح بين 8 و11 في المئة، من حجم التجارة العربية مع العالم، من دون أن يطرأ عليها أي زيادة، على رغم الحديث المتكرر عن التكامل الاقتصادي العربي، وضمنه الاتفاق على إقامة «منطقة تجارة حرة منذ التسعينات». وبدهي أن هذا ينطبق على حجم الاستثمارات المالية في الدول العربية، إذ هي ضئيلة، بالقياس إلى حجم رؤوس الأموال العربية المستثمرة أو المودعة في بنوك البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، وهي باتت تقدر بنحو تريليوني دولار. وتمكن ملاحظة القصور الفادح في هذا المجال من أربع إحصاءات نوعية: فوفق تقرير التنمية الاقتصادية العربية (2014) فإن نسبة الأمية بين البالغين (15 سنة فما فوق) تقدر بـ22.5 في المئة، في حين بلغت معدلات البطالة نحو 18 في المئة، أما حصة الإناث في سوق العمل فبلغت نحو 23 في المئة فقط، بينما لا يزيد الإنفاق على الصحة عن 6 في المئة، علماً أن هذه معدلات متدنية جداً بالقياس إلى المعدلات الدولية، ولا يماثلها في ذلك سوى البلدان الأقل نمواً في آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء.

بيد أن عطالة النظام العربي تكمن بصورة أوضح في استعصاء تطوره من الناحية السياسية، ذلك أن هذا هو سبب اندلاع الثورات الشعبية في غير بلد. والمشكلة هنا تكمن في أن الوحدات السياسية المكونة هذا النظام لم تتحول إلى دولة معاصرة بمعنى الكلمة، بحيث تصير كل واحدة منها بمثابة دولة مؤسسات وقانون ومواطنين، بدل البقاء على وضعها الراهن، كسلطة تهيمن على الدولة والمجتمع، لتكريس واقعها وإعادة إنتاج سلطتها. وبدهي أن ذلك يفترض تمكين هذه الوحدات من التحول إلى دول دستورية، بالقيام بإصلاح سياسي حقيقي، ينجم عنه عقد اجتماعي، ودستور مدني، يكفل الحريات والمساواة للمواطنين. فهذا التحول نحو الدولة والمواطنة، هو الشرط الذي يسمح بإقامة نظام سياسي عربي فاعل وواعٍ لمصالحه، أما البقاء على الوضع الراهن فلن يؤدي، على الأغلب، إلا إلى التحلل والتفكك، وربما الانفجار، الدولتي والمجتمعي، على نحو ما اختبرناه في السنوات القليلة الماضية.

وبصراحة، فإن كل الدول، معنية بإدراك هذه الحقيقة، لأن عكس ذلك يعني ترك العالم العربي للركود، أو الانفجار، أو الفراغ الذي يسهل للدول الكبرى، أو الدول الإقليمية الأخرى، تحويله ساحة نفوذ لها، وساحة تصارع وتنافس بينها، على نحو ما نشهد في أكثر من بلد عربي منذ سنوات.

لكن نقد النظام السياسي لا يستقيم من دون نقد فكرة القومية العربية، لا سيما أن الفكر السياسي العربي السائد، عند مختلف التيارات القومية أو اليسارية أو الليبرالية أو الدينية، لم يميز بين «العربية»، إن كدعوة سياسية، أو بوصفها أيديولوجيا، وبين «العربية» باعتبارها رابطة ثقافية وحضارية تاريخية. ومعلوم أن الأولى تتأسس على العصبية، وتغطّي الاستبداد، وتحجب محاولات الحؤول دون قيام المواطنة أو الاعتراف بحقوق المواطنين وحرياتهم، فيما الثانية تبدو متحللة من أي عصبية، أو رابطة إثنية، وتغتني من واقع التعددية والتنوع في المجتمعات، كما حصل عبر التاريخ. وفي الواقع، فالمخارج المتطرفة من الجهتين، أي تقليل قيمة «العربية» أو تجاهلها من جهة، أو جعلها صنماً، أو واقعاً منجزاً، من جهة أخرى، ثبت أنها لا تفيد بتقديم رؤية موضوعية، ولا تقدم حلاً للمشكلات الهوياتية.

والمعنى أن تحرير الفكرة العربية من أيديولوجيا العصبية العنصرية التي غذّتها وتغطّت بها الأنظمة القومجية الاستبدادية، يتطلب أيضاً تحرير النظام العربي، في وحداته السياسية، من كونه مجرد سلطة، بما يمكّن من قيام الدولة ومجتمع المواطنين.

Leave a Reply

Your email address will not be published.