في تشريح طائفية الحراك السوري

حسام جزماتي:

في أول ردِّ فعلٍ رسميٍّ على الأحداث السوريّة، ظهرتْ مستشارةُ الرئيس، بثينة شعبان، مساءَ الخميس 24 آذار 2011، في مؤتمرٍ صحفيٍّ مرتبك، واتّهمتْ أطرافًا خارجيّةً بالوقوف وراء هذه التحرّكات، بغية استهدافِ أمن سوريا ووحدتها واستقرارها و”التعايشِ الجميل” بين مختلف طوائفها.
أمّا على المقلب الآخر، فقد كانت الإشارةُ أبكر. فمنذ الشرارة الأولى لانطلاق الحراك السوريّ، حرص الشابُّ الذي صوّر ونشر على الإنترنت مظاهرةَ سوق الحميديّة بدمشق، في 15 من الشهر نفسه، على القول مواكبًا للتسجيل: “نحن علويّون وسنّةٌ ومن كلِّ أطياف سورية.” وفضلاً عن اللهجة المميّزة، بيّن الشابُّ بوضوح: “أحكي باسم الطائفة العلويّة بكلِّ الشام، بكلِّ سوريا..” وبينما كان زملاؤه يتنقّلون في الهتاف بين “الله، سورية، حريّة وبس،” و”سلميّة، سلميّة،” كان يختم كلامَه بالدعوة إلى مظاهرةٍ لاحقةٍ في اليوم نفسه: “بعد صلاة العصر في محيط الجامع الأمويّ.”1
تقول هاتان الحادثتان، كلٌّ على حدة، الكثيرَ. غير أنهما تقولان معًا إنّ الهاجس الطائفيَّ ملازمٌ للحراك السوريِّ منذ البداية.
فالنظام، من جهته، دأب على طمس الحديث عن المسألة الطائفيّة تحت شعار “المساواة التامّة بين المواطنين،” وتحت طائلة السجن بتهمة “إثارة النعرات الطائفيّة” لمن يجرؤ على الكلام.2 أقصى ما يمكن أن يُسمحَ به من تناولٍ علنيٍّ لهذه المسألة كان كلامًا عامًّا عن “التعايش الجميل” بين طوائفَ مبهمةٍ تُمنع تسميتُها؛ فإنْ لم يكن من ذلك بدٌّ فالمسلمون والمسيحيّون هم المثالُ الوحيدُ المسموحُ بذكره، والشيخُ والقسّيسُ حاضران دومًا لالتقاط الصور التذكاريّة المشتركة. كانت المسألة الطائفيّةُ عورةَ النظام التي بالغ في إخفائها.
أمّا على الضفّة الأخرى، فقد داعبتْ أحلامُ الحريّة والكرامة مخيّلات عددٍ من الشبّان والشابّات، الذين كان تفاعلُهم مع الربيع العربيّ يتصاعد مع توالي محطّاته المتلاحقة، من تونس إلى مصر فليبيا. وكان هؤلاء طلابًّا جامعيّين أو ما يشبه ذلك من أبناء الطبقة الوسطى، من طوائفَ متعدّدة، اتفقوا على الخروج في أول مظاهرةٍ منذ عقود، وهي مظاهرةُ سوق الحميدية المشار إليها أعلاه، مؤسّسين لزلزالٍ ربّما لم يتخيّلوا حجمَه. فقد تتالت المظاهراتُ واتّسعتْ، وانتقلتْ من محافظةٍ إلى أخرى، على إيقاع اندلاع انتفاضةٍ شعبيّةٍ حقيقيّةٍ في درعا، وعلى إيقاع القتل الذي ارتفعتْ معدّلاتُه باطّراد منذ ذلك الحين.
ولما كان تصاعدُ الاحتجاجات وانتشارُها عفويًّا، ولم تكن لها قيادةٌ مركزيّةٌ، ولا روابطُ كافيةٌ بين ناشطي التظاهر في ذلك الوقت، واحتاجت إلى ممثّلين لها يعبّرون عن مطالبها في وسائل الإعلام وفي أروقة السياسة الخارجيّة والدوليّة لاحقًا؛ فقد تلقّفَ هذه الاحتجاجاتِ مثقفون ومعارضون في الداخل والخارج، تولّوْا تمثيلَها في البداية، ثم قيادتَها السياسيّة، فتشكّل “المجلسُ الوطنيُّ السوريُّ” وسواه من الهيئات والتجمّعات. وبالنظر إلى المسألة الطائفيّة، كان معظمُ هؤلاء ممّن لا يعيرون هذا الموضوع اهتمامًا كبيرًا، نظرًا إلى تحدّرهم من خلفيّاتٍ يساريّة، وتبنّيهم تقاليدَ تعتبر تناولَه عيبًا ثقافيًّا ووطنيًّا. وقد خاض هؤلاء سجالاتٍ كثيرةً على الفضائيّات، وفي المؤتمرات واللقاءات السياسيّة، منافحين عن وطنيّة الحراك ومدنيّته وبعده عن الطائفيّة. لكنّ الواقع كان يسير في اتّجاهٍ آخر.
فالحقّ أنّ الاحتكاكات الطائفيّة لم تتأخّر عن الحضور في بانياس، ثم في جبلة واللاذقية، فحمص، منذ أسابيع الحراك الأولى. وما بدأ استفزازًا أو تحرّشًا لفظيًّا، سرعان ما تحوّل إلى صدام حين ثارت ثائرةُ “شبيحة” محليّين قرّروا التطوّع بمشوارٍ سريعٍ لتأديب المتمرّدين. وكانت الهويّةُ الطائفيّة للطرفين واضحةً. غير أنّ ذلك “المشوار” طال كثيرًا، وبعضُهم لم يرجعْ منه، وما كان نزاعَ قرًى متجاورةٍ (أو أحياء “متعايشة”) تحوّل إلى صراعٍ دمويٍّ شرسٍ رفع الغطاءَ عن شرخٍ وطنيٍّ عميقٍ تزداد هوّتُه غورًا وخطورةً يومًا بعد يوم. أمّا ما كان مناكفةً كلاميّةً محدودةً بين السوريّين، فقد صار موضوعَ حديث وزير خارجيّة روسيا، سيرغي لاڤروف، حين برّر دعم بلاده لنظام الأسد بخشيتها من قيام “نظامٍ سنيٍّ”3 قد يضطهد الأقليّات.
وتصاعدت الحدّةُ الطائفيّة بشكلٍ غير مسبوق. فمن جهة، عمل النظام على رصِّ صفوف الطائفة العلويّة حوله، مستغلًّا مخاوفَ تاريخيّةً وأساطيرَ شفويّةً عن مستقبلٍ مظلمٍ ينتظرها، تلاقي فيه “الذبح،” الأمرُ الذي حرّض استجاباتٍ هيستيريّةً تفسّر كثيرًا ممّا نشاهده اليوم من قسوةٍ مفرطةٍ و”ذبحٍ استباقيّ.” كما حاول استثارة مخاوفَ تقليديّةٍ أقلّ حدّةً عند الدروز والمسيحيّين والإسماعيليّين، وتقديم نفسه ــ برسائلَ مضمرةٍ ــ حاميًا للأقليّات، فنجح بنسبٍ متفاوتة. أما لمؤيّديه السنّة فقد قدّم روايته الرسميّة عن الأحداث من دون كبير اهتمام.
ومن الجهة الأخرى، كان تحوّلُ الحراك السوريّ المحدود ذي الملمح النخبويّ إلى ثورةٍ شعبيّةٍ قد غيّر من طبيعته كثيرًا. وكانت القاعدة المتوسّعة كلَّ يوم، بدخول قرًى وبلداتٍ وأحياءٍ ومدنٍ إلى قائمة المحتجّين، تضغط باطّرادٍ على الواجهة السياسيّة للثورة، وبدأ أصحابُ ربطات العنق يفقدون مركزيّتهم لصالح قادة ميدانيّين. وبدأت الجماهير تفرض خطابَها، الذي كان الحسُّ الطائفيُّ إحدى أبرز سماته، ولكنّ الياقات البيض تجاهلتْه أو تستّرتْ عليه حفاظًا على صورةٍ رومانسيّةٍ للثورة تحاول تسويقها لدى المسؤولين الغربيّين.
لقد باتت المؤشّرات على تنامي الحسّ الطائفيّ لدى الثائرين كثيرةً جدًّا. ففضلًا عن التقارير الصحفيّة الأجنبيّة التي يتّهمها بعضُنا بالبحث عن الإثارة وتنميط الشرقيّين، فإنّ تقاريرَ متّزنةً لمراكز أبحاثٍ مرموقة، وحصائل جهودٍ استخباريّةٍ تتسرّب من هنا أو هناك، علاوةً على المعاينات المباشرة، تُجْمع على بروز حسٍّ طائفيٍّ سنّيٍّ عارمٍ لدى الثوّار. وأول ما يُلاحظ هنا هو أنّ هذا الحسّ موجّهٌ إلى العلويّين والشيعة الجعفريّين، لا إلى الأقليّة الإسماعيليّين التي نأت بنفسها عمليًّا عن “طرفي” النزاع كلّما ازدادت حدّته. فتاريخُها الطويلُ مع السنّة لا يشجّعها على الوقوف إلى جانبهم في ما صار يبدو ــ بصورةٍ متعاظمةٍ ــ أنّه ثورتهم الخاصّة؛ وتاريخُها القريبُ من الصراع مع العلويّين لا يدفعها إلى الوقوف معهم في ما بات يبدو ــ يومًا بعد يوم ــ أنه محرقتهم الخاصّة. أمّا الدروز فقد انكفأ قسمٌ كبيرٌ من شارعهم التقليديِّ عن خطابيّةٍ وطنيّةٍ متذمّرةٍ من السلطة، إلى مواقعَ طائفيّةٍ يراودها رُهابُ السنّة، سمحتْ للنظام بأن ينظّمَ في صفوفهم لجانًا شعبيّةً (شبّيحة) تولّت قمعَ مظاهراتٍ قام بها دروزٌ في السويداء وجوارها. وما لم يقم هؤلاء الشبّيحة المحليّون بالاحتكاك بجوارهم من المناطق “السنّيّة” الثائرة ــ كما حصل أحيانًا في ريف دمشق ــ فلا خطاب طائفيًّا واضحًا ضدَّ الدروز في أوساط الثوّار.
تقودنا هذه الملاحظةُ إلى تحديد ملمحٍ أساسيٍّ للطائفيّة في الحراك السوريّ، وهو أنّها طائفيّةُ صراعٍ أرضيٍّ واقعيّ. وسيفيد هنا أن نميّز بين ثلاثة أنواعٍ من هذه الطائفيّة:
أولاً ـ طائفيّة سياسيّة محليّة، يعبّر عنها التقابلُ ،السنّيّ/ العلويّ،. وهي طائفيّةٌ تجد جذورَها في سنين طويلةٍ من التمييز الذي مارسه النظام، الذي كان أغلبُ رجالاته الفاعلين من العلويّين، وما تبع ذلك من حيازة أقرباء هؤلاء ومعارفهم قسطًا من النفوذ والسلطة، في بلدٍ يعدُّ النفوذ فيه مرادفًا للقدرة على حفظ الكرامة، فضلاً عن أفضليّة النفاذ إلى سبل العيش (من أقلِّ الوظائف الحكوميّة شأنًا إلى صفقات الفساد الكبيرة).
يستند هذا النمط من الطائفيّة إلى تراثٍ متبادلٍ من الحذر أو الكره، تناوب عليه السنّةُ والعلويّون تاريخيًّا في مناطق التماس الطبيعيّة، أي القرى المتجاورة على الشريط الساحليِّ الممتدِّ إلى أرياف حمص وحماة. ولكنّه شهد تبدّلًا في خطّه الجغرافيّ بانتقال العلويّين من السكن في قراهم إلى تأسيس أحياء في مدن الساحل وحمص، مع تقدّم وسائطِ النقل، وموجةِ الهجرة العالميّة من الأرياف إلى المدن بحثًا عن متع الحياة الحديثة، وبالتوازي مع انخراطهم في الحياة العامّة السوريّة وعلى صعيد الوظائف الحكوميّة. ولقد كان لهذا الانخراط أن يؤدّي وظيفته الإدماجيّة، أو أن يقف عند حدودِ النفورِ المتبادل بين أهل المدن والمهاجرين إليها من الأرياف (ولاسيّما عندما تكون هذه المدن “سنّيّةً” محافظةً، ويكون القادمون إليها مختلفين عنها في قضايا وسلوكاتٍ اجتماعيّةٍ تراها مركزيّةً مثل عدم التزام النساء بالحجابِ وشيوع تعاطي المشروبات الكحوليّة)، لولا السلطة وطريقة ممارستها. فالسلطة هي التي صعّدت الأمور إلى حال من الصراع الخفيّ؛ بالإضافة إلى أنّها نقلتْه معها إلى دمشق، مركزِ النفوذ والعمل والثروة.
في عاصمة الأمويّين سكن ضبّاطٌ كبارٌ في أحياءٍ غنيّةٍ كانت حكرًا على عائلات وجيهة، ونشأت أحياءٌ نظاميّةٌ وأخرى مخالفةٌ كانت تستوعب المهاجرين الجدد من دون رقابةٍ عمرانيّةٍ تُذكر. وفي ريفها توسّعت الثكناتُ عبر استملاك أراضٍ زراعيّةٍ بقوّة القانون الاشتراكيّ، كما أقيمت تجمّعاتٌ سكنيّةٌ لصغار الضباط ومتوسّطيهم. وفي سوق العمل كانت المنافسةُ تنتهي لصالح الوافدين الجدد، أو بمحاصصةٍ إلزاميّةٍ يضطرُّ إليها التاجر الدمشقيُّ الشهير.
ولكن خلافًا لتقدير شائع، لم يؤدِّ الاحتكاكُ والتعارف إلى الانفتاح، بل إلى مزيدٍ من الانكماش والعداء المكظوم في خطوط التماسّ المستجدّة. وبخلاف تقديرٍ شائعٍ آخر، فإنّ هذا النمط من الطائفيّة ليس مرتبطًا بالدين بالضرورة، بل قد ينتظم في صفوفه غيرُ متديّنين، أو علمانيّون، أو ملحدون؛ وقد يضمُّ مثقفين وإعلاميّين قادتهم تجاربُ شخصيّةٌ إليه، ومسؤولين سنّةً سابقين أو حاليّين.. إلخ. إنّه صراعٌ أرضيٌّ إثنيٌّ بين جماعتين على موارد النفوذ والسلطة والثروة، ولذلك فهو موجّهٌ إلى الجماعة المستأثِرة بها. وقد يتعدّى هذا النمطُ من الطائفيّة العلويّين إلى أبناء أقليّاتٍ أخرى، كالدروز والإسماعيليّين، بوصفهم ـ في نظر كثيرٍ من السنّة ـ شركاءَ ثانويّين في سلطة الأقليّات التي صعدتْ مع حكم البعث منذ 1963؛ لكنّه قد يضمُّ دروزًا وإسماعيليّين بسبب هذه “الثانويّة” نفسها.
حين قامت الثورة، كانت مناطقُ التماسّ هذه، الأصليّة والمستجدّة، تربة خصبة لمعاداة النظام بوصفه “نظامًا علويًّا،” فشاركتْ بشكلٍ فاعلٍ فيها (بانياس، حمص، أقسام من ريفيْ دمشق واللاذقية)، أو عانت ضبطًا أمنيًّا شديدًا لمنعها من الحركة (اللاذقية وطرطوس وجبلة ودمشق). أما عمومُ العلويّين فاعتبروا الأحداثَ خطرًا يتهدّد وجودهم، لا وجودَ النظام، فأسهموا ــ حيث وُجدوا ــ بقسطٍ وافرٍ من أعمال التشبيح، بل كانوا يأخذون على النظام “رخاوته” قبل لجوئه في الأشهر الأخيرة إلى “الحسم” مستخدمًا أشدَّ أنواع القوة الحربيّة فتكًا.
بالطبع، حاول عددٌ قليلٌ جدًّا من المثقفين والناشطين العلويّين أن يقفوا في وجه هذا التيّار العاصف، لكنّ جهودهم ذهبتْ أدراج الرياح. وفضلاً عن دخولهم المعتقلات، لاشتراكهم في نشاطاتٍ معارضة، فقد عانى بعضهم نبذًا اجتماعيًّا ربما شارك فيه أفرادُ أسرته الأقربون، بوصفه خائنًا وحليفًا للذبّيحة.4 أما رسائل “التطمين” التي دأب معارضون على توجيهها إلى “الطائفة الكريمة” فكان مصيرها سلّة مهملات الذهن، بوصفها محاولةً ماكرةً للاستدراج.
هذا الموقف المتصلّب والدمويّ أعاد تفعيل طائفيّةٍ سنّيّةٍ مؤسّسةٍ على عقودٍ طويلةٍ من التمييز، وأدخل فيها أفرادًا لم يكونوا يأبهون لها بشكلٍ جدّيٍّ، وحمّلها بالرغبات الثأريّة التي تتعاظم كلما تزايد الدمُ. وشيئًا فشيئًا، صار أحدُ الشعارات الرئيسة للثورة، وهو هتاف “واحد واحد واحد، الدم السوري واحد،” يخبو، ليتقدّمَ شعار “الدم السنّي واحد” الذي رفعتْه إحدى القنوات المتخصّصة بالسجال مع الشيعة.
،ثانيًا ـ طائفيّة سياسيّة إقليميّة، يعبّرَ عنها التقابل السنّيّ/ الشيعيّ. وهي ضعيفةُ الجذور في سوريا الحديثة، بحكم ندرة وجود الشيعة (الجعفريّة، الاثنيْ عشريّة) واقتصاره على قرًى متناثرةٍ في محافظاتٍ مختلفة. على أنّ “استيراد” هذا النمط من الطائفيّة يرجع إلى الحرب العراقيّة الإيرانيّة: إذ عندما أيّد الرئيس حافظ الأسد الطرفَ الإيرانيَّ في هذا النزاع، بدا الموقفُ غريبًا لعموم السوريّين، ولاسيّما في المناطق الشرقيّة من سورية، حيث ترتبط العشائرُ والعائلاتُ بصلاتِ قربى مع العراقيين، ويجد كثيرٌ من السوريّين في صدّام حسين بطلَهم ضدَّ “الفرس المجوس.”
وكان لأجهزة الأمن السوريّة شبهاتٌ خاصّةٌ بكلِّ منطقة، وكانت تهمة الانتماء إلى البعث العراقيِّ أشيعَ التهم في مدينة دير الزور وما يتبع لها، وفي عموم المنطقة الشرقيّة. ولكنّ صدّام حسين أُعدم، بعد أن تعرّض لخيانة حلفاء إيران الذين تواطؤوا مع الأميركيّين. وكان على الأجهزة نفسها أن تديرَ تدخّلها في العراق من هذه المناطق، التي صارت باحةً خلفيّةً للمقاومين العراقيّين، البعثيّين والإسلاميّين، واتقدت فيها المشاعرُ ضدَّ الشيعة، وامتدّت إلى حيث قَدِم متطوّعون سوريّون، من أرياف حلب وإدلب وسواها؛ وعندما عاد هؤلاء، أو قسمٌ منهم، شكّل كلٌّ منهم محورَ بثٍّ ؟؟؟ مستقلٍّ ضدّ الشيعة.
ورغم صعود نجم حزب الله وأمينه العامّ في سورية، ولاسيّما في حرب تمّوز 2006، فقد كان لموقفه من الثورة السوريّة أثرٌ مدوٍّ أطاح شعبيّته بأسرع ممّا صعدتْ. وتنفّس من كانوا “يعرفون حقيقة الشيعة” الصعداء: فها هي أعلامُ حزب الله تُحرق في المدن السوريّة؛ وها هي إيران تُفرط في دعمها للنظام بشكلٍ استفزّ أكثرَ المعارضين اعتدالًا؛ وها هم السوريّون يشتمون حكومةَ نوري المالكي؛ وها هي القنواتُ السوريّة المعارضة مترعةٌ باتصالاتِ السنّة العرب، الذين يتضامنون مع “إخوانهم” السوريّين ضدّ العلويّين، “رأسِ حربة المشروع الصفويّ.”
ثالثًا – طائفيّة ذات مرجعيّة دينيّة، ويمكن التعبير عنها بالتقابل السنّيّ/ الرافضيّ. هذه هي الطائفيّة “الصلبة” إذا صحّ التعبير، وليست لها بيئاتٌ جغرافيّةٌ محدّدة بل بيئاتٌ ثقافيّةٌ خاصّةٌ، هي البيئات السلفيّة. ولقد كان التضييق شديدًا على السلفيّين في سورية طوال العقود الماضية، ولكنّ الأشهر الطويلة من عمر الثورة فتحت البلادَ المسوّرة برجال الأمن لكلّ أنواع التأثيرات، ومنها التيار السلفيّ، فسارع إلى نثرِ بذرته التي أنبتتْ بسرعةٍ قياسيّة و”تعرعرت” (نسبةً إلى العرعور).
فالشيخ عدنان العرعور هو أشدُّ رجال سورية “الجديدة” إشكاليّةً؛ إذ يجمع بين سلفيّةٍ شعبيّةٍ ذات خطابٍ مبسّط، وحسٍّ عمليٍّ واضح. وبين هذا وذاك تتناوب مواقفُه الطائفيّة بين مدّ اليد لـ”العلويّين الشرفاء” الذين يؤيّدون الثورة، وبين إدانةٍ مبدئيّةٍ للشيعة والعلويّين نتيجةً لتمرّسه في مساجلة الأولين عبر مناظراتٍ تلفزيونيّةٍ، ونتيجةً لمعايشته البعد الطائفيَّ في أحداث الثمانينيّات السوريّة، ولاسيّما في مدينته حماة، التي تعرّضتْ لأشدِّ أنواع القمع الدمويّ عام 1982.
وللعرعور شعبيّةٌ واسعةٌ في أوساط الثورة، رغم أنّه يثير أشدَّ أنواع النفور عند عددٍ من سياسيّي المعارضة ومثقفيها وناشطين في حراكها العلمانيّ والمدنيّ. ولم يخفّفْ من هذه الشعبيّة سوى انتقال جمهوره من القول إلى الفعل، وانشدادِهم إلى نموذج يمارس أمامهم ما يكتفي الشيخُ التلفزيونيّ بالحضّ عليه: نموذج القائد والمقاتل الميدانيّ، ولاسيّما الذي يجمع بين التديّن والشراسة في قتال النظام؛ نموذج “المجاهد.”
يعنينا هنا من المقاتلين الكثر تجمّعاتٌ تفصح عن هويّتها السلفيّة، أبرزها “جبهة النصرة،” وهي الأقرب إلى تنظيم القاعدة في نسخته العراقيّة التي عرفتْ تركيزًا كبيرًا على الجانب الطائفيّ (بخلاف التنظيم الأمّ الذي نظر إلى الصراع وفق سلّم أولويّاتٍ مختلفٍ). تنتشر الجبهةُ في عدة مدن سورية. ورغم قلّة أفرادها قياسًا إلى إجماليّ المقاتلين، فإنَّ عمليّاتها الموجعة ضدّ النظام أورثتْها مكانة النخبة بين المقاتلين، الأمر الذي قد يرشّح هذه الجبهةَ للتنامي، أو للتأثير في سواها من التجمّعات، كحال “كتائب أحرار الشام.”5
وتحمل أفكارَ السلفيّة جماعاتٌ أخرى، مثل “لواء الإسلام” الذي ينتشر في دمشق وريفها. أسّسه الشيخ زهران علّوش، المتحدّر من عائلةٍ سلفيّةٍ في مدينة دوما التي كانت من أبكر مواطن الاحتجاجات. ولهذا اللواء لجنةٌ شرعيّةٌ تتلقّى الاستفسارات عن شؤون القتال الدائر، عبر صفحتها على الفايسبوك.6 وقد أثارت فتواها بجواز استهدافِ نساء الخصوم وأولادهم، إذا لم يمكن الوصول إلى خصومهم إلّا معهم، مخاوفَ واسعةً.

من الواضح أنّ هذه الأنماط الثلاثة من الخطاب الطائفيِّ متداخلةٌ ومترافدةٌ الآن في مزيجٍ انفجاريّ. غير أنّ التمييزَ بينها وعزلها ربما كانا الطريقَ الوحيد إلى الحلّ، الذي يبدو الآن شديدَ الصعوبة أو شبه مستحيل. فإذا كان منطلق النمطين الأوّليْن سياسيًّا، فإنّ أداءً سياسيًّا ما يمكنه تطويقُهما أو التخفيفُ منهما، مثل انشقاقٍ جديٍّ في الطائفة العلويّة بالنسبة إلى النمط الأول وهو حلم المعارضين السوريّين منذ قيام الثورة. ورغم أن هذا الحلَّ يزداد بُعدًا بارتفاع فاتورة الدم والوالغين فيه، فإنّه لا يزال يبدو الحلَّ الوحيد لتجنّب حربٍ أهليّةٍ لا تبقي ولا تذر.
ومن شأن موقفٍ جادٍّ تتخذه قطاعاتٌ شيعيّةٌ واسعةٌ في تأييد الثورة السوريّة أن يفكّك النمط الثاني من الطائفيّة الذي بات يَنظر إلى الشيعة ككتلةٍ صلدةٍ واحدةٍ معادية. هذا رغم أصواتٍ قليلةٍ لبعض رموز الشيعة، وصل أحدُها، وهو المرجع الدينيُّ العراقيُّ آية الله السيد محمود الصرخي، إلى حدِّ التصريح بأنّ هتاف المتظاهرين السوريّين “الموت ولا المذلّة” هو تجسيدٌ واقعيٌّ حيٌّ لشعار الإمام الحسين في كربلاء “هيهات منّا الذلّة.”7 ولكن هذه الأصوات ظلّت قليلة التأثير في الشارع الشيعيّ العريض، ولاسيّما أنّها جاءت من رجال دينٍ عرب هم على خلافٍ أصليٍّ مع مرجعيّة قم وإيران وامتداداتها الإقليميّة. وهنا تقع مسؤوليّةٌ تاريخيّةٌ على عاتق المعارضة الإصلاحيّة الإيرانيّة، التي ظلّت مواقفُها خافتةً في هذه المسألة، وهي تَرْقب تعرّض السوريّين للعنفِ المنفلت من عقاله بدعمٍ من الحكومة، التي اضطهدتهم عام 2009 وتهدّد الآن بجرّ بلدهم وراء النظام السوريّ إلى حربٍ إقليميّة.
أما النمط الثالث من الطائفيّة، فلا “حلّ” جديًّا له إلا بتوقّف السياسة عن مدّه بالأدلّة على صدق رؤيته. أي إنّ الحلولَ المطلوبة لأجل النمطين السابقين ستخفّف من المصداقيّة المتصاعدةِ التي بات يحظى بها هذا الخطابُ. وفي حال توافر الحلول السياسيّة التي ستنزع فتيل الانفجار، فإنّ الذين سيظلون مقتنعين بهذا الخطاب يجب أن يُحال بينهم وبين أن يتحوّلوا إلى الفعل، فلا يتعدّوا على الأرواح أو الممتلكات، بل أن يبقوا ضمن حدود القانون في سوريا الجديدة (؟)، التي يجب أن تتعايش مع وجودهم كما تتعايش المجتمعاتُ المعاصرةُ ما بعد الحديثة مع نزوعاتٍ مماثلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *