سوريا.. حيث اجتمعوا على «الربيع العربي»

April 1, 2015
By

 بقلم:حبيب عيسى:

لعل السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هذه الأيام هو: لماذا اجتمعت إرادات قوى العدوان الخارجية والداخلية، صاحبة المصلحة الحقيقية في وأد ثورة «الربيع العربي»، على مواجهة هذه الثورة ومحاولة دفنها في سوريا تحديداً، برغم ما بينها من صراعات جوهرية، حتى لو أدى ذلك إلى دفن سوريا وشعبها في الطريق إلى ذلك؟!
أعرف أولاً أن الإجابات تتعدد وتتناقض على هذا السؤال. بل لعل البعض يستنكر السؤال من الأساس، ويرفض مصطلح «ثورة الربيع العربي» أصلاً، وكأن ويلات الخريف العربي ومآسيه على امتداد النصف قرن الأخير لا تستدعي ربيعاً، ولا تستدعي ثورة.
ما يثير الأسى والأسف أن بعض الذين حرر «الربيع» ألسنتهم من الخرس القمعي على مدى عقود، لم يميزوا بين ثورة هبت رياحها لتعصف بالأنظمة الاستبدادية الفاسدة، وبين المؤامرة على «الربيع العربي» لاختراقه وحرفه عن مساره، بإيقاظ الفتن النائمة التي تورمت تحت مظلة الاستبداد، بعد تغيّيب قيم العدالة والمواطنة والحرية والمساواة، ومن ثم إعلان الحرب الكونية على «الربيع» باعتباره إرهاباً يهدد الإنسانية جمعاء. ويُستغرب نفي البعض الحاجة أساساً إلى ثورة على سياسات نجحت منذ نصف قرن في إجهاض مشروع النهوض والتحرر والتقدم العربي، وعلى أنظمة فسدت وأفسدت، ودمرت نسيج مجتمعاتها، وحققت بالقمع ما عجزت عن تحقيقه جيوش الاستعمار المباشر، وعصابات المستعمرات الصهيونية.
هناك من يتباكى اليوم على «أيام العز» والاستقرار والنعيم الذي كان سائداً قبل دعوات التغيير. فالفساد، كما ينافق هؤلاء، لم يكن مستشرياً، والصفقات مع الصهاينة لم تحدث. وما «كامب ديفيد» و«وادي عربة» و«أوسلو» ومبادرات التسوية مع الجانب الإسرائيلي إلا انتصارات وتحرير. وما الأنظمة الاستبدادية إلا واحات حرية. وما الفساد والمحسوبيات ونهب الثروات الوطنية إلا انفتاح وحضارة. وما القمع وانتهاك الحريات الأساسية للمواطنين وتجريم النشاط السياسي، إلا من دواعي تحقيق الاستقرار ومواجهة «المؤامرات» الخارجية وصيانة «هيبة» الدولة. إذا كان الأمر كذلك من وجهة نظر هذه الأبواق، أليس من حقها اعتبار الثورة على ذلك كله، مؤامرة كونية؟
ليس من حق أحد ادعاء احتكار الإجابة على هذه الأسئلة ومثيلاتها. لكننا، حتى نخرج من متاهات التضليل الإعلامي، لا بد أن نضيء على القضايا الأساسية التي يُراد تغييبها قسراً، ليس بهدف إجهاض «الربيع العربي» فحسب، إنما لقطع الطريق على الحلم بأي «ربيع» قادم، لمدى غير محدد من الزمن.
منذ البداية، لم يكن لهذا الربيع أن يقوم مجتزأ. فإما أن يكون عربياً، أو لا يكون ربيعاً على الإطلاق. وإما أن ينتصر بين المحيط والخليج، أو أن يُهزم بينهما. إذ إن قضاياه الأساسية واحدة، برغم اختلاف الظروف التي تحيط به في هذه الدولة وتلك.
ولم يكن اختيار سوريا لضرب «الربيع العربي» من قبيل الصدفة، ولا كان تشكّل تحالفات وصفقات دولية وإقليمية لتفجير التورمات السرطانية الداخلية التي راكمها الاستبداد المديد. ذلك أن دور سوريا النهضوي، يعتمد على صلابة نسيجها الاجتماعي والوطني. فعلى مدى قرون، كانت ساحة تلاحم بين الجماعات البشرية التي اختصت بهذه الأرض، واستنفدت خلال رحلة تطورها علاقات وأعرافا وصراعات وعصبويات ما قبل المواطنة. وقد استمر ذلك وتعزز في «دولة سوريا» الراهنة، برغم اقتطاعها من محيطها العربي الأكبر. فتداعى المواطنون فيها لنسج علاقات تحكمها قيم المواطنة العادلة، وأفشلوا بذلك مشاريع تقسيمية قامت على فكرة إقامة كانتونات طائفية ومذهبية وإثنية. وقد توافقوا واختلفوا في المواقف من القضايا السياسية المطروحة، لكن بصفتهم كمواطنين، لا بصفتهم قبائل وعشائر ومذاهب وإثنيات. وبموجب ذلك شكلوا حركات وأحزابا سياسية امتد نشاطها إلى خارج حدود «الدولة الفعلية»، لتشمل مواطنين عربا يعتبرونهم امتداداً لهم، وإلى وطن عربي يعتبرونه حاضنتهم، فطالب بعضهم بوحدة سوريا الطبيعية، واستقر بعضهم في أحزاب تطالب بدولة عربية بين المحيط والخليج، بينما رأى آخرون في اليسار العالمي تعريفاً لهم وتعبيراً عنهم.
على أن السؤال الذي يبقى معلّقاً: هل خشية أعداء الوطن العربي الكبير من انطلاقة رياح التغيير في سوريا في مكانها؟ وهل سينبض «قلب العروبة» بعد كل هذه الحرائق وهذا الدمار، بقيم الحرية والكرامة والنهوض والعدالة والمساواة؟
ثمة ما يدعو المرء إلى التمسك بالأمل، برغم كل هذا الخراب الكبير!

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • من الجمهورية الى الجملوكية الى المملكة أو المهلكة !

    بقلم:نبيهة حنا لايمكن للاستبداد مهما  اشتد أن يقضي كليا على ارادة الانسان  , الاستبداد   يكبت هذه الارادة  ويعيقها  ويسيطر عليها  , الا أنه لايستطيع قتلها  دون  قتل  صاحبها  , والأسدية […]

  • Syria: The ‘Sick Man’ of the Arab World

    It has been almost a year since the beginning of the revolution. The [Syrian] system reckoned that Syria would remain untouched by the Arab upheavals. The authorities read the power […]

  • حتى ولو انشق بشار الأسد!

    دخلت الثورة السورية متاهات الرعب، والدمار المخطط، الثوار يدافعون عن الوطن، وجوده، وكرامته، يواجهون الخطط التي ترسم في الاروقة السياسية العالمية، والتي تتداول وتناقش بشكل مستمر، فالخطوط الساخنة المهتمة بشؤون […]

  • من يحتاج الى حماية ؟الطائفة المسيحية أو السلطة

    في خضم الأزمة السورية , ترتفع شعارات و تسقط أخرى , ومن الشعارات التي ارتفعت , وبدأت الآن بالسقوط , هو شعار حماية النظام للأقليات , وقد أصبحت الأقليات والأكثريات […]

  • ما بعد يبرود وكسب ومقعد سوريا في الجامعة العربية

    بقلم :وليد البني تدخل سوريا مرحلة جديدة مع بدء الهجوم على المناطق الساحلية من قبل بعض فصائل المعارضة،فبعد التدخل الواسع لعصابات حالش في منطقة يبرود، وتمكنها من اجتياحها، كأحد أهم […]