حديث في الطائفية… الكلّ أسهل من البعض

بقلم:ديمة ونوس:

انطلقت الثورة السورية مع شعار: “الشعب السوري ما بينذل”. العبارة تلك تخاطب كل الشعب السوري وليس طائفة بعينها أو منطقة دون الأخرى. ثم جاء هتاف: “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”. وفي العبارة هذه تكريساً لمفهوم وحدة الشعب السوري، عربياً كان أم كردياً، مسيحاً، مسلماً، يهودياً، سنّياً أو علوياً أو درزياً أو اسماعيلياً أو شيعياً. ثم باتت كل منطقة تنادي الأخرى وتؤازرها: “يا درعا، حنا معاكي للموت.. يا حمص، حنا معاكي للموت.. يا إدلب، حنا معاكي للموت.. دير الزور، حنا معاكي للموت…”. ثم لم نسمع أحداً ينادي لطرطوس أو اللاذقية أو أي مدينة علوية أخرى. وليس في ذلك أي عجب. ببساطة، لأن تلك المدن ذات الأغلبية العلوية، لم تنتفض إلا نادراً وبخجل ولم تعايش شبح الموت ولا هدير الطائرات والصواريخ ولا رائحة الكيماوي أو الجثث المتعفنة. هل هذا يعني أن كل سكان تلك المناطق، ينتمون إلى الشبيحة والمرتزقة وجيش النظام أو قوى الدفاع المدني؟

ليس هنالك أسهل من التعميم ومن جرجرة مناطق بأكملها ومدناً بأسرها، بشوارعها وأبنيتها وأعمدة الكهرباء فيها وسكّانها، إلى رقعة واحدة تنمّطهم. ذلك التنميط لا يحتاج إلى كبير جهد ولا إلى عمق تأمل. تفريد الجماعة ومحاسبتها والانتقام منها، لا يحتاج إلى عينين مفتوحتين. برمشة عين لا أكثر، يكتب أحد المعارضين “العلمانيين”: “العلوي الجيد هو العلوي الميت”. أو “كل العلويين مجرمين”. أو “السنّة سيذبحوننا!”. الأمر بسيط! الكل أسهل من البعض. والعلوي الجيد هو من مات! الأرض تضيق وتصبح غير قادرة على استيعاب علوي حيّ! العلوي الشريف، صاحب الضمير الحرّ، الإنساني والمعارض لكل أشكال الظلم، مكانه هو تحت الأرض لا فوقها. أصلاً، لا وجود لهذا العلوي الشريف وصاحب الضمير الحرّ والإنساني والمعارض لكل أشكال الظلم. ليست هذه الصفات سوى أوهام. كل علوي هو موالٍ للنظام إلى الأبد. شبيح إلى الأبد. سيء إلى الأبد. الأبد الأسدي ذاته الذي كبرنا مع شعاراته.

ربما يجدر بمن يريد العودة إلى سورية ألا يتجنّب بعد الآن أحاديث الطائفية. ربما يجدر بالجميع أن يجرّب الكراهية التي طالما تجنّبها تحت شعارات التآخي والمحبة والعيش المشترك والأمة الواحدة واللحمة الوطنية. قائد واحد لأمة واحدة وشعب واحد تحكمه صورة واحدة تحت سماء واحدة وفوق أرض واحدة. الفكرة بحدّ ذاتها مرعبة تبدو لمن يتأملها هكذا. كلّنا واحد بملامح واحدة. أذكر أنني زرت مع والدي بيت صديق له في مدينة حمص. وعندما دخلت إلى بيتهم شعرت بالخوف وأصبت بالارتباك. كان بيتهم نسخة طبق الأصل عن بيتنا في دمشق! نفس العمارة ونفس التقسيم والتوزيع! فقط، يختلف الأثاث قليلاً. إلا أننا جلسنا في صالونهم كأننا نجلس في صالون بيتنا. مطبخهم كمطبخنا. غرفة ابنهم كغرفتي تماماً في نفس المكان وبالحجم ذاته. كانت تلك العمارات العديدة تابعة لـ”مؤسسة الإسكان”. خيالهم كان محصوراً بنموذج واحد يعمّمونه على كل المحافظات!

آن الأوان بعد أربع سنوات، أن يجرّب كثيرون مشاعر أخرى. أن يتخلّوا عن المراوغة والنمائم والاستعارات والعبارات الغائمة. هنالك من يكره العلويين ضمناً، في سرّه. يتمنّى لو يموت كل علوي على هذه الأرض. لو أن الطائفة تمحى من أساسها. لو أنها تصبح كالمدن المنسية في ريف إدلب. أو لو أنها غير موجودة بالأصل. وهناك من يفضّل العلنية والمباشرة فلا يخفي تلك الكراهية. وهو أمر ربما يكون صحياً أكثر. يقول صراحة إن العلويين أنجاس وطائفة ملوثة بالعار، ومغمّسة بالدماء ومصيرها القتل والنفي والإبادة. على العلوي أيضاً أن يمنح فرصة تجريب تلك المشاعر. بالتأكيد هناك من العلويين من يكره أي طائفة أخرى. حتى أنه ربما يكره ملّة أخرى تنحدر من نفس طائفته. لكنه حتى الآن ما يزال مشغولاً بتبرير ذاته وببذل كل طاقاته ليقول: “أنا لست النظام ولست الجندي الذي يقتل سورياً فقط لأنه ينتمي إلى طائفة أخرى. أنا لست شبيحاً. أنا معارض منذ سنوات طويلة. لم أنتظر ثورة كي أنتفض. دفعت الثمن مثلي مثل من عارض ورفض وتمرّد”. وهناك من يقول العكس مفترضاً أن العلويين أخذوا فرصتهم في التعبير عن الكراهية أكثر من غيرهم. ألم يقتلوا شعبهم، ألم يقصفوا تلك القرى والمدن؟ ألم يرموا البراميل فوق رؤوس الأبرياء؟ ألم يمارسوا أقسى أنواع التعذيب والجرائم بحق أطفال ونساء وشباب مدنيين؟ ألم يترغلوا باللهجة العلوية: “بدكن حرية؟”. ألم… ألم… ألم؟ وهناك من العلويين من حوّلته الظروف إلى إنسان كاره لطائفته. إلا أن الطائفة ليست صفة تكتب على الهوية أو في قيد النفوس فقط! الطائفة أيضاً تعني في مكان آخر، البيت والعائلة والأهل والمحيط والانتماء الجغرافي والتاريخي. هل على العلماني أو الملحد أن يكره كل عائلته وكل أهله وكل أصدقائه وكل بيت من بيوت منطقته؟ هل سمعنا حتى اليوم بدولة للعلمانيين أو الملحدين مستقلة عن الدول الأخرى؟ ألا يعيش أصحاب الاعتقادات المختلفة مع بعضهم البعض؟ إلا أنهم لن يطيقوا ذلك العيش المشترك إن لم يعبروا طريق الكراهية تلك، كراهية لا بدّ منها لإعادة صيغة العلاقات إلى مكانها الطبيعي. ليستطيع من يريد أن يحب الآخر أن يحبّه بمعزل عن أي انتماء أو تفريد أو تنميط. على الكراهية أن تأخذ حيّزها ومساحتها وتمتد وتفتك بالشعارات التي لا تخلو من الادّعاء. ثم فليحب من يريد أن يحب وليكره من استساغ الكراهية ووجد فيها أماناً له وسكينة لروحه.

حتى هذا اليوم، هناك من ينظر إلى الكل بحسب طائفته. أكثر من 22 مليون سوري يصنّفون بحسب انتمائهم الطائفي. أعرف شاباً طرد من جامعته لأنه سنّي! وأعرف شعباً بأكلمه يقصف يومياً لأنه سنّي. وأعرف أفراداً ماتوا تحت التعذيب من دون أن يكون لهم أي نشاط سياسي أو حتى سلمي ضد النظام! فقط لأنهم ولدوا سنّة. أعرف أيضاً معارضين علويين، باتوا يلتزمون الصمت من كثرة ما شتموا لأنهم علويين. أعرف أصدقاء لا تنقصهم الثقافة ولا المعرفة ولا العلم، يقيّمون أصدقاءهم بحسب طوائفهم ومللهم. كلنا نعرف وكلنا نسكت أو نردّ على تلك الكراهية بكراهية مضاعفة وبكلمات تفوق حدّتها حدة الصواريخ. لقد صار بعضنا برميلاً يسقط بشكل اعتباطي هنا أو هناك.

يبقى ما يروى عن أن الإنسان يولد في طائفة لا يختارها. وهذا فيه من الصحة ما يحتمل من الخطأ. نولد بالتأكيد في بيوت لا نختارها. أجسادنا تحمل وزر طائفة ما أو دين ما أو إرث ما. إلا أننا لم نولد البارحة فقط. لقد ولدنا قبل عقود من الزمن. وليس الزمن خفيفاً ولا معقّماً ولا حيادياً. ولدنا قبل عقود في بيوت لم نخترها، لكننا حملنا بالتأكيد من بيوتنا ومحيطنا وطوائفنا وأدياننا ما يجعل منا الآن كائنات تشبه البراميل.

حديث في الطائفية… الكلّ أسهل من البعض” comment for

  1. حديث من القلب والعقل أيضا , وليس أروع من الأب الا البنت , شكرا ديما على موضوعية من الصعب تصورها في أيام لاتعرف الا الانسان “البرميل ” المتفجر .
    عندما لايتمكن الانسان من الاصطفاف سياسيا , يصطف في نطاق انتماء آخر تراثي , والتراثي عندنا هو المذهبي , لذلك أصبحت الحياة مذاهب وأصبح الانسان تبعا لذلك طائفي , ونحن نقطف الآن ثمار الطائفية قتلا وتشريدا وبغضا وكرها وحماقة ودجلا ونفاقا وكذبا … غاب العقل السياسي وامتلأ الرأس بالزبالة المذهبية التي افرغت العقل من مضامينه السامية , السوري برميل متفجر وفاجر في نفس الوقت , ثم انه أصبح فارغ العقل أيضا , لا أستثني أحد الكل أصبحوا طائفيون حتى مسيحيي سوريا أصبحوا بفضل رجال دينهم طائفيون , وقد كانوا الأبعد عن الطائفية مقارنة بغيرهم .
    ليس هناك جدوى من كثرة التحليل والتعليل , واضح على أن الأسدية هي سبب هذا الداء , الا أنه , وقد حصل ماحصل , علينا النهوض من المطب الطائفي الذي وقعنا به ..كيف ؟ لا أعرف ! وما هو ثمن هذه الوقعة ؟ أعرف .. الثمن هو تلاشي الدولة السورية وتحول سوريا الى نوع صومالي , ويا ليتنا كأفغانستان , حيث توجد هناك قوات من دول مختلفة تراقب وتخطط وتنفذ وتمنع حدوث الانهيار التام , ياليتنا مستعمرة روسية أو فرنسية أو انكليزية أو أمريكية , أما أن نصبح مستعمرة لولاية الفقيه فهذا أمر لايبشر بالخير , وكأن أمر المريض السوري هو التالي ..وداويها بالتي هي الداء !
    لا أرفض بشار الأسد لأنه علوي , ولو كان كرديا أو سنيا أو قرباطيا لرفضته أيضا , التأويل هو المشكلة , فرفض بشار الأسد سياسيا هو بنظر الحلقة المتحلقة حوله مواز لرفضه لأنه علوي … والوقوع في المطب يتمثل بتفسيرات من هذا النوع , تفسيرات يصر الأسد على تأهيلها وانعاشها وابقائها حية وفعالة , , كونها وسيلة تعبوية تجمع حوله معظم أفراد الطائفة العلوية , لقد كان له ما أراد , ولم يكن للطائفة ما أرادت , الطائفة تريد العيش مع الآخرين وتريد السلام والحياةوالعمل والكرامة , لاتريد أن تصبح برميلا متفجرا ولا تريد أن تموت من أجل شخص , الا أنها للأسف تبرملت ونسائها ترملت , ومستقبلها أصبح محفوف بالمخاطر , حقيقة انها الطائفة التي خسرت الكثير نتيجة أخطاء تاريخية , وقفت حيث يجب أن لاتقف , وتحالفت مع الشيطان حيث ليس لها ان تتحالف , وبالرغم من ذلك على الآخرين أن لايرتكبوا الخطأ ذاته , عليهم أن يقتربوا من العلويين وعليهم ايجاد اطار انتمائي آخر يلغي الانتماء المذهبي , وعندما يحدث ذلك تندثر ثقافة الثأر وتتبخر موجبات الكره والاقصاء , من يريد تهديم البلاد نهائيا علية بممارسة ما مارسه ا معظمم العلويون , وليس لأاحد أي مصلحة بذلك ..علينا تأهيل أنفسنا بعقلية جديدة وذلك لنصبح أهلا للمواطنة وبناء الوطن ..وطننا كان جميلا وشعبنا كان بسيطا ومضيافا وكريما ومتسامحا , ومن القصور السماح لشخص واحد بتدمير وجودنا , لقد ارادها طائفية فانهارت البلاد , ونحن نريد البلاد عامرة لذلك علينا الابتعاد عن الطائفية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *