حول مقابلة بشار الأسد

لم ينس بشار الأسد أن يرسم الابتسامة على وجوهنا كعادته من خلال “فلسفته” وهرطقته بقضايا قد يكون سمعها خلال إقامته في قصر والده، فقد تحدث عن الأواني المستطرقة، التي يتأثر فيها منسوب المياه تبعاً لتوزع الماء فيها، وتكلم عن اللقاح والجرثومة الصغيرة التي قد تقتلنا بالإهمال. وأنكر على مذيع المقابلة كلمة تعايش، إذ لا يؤمن بشار بها ويفضل كلمة تجانس. وتحدث عن سيطرة جيشه الوطني على كل أجزاء سورية وانتقد التمويل الخارجي للمعارضة وارتباطها بالغرب، بينما لم يعرج على ارتباطه هو بالعدو الإيراني وبروسيا لدرجة أن المسؤولين الإيرانيين والروس يصرحون بدلاً منه بينما يختبأ هو في مخدعه ويسجل مقابلته تسجيلاً. وأضحكنا عندما تكلم عن الإرهابيين الذين دمروا مئذنة العمري، إذ على ما يبدو فإن إرهابيي سورية حالة خاصة يقتلون أنفسهم وأبنائهم بصواريخ سكود، ويدمرون مساجدهم التي يصلون فيها ثم يهربون بعد ذلك إلى الزعتري وغيره.
وقد أدهشنا الرجل بفجوره أيضاً. ومم فجر به حديثه عن المهمة الإنسانية التي يقوم بها جيشه، فقد قال إن المهمة الأولى للجيش العربي السوري عند دخوله المدن هي الاهتمام بالجانب الإنساني. ولعمري فإنه لا يوجد بهتان أشد من هذا، فهل صاروخ سكود الذي يدمر المدن فوق ساكنيها يعرف الرحمة ويميز بين الإرهابي والمعتدل، وبين المواطن الشريف والتكفيري. وهل تدمير برزة بالدوشكا والذي ذهب ضحيته العشرات كان إنسانياً، أم قتل أطفال الحولة وأطفال القابون كان مهمة إنسانية لجيش بشار الذي يفاخر به.
ولعل أشد من ذلك فجوراً، حديثه عن صمود الشعب السوري الذي لمسه من خلال زياراته لعائلات الشهداء. صحيح أن الشعب السوري صمد لمدة عامين وهو يقاتل الأسد ومن خلفه العد الإيراني وتآمر الغرب، لكن أن يتحدث بشار عن زياراته لعائلات الشهداء فهذا ما لا يقبله عقل ولا يعبر عنه بيان، فهل سمع أحد عن زيارات قام بها بشار الأسد لعائلات الشهداء في درعا، أو حلب أو حمص أو الرقة، أم أنه يتكلم عن زياراته لجيف جنود حزب الله والعدو الإيراني والشبيحة. وإن كان الأسد صادقاً فليزر اللاجئين في مخيمات النزوح. فليقم مثلاً بزيارة مخيم الزعتري في الأردن وليسأل الناس عن حاجاتهم و سبب نزوحهم فيحل تلك الأزمة ويبطل أسبابها، خاصة وأن الرجل أظهر أنه منتصر لا محالة وأن الأمور كلها بيديه.
كعادته وشبيحته، فقد هدد الأسد دول العالم أن إرهاب جبهة النصرة سيعود بالأذى على مجتمعاتها، تماماً كما فعل أحمد حسون من قبل إذ هدد أوروبا باستشهاديين سوريين في قلب العواصم الغربية. إلا أن بشاراً زاد اليوم على هذا بتهديد الأردن وحذرها من الحريق الذي سيأتي عليها أيضاً.
ولكن إنكاره على الأردن كان عجيباً، فقد أبدى استغرابه من عمّان التي تمنع بندقية من الوصول إلى المقاومة الفلسطينية بينما تدّعي أنه لا تستطيع منع تهريب الأسلحة لثوار درعا. والحقيقة فإن السؤال الأهم والذي لم يطرحه الأسد، لماذا لا تقوم قواته بمنع تهريب السلاح إلى سورية طالما أنه يسيطر على الاوضاع كما يدعي. ثم إن كان الأسد جادّاً في انتقاد موقف الأردن من القضية الفلسطينية، أفلا يحدثنا عن تصريحات مخلوف حول أمن الكيان الصهيوني وعما فعله حافظ الأسد في تل الزعتر، وعن موقفه وأبيه من ياسر عرفات. ليت بشاراً ذكر أن طائراته تقصف مخيمات الفلسطينين ليل نهار، وأنها أزالت مخيم الرمل في اللاذقية من الوجود.
بدا الأسد متناقضاً بشدة مع أن مقابلته مسجلة فكيف لو كانت مباشرة، حديثه عن الفشل في إقناع الناس بوجود المؤامرة، ثم حديثه عن وقوف الشعب السوري خلفه. ثم عودته للحديث عن صعوبة إقناع الناس بوجود القاعدة في سورية. بعد ذلك هاجم الإعلام بشدة وفجأة “سمعت من الإعلام عن مشاركة أردنية في إدخال السلاح”. وقد لفت نظري حديثه عن الشفافية والوضوح وعدم السرية وإرساله مندوباً سرياً إلى الأردن لمناقشة تلك مسألة تهريب السلاح
كثير من النقاط المدهشة التي يمكن أن نتكلم عنها، ولكن باختصار أراد الرجل أن يرفع معنويات شبيحته، ويبين لهم أنه لا يزال موجوداً كرئيس لسورية. ولذلك ترك سؤال التفاؤل لآخر المقابلة حتى يثب في أذهان المشاهدين، ولا شك أنه أحسن بذلك فقد شعرت بالتفاؤل أيضاً. تفاؤل بسقوط وشيك.

Leave a Reply

Your email address will not be published.