آليات الاستبداد في السياسة العربية المعاصرة

March 22, 2013
By

تتميز المجتمعات الشرقية بشكل عام والشرق اوسطية والعربية بشكل خاص, تاريخيا, بالثقافة الابوية التسلطية والاحادية المتجذرة حتى على مستوى الاسرة والفرد. تضرب جذور هذه الثقافة الى عهود ما قبل الاسلام وتتحدر من ثقافة القبائل العربية ومفهوم القبيلة والاسرة فيها. فشيخ القبيلة, حتى يومنا هذا, هو احادي السلطة وله الطاعة العمياء من جميع افراد القبيلة, وهو بمثابة اب لكل افراد القبيلة. وكذلك الأمر بالنسبة لكبير العائلة, فهو الامر الناهي بعائلته, ونفس العلاقة السلطوية تجري بين رب الاسرة وافرادها من زوجة وابناء. وهكذا يتم تشريع سيطرة الاب على العائلة وسيطرة الرجل على المرأة والولد على البنت على مستوى الاسرة. و بهذه الصورة تبنى العلاقة الهرمية التراتبية والتي تقوم على التسلط والخضوع اللاعقلاني والذي يتعارض مع قيم المجتمع المدني واحترام حقوق الانسان.تقول المصادر التاريخية البحثية, بان رفض قبول العربي الخضوع الى اي سلطة سياسية مركزية خارج ثقافة القبيلة الابوية, كان سببا مباشرا لان يلجأ محمد ابن عبدالله الهاشمي لكي يعلن نفسه نبيا مرسلا من عند الله, وعندها فقط استطاع هذا الرسول المعلن ان يوحد ويخضع العرب في الجزيرة العربية لاول مرة تحت سلطته المركزية بدعوى انها سلطة شرعها الله وهي منزلة لا تناقش ابدا, بل تطاع طاعة عمياء. ومن ميزة هذه الشريعة انها حمالة اوجه, ويمكن تفصيل معانيها وتفسيرها لكي تناسب الحاكم السياسي وتضفي القدسية على اعماله وسلطته, وهكذا تمت ولادة الدولة الدينية الاسلامية الاستبدادية الطائفية الاسرية والتي يتوارثها الحكام العرب منذ ذلك الحين و جيل بعد جيل حتى وقتنا الحاضر.
و هكذا اصبح كل زعيم عربي مستبد يستثير عاطفة شعبه ويدعي بـأنه أب لكل شعبه, وكلنا يذكر كيف حاول الرئيس المصري ان يتمسك بالسلطة بدعوى هذه الأبوة.
يقول نعوم تشومسكي : ان استثارة العاطفة بدل الفكر, هي تقنية كلاسيكية تستعمل لتعطيل التحليل المنطقي, وبالتالي الحس النقدي للأشخاص. كما أن استعمال المفردات العاطفية يسمح بالمرور للاوعي حتى يتم زرعه بأفكار, ورغبات, ومخاوف, ونزعات أو سلوكيات.
في هذه المقالة سنحاول تسليط الضوء على التقنيات والآليات والاستراتيجيات, التي يستخدمها المستبدون من الحكام العرب لتطويع شعوبهم وسوقهم كالقطيع تمهيدا لسرقتهم عبر احتكار الاقتصاد الوطني.

الثقافة الشرقية الهابطة هي بيئة طبيعية للاستبداد

خير من يعبر عن الثقافة الشرقية العربية, هي الأمثال المتداولة والمعروفة, وهذه عينة منها: ” انا واخي على ابن عمي, وانا ابن عمي على الغريب”,والمثل: ” انصر اخاك ظالما او مظلوما.”, ” جوّع كلبك يتبعك”، “جَهّلْ شعبَك يتبعك” ,” اليد التي لا تقدر عليها, قبلها وادعي عليها بالكسر”, ” يلي بيتزوج امي, اناديه يا عمي”,” القادم نهلل له , والمغادر نبعص له”. يقول عبد الرحمن الابنودي ” إنسان هذا العصر يا ابنى خوّان, لا يطيعك إلا إن كان عريان وجعان, حاذر يشبع “.
من هذه الامثال المتداولة والتي بلورت شخصيتنا الشرق اوسطية, نجد بان العربي ثقافته هابطة, يؤمن بالقوة ويخنع لها , ويستخدمها بغير حق ضد الاضعف منه حتى ولو كان اخوه او ابن عمه .
سأوجزقصة حقيقية حصلت بالمجتمع السوري: الام تطلقت وعاش الطفل ذو الثلاث سنوات ببيت العائلة الكبير والجامع مع بيت عمه وكان الطفل شعلة من الذكاء منذ صغره, وبسبب خوف امرأة عمه بان يكون ابن سلفتها أذكى وانجح بالحياة من اولادها ذوي الذكاء الاقل من الوسط, اخذت تسئ للطفل نفسيا وجسديا, وعزلته لكي تسهل السيطرة عليه, واحاطته بهالة من الخوف, هذا عدا عن تمزيق كتبه أملا بأن يفشل بدراسته, واطعامه اسوء الطعام, وتلبيسه اسوء الالبسة, وتشويه سمعته بمساعدة اولادها عن طريق وضعه بمواقف معدة مسبقا تسئ للطفل وتشوه سمعته, وذلك للتقليل من وهج ذكائه ونجاحه وصد الناس وابعادهم عنه. وبعد ان توفى والده, وهو في السادسة , سيطرت امرأة عمه على عقله كليا, وحاولت كل محاولة ممكنة لكي تجره الى طريق السوء والجريمة, هذا عدا عن استنفاذه ماديا لكي يبقى كل حياته بدون سند مادي يمكنه من الوقوف على قدميه وحماية نفسه.
سبب سردي لهذه القصة, لاننا سنعرف لاحقا بان هذه التقنيات والاليات التي استخدمتها امرأة حاقدة امية لم تدخل المدرسة قط , ضد طفل منذ ان كان صغيرا و حتى اصبح شابا, هي نفس التقنيات التي يستخدمها المستبدون العرب ضد شعوبهم , اي لكي تكون مستبدا , فلا يتطلب ذلك الأمر كثيرا من الذكاء والعلم والمعرفة,!!
اساتذه الجامعة السوريون والمصريون , الذين كانوا يذهبون اعارة للعمل بجامعات اليمن, كان شعارهم هو التالي:”لكي ابنك يعار , ابقي على اليمني حمار”, اي لا تعلم اليمني لكي تبقى بلده تعتمد على الاعارة وبذلك يتم ضمان العمل في اللمستقبل لولدك أيضا!
, مقارنة بسيطة مع الثقافة الغربية: يعرف الغربي بأن السوق الاكبر بعدد المنتجين والمستهلكين تكون اكثر تنافسية وتعود بالمنفعة على الجميع من منتجين ومستهلكين, وبذلك يزدهر الأقتصاد والعلم والفن وكل شئ بوطنه,وبذلك تكون فلسفة الغربي كالتالي: لكي انجح يجب ان اعمل بجد واجتهاد ويجب ان اتعاون مع الاخر لكي انتج أكثر, ولذلك انا أفتح بلدي للمهاجرين من كل انحاء العالم واتعاون معهم ونتشارك معا بالوطن ونزدهر سويا بكل المجالات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية والسياسية.
علم الاقتصاد يقول: “الغنى والمال يرحل مع رحيل الناس والى اماكن تواجد وتكاثر الناس” اي ان كل مهاجر يترك بلادنا يزيد من فقرنا من حيث لا ندري!

تشجيع الفساد

من التقنيات التي يستخدمها المستبدون لتثبيت حكمهم واطالة عمره, هو تشجيع الناس على الفساد بطرق مباشرة وغير مباشرة , وبذلك يصبح هؤلاء الفاسدون شركاء المستبد بفساده, ومصلحتهم من مصلحته, ويهمهم بان يبقى هذا المستبد بالسلطة الى الابد لكي لايتم الكشف عن فسادهم. فتصبح الحياة مستحيلة بالنسبة لموظفي الدولة من دون ان يسرقوا الدولة نظرا لغلاء المعيشة ولشح الرواتب والاجور. هذا الشح بالرواتب ناتج عن سببين , الاول ان المستبد يخطط لهذه الحالة, والثاني بسبب السرقة والفساد المستشري على كل المستويات.
وبنفس الطريقة, بالنسبة للقطاع الخاص , لا يمكن ان تسير مصالحهم اذا لم يسرقوا الناس مباشرة بسبب الفساد. أي بنهاية الامر يصبح قطاع غير قليل من الشعب فاسد ومشترك مع السلطة بالفساد ومصاحه تتطلب بقاء السلطة واستمرارها.
يقول نعوم تشومسكي ان من استراتيجيات التحكم بالشعوب هو تشجيع الشعب على استحسان الرداءة و تشجيع الشعب على أن يجد أنه من ” الرائع ” أن يكون غبيا, وهمجيا وجاهلا.

حجب المعرفة

اهم تقنية للتحكم بالشعوب هي تجهيل الشعب ,لان الانسان الجاهل تسهل قيادته, فنرى ان المستبدين العرب يفسدون ويهملون المدارس والجامعات والبحث العلمي. بالاضافة الى قطع السبل على المتعلمين واجبارهم وتشجيعهم على الفساد او باحسن الحالات وضعهم في حالة يائسة لكي يهاجروا للعمل ببلدان اخرى. وفي هذا الصدد يقول تشومسكي “: يحاول المستبد على العمل بطريقة يكون خلالها الشعب غير قادر على استيعاب التكنولوجيات والطرق المستعملة للتحكم به واستعباده. ” يجب أن تكون نوعية التعليم المقدم للطبقات السفلى هي النوعية الأفقر, بطريقة تبقى أثرها الهوة المعرفية التي تعزل الطبقات السفلى عن العليا غير مفهومة من قبل الطبقات السفلى” .”
واذا لم تنفع التقنيات السابقة بنهاية الامر, يتم قمع من يعرف ويتم حجب العيش الكريم عن الشرفاء وتشويه سمعتهم لصد الناس عن التعامل معهم وابعادهم عنهم.
يقول يوسف إدريس فى كتابه “أهمية أن نتثقف يا ناس”: ” الثقافةُ هى المعرفةُ الممزوجةُ بالكرامة، فلو كانت الثقافةُ تعنى المعرفةَ فقط، لما اهتاجت السلطة، فماذا يهمها من سابلة الثقافة ورعاعها، إنما الذى يصنع الأزمة الدائمة هى الثقافةُ ذات الكرامة، لها إشعاعُها الخاص، تلمحه فى بريق العيون ووضاءة الجبهة وجلال العقل ونصاعة الموقف، إشعاعٌ يكشفُ الزيفَ ويصارعُ التلفيقَ ويضربُ المخاتلة”.

حجب الحرية والتخويف

لاشك أن البيئة المقيدة والملبدة بالخوف, لا يكون فيها مجال للابداع، لأن الابداع ينمو في فضاء الحرية، أما الخائفون فمشغولون بالتفكير في توفير طرق آمنة لضمان بقائهم على قيد الحياة، والفرار من الموت، وهكذا تموت في الانسان الخائف الكفاءة والعبقرية، وتنحسر فيه المنافسة نحو التقدم، ويدمن الناس على الخضوع، والاكتفاء بما في اليد، ونبذ التجديد والتغيير لأن كل جديد، من وجهة نظره، ينطوي على خوف من الاسوأ، والاستسلام لليأس.
ولابد ان نشير هنا الى تحريض وعاظ السلاطين على السمع والطاعة للحاكم، والتخويف من الخروج عليه, لاقتران طاعة الحاكم بطاعة الله والرسول, وأن الخروج عليه خروج على الله ورسوله. وبهذه الطريقة يتم تسخير وتطويع النص الديني لبسط السيطرة, وزرع الهيبة في المحكومين، بما يجعل الدعوة الى إصلاح السلطة كفرا. وهكذا تصبح السلطة الدينية والسياسية في مأمن, لأن هالة الدين تحفّها من كل أطرافها.
يقول الكواكبي في طبائع الاستبداد: “إني أرى قصر المستبد في كل زمان هو هيكل الخوف عينه، فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدّس، والأقلام هي السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يقدّمون قرابين الخوف، وهو أهم النواميس الطبيعية في الانسان”.
يعقد المفكر السوري ياسين الحافظ مقارنة بين الغرب الديمقراطي والشرق الاستبدادي، في تحليله لثقافة الخوف فيقول: ” في الغرب، كنت أذهل عندما أرى قوة الفرد وجرأته وثقته بنفسه أو تحرره الكلي من مختلف أشكال الخوف! هناك الفرد ديك، هنا الفرد دودة. هناك حبل صرة الإنسان موصول بالألوهة، وهنا حبله مقطوع بتاتاً، بما هو عبد، هناك العنفوان، وهنا الوداعة، هناك بروميثيوثية طاغية، وهنا القناعة وراحة البال، هناك الشك والتساؤل والنقد، وهنا اليقين والتلقين والامتثال. وعندما كنت أتساءل من أين هذه القوة التي للفرد الغربي، كان الجواب يقفز من خلال ملاحظة بسيطة للعيان، دونما حاجة لبحث وراء الأسباب التاريخية والايديولوجية والمجتمعية والسياسية: لأن بلاده كفت عن أن تكون بلاد الخوف. في ديارنا العربية، منذ سنواته الأولى، وربما منذ شهوره الأولى، تتسلط على الفرد أشكال لا تحصى من الخوف: خوف من العائلة، من المعتقد الايماني، من التقليد، من المجتمع، من المدرسة، من الغد، وأخيراً من السلطة الاستبدادية الشرقية. في بلاد الخوف، سرير “بروكوست” ينتظر كل فرد، يتمدد فوقه ولكن لتقطع خصيتاه فيغدو ضحية وديعة مذعنة، حياتها فرار وموتها خلاص.
تقول سوزان جيفرز: أن 90 % مما نخاف منه, ليس له نصيب من الواقع، أي لن يقع، وإنما هي مخاوف متخيّلة.

استغباء الشعب ومعاملته كالاطفال

ومن استراتيجيات الاستبداد استغباء الشعوب ومعاملتهم وكأنهم اطفال. يقول تشومسكي: ” إذا خاطبنا شخصا كما لو كان طفلا في سن الثانية عشر, فستكون لدى هذا الشخص إجابة أو ردة فعل مجردة من الحس النقدي بنفس الدرجة التي ستكون عليها ردة الفعل أو إجابة الطفل ذي ألاثني عشر عاما “.
لذلك السبب نرى المستبدين العرب يمطرون شعوبهم بمصطلحات فارغة مثل: كرامة الامة, محاربة الاستعمار والرجعية والاشتراكية, و وحدة الامة وضرورات المعركة مع اسرائيل، والوحدة الوطنية والاصطفاف ضد مؤامرات الخارج. وتلويث سمعة الوطنيين بتهمة العمالة للخارج، وتهديد الوحدة الداخلية والتآمر مع قوى أجنبية لضرب الاجماع الوطني.
وبهذه الطريقة خلقت الانظمة الشمولية في المشرق مجتمعاً فصامياً لانها ترفع شعاراً وتمارس عكسه، هذه الفصامية انتشرت في ثقافة المجتمع الذي بات شديد الارتباك والتردد.

من هنا نرى بان اليات الاستبداد متجذرة بمجتمعاتنا على مستوى الفرد والاسرة والعائلة والقبيلة .. وهكذا حتى يصل التعميم ليشمل الشرق كله. ولا سبيل لنا للتغيير الا بان نبدأ بالحرية الاقتصادية , والحرية الاقتصادية بدورها تحررنا من باقي القيود, لكي ننطلق للحاق بالركب الحضاري.

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • النقطة المفصلية….

    مقتل مايقارب 120 جندي سوري بشكل ما , يشكل نقطة مفصلية في تطور الأحداث في سورية , بغض النظر عن المسبب لمقتل الجنود , السلطة تتخذ من مقتلهم تبريرا للسير […]

  • باسم الارهاب!!

    فواز طرابلسي: في مطلع الحرب الاهلية اللبنانية، روي ان رفعت الاسد نصح الراحل بيار الجميل، في عزّ شهر العسل الكتائبي – السوري، هذه النصيحة: «ضعْ فلسطين على لسانك وعلِّق المشانق!» […]

  • “زمن الظهور” …لفقر الفكر !

    بقلم:جورج بنا:  حسب المنظور الأسدي , سعيد من ولد عام ١٩٦٣ , ففي هذا العام  بدأ  البعث  بالجلوس  على كراسي السلطة  , وأكثر سعادة  سيكون من ولد يوم الثامن من […]

  • آخر أخبار سانا , لاوجود لمجزرة زملكا !!! اننا نتوهم !

     عودة الى سانا  الساعة الثالثة من صباح يوم 1-7-2012  , ولاوجود لأي خبر من سانا حول  مجزرة زملكا  , بل أخبار  حول العديد من التطورات , حيث   طمأنت سانا […]

  • الثوابت القومية !!من يدفع الثمن ؟؟

    لماذا  الثوابت ؟؟ ومنذ أبن رشد وديكارت  يقال لايوجد ثابت الا العقل , وما يقررهة العقل هو الثابت  مرحليا , وذلك حتى  يقرر العقل  شيئا آخر , والرئيس في خطابه  […]