عمر عزيز وعجز الرثاء

February 19, 2013
By

كيف نرثي عمر عزيز شيخ الشباب الستيني؟ من أين نبدأ وأين نتوقف؟ وهل للرثاء من قيمة سوى مواساة الروح المكلومة؟  في حضور غيابه الطاغي يبدو الرثاء فعلاً أنانياً بحق، مجرد محاولة يائسة للهروب من ألمٍ لا يطاق.
ثلاثة أشهر على اعتقال عمر من منزله من قبل قوات الأمن السوري. ثلاثة أشهر أمضاها أكثر الرجال تفاؤلاً بمستقبل سوريا الحرة في زنازين المخابرات الجوية الصماء. في كل يوم كنا نفتقد ابتسامتك التي لم تفارقك قط، وفي كل يوم كنا نفكر بحبة الضغط التي لا تفارقك أيضاً، هل كنت تتناولها أم لا؟
كيف أمضيت هذه الشهور، قبل أن تنتقل إلى سجن عدرا المركزي، ليخطفك الموت منا هناك؟ لم يعد بإمكاننا أن نعرف. سيُطوى هذا مع رحيلك، كما ستُطوى أحاديثنا التي لم تكتمل حول العدالة الاجتماعية والفلسفة والاقتصاد والأدب. أشياء أخرى كثيرة ستبقى معنا إلى جانب روحك الطيبة، هناك ذكريات اللقاءات الدافئة في دمشق، وكتب مستعارة لم نردها لك، وجعبة لا تنضب من الحكايات. سيبقى معنا أيضاً إيمانك الراسخ بقدرة السوريين على النهوض وبناء دولتهم الجديدة، أنت الذي اختبرت تقلبات الحياة، ولم تبخل علينا نحن الشباب المغرور والمندفع، بتشاركٍ سخي لمعارفك المتنوعة.
في منتصف عقده السادس، كان عمر الأكثر حيوية في مطالعة أحداث الثورة وفي الانخراط في أي جهدٍ من شأنه الإسهام في النهوض بالدولة المقبلة ومؤسساتها. كان من أوائل من تكلم عن أهمية التعليم البديل وضرورة وضع حلول لانقطاع التلاميذ القسري عن مدارسهم، وكان أول من تكلم عن أهمية إنشاء مجالس محلية كخطوة مفصلية لتقدم الثورة. كم كنتَ مُتبصراً وأميناً لكونك مثقفا يا عمر! وكم أشعر بالخجل عندما أستذكر أحاديثك الحماسية في ذلك المقهى الدمشقي وكيف قابلناها مراراً بالإحباط نحن الشباب في أوائل عقدنا الثالث! هو الذي قضى سنوات طويلة يعمل خارج سوريا، قرر أنه باقٍ في دمشق حتى يشهد تتويجها بالحرية، رفض المغادرة هو الذي لم يشكو أبداً من ندرة فرص العمل المغرية في الخارج. أكان حدساً يا عمر أنك ستقضي في مدينتك الأثيرة شهيداً؟ كم هو مبكر ومفجع رحيلك. وكم يشبهك هذا الرحيل! أنت يا من عملت بدأبٍ وصمت، لن تكون حاضراً لتقطف ثمار عملك النبيل. ألم تفعل ذلك مراراً؟ أكان من الضروري تكرار هذا مرة أخرى؟
عندما بلغني رحيلك، خشيتُ التحدث مع عمر وعدي، تكلمنا باقتضاب شديد، كي لا نفضح انكسارنا برحيلك. من سيتحمل الآن نزقنا وقلة حيلتنا في عوالم الفلسفة؟ استرجعتُ رسائلك ومقالاتك القديمة، ونقاشاتك مع عبد الحي السيّد وتعليق ياسين الحاج صالح على النقاش. استعدتُ كلمات عباس بيضون بعد اعتقالك بأيام، أوصانا بأن نلاحقك وأن نعرف أين اقتادوك؟ وحذرنا من مغبة فقدانك هناك؟ أي نبوءة تراجيدية لعباس هذه؟ وأي ذنب سيلاحقنا مدى العمر لأننا لم نفعل شيء لنساعدك، ولم نعرف ماذا حل بك هناك؟
لو تعود يا عمر فأبوح لك بأني مازلت لا أفهم تعقيباتك على كتابات مايكل هاردت وأنطونيو نيغري، ستبتسم كعادتك مُتفهماً. لو تعود لأعترف لك أني في ذلك اليوم في حي الميدان، عندما فشلت كل محاولاتي لثنيك عن القدوم، وكانت قطعان الأمن والشبيحة تحوم وهي  تستعر غضباً، لم أكن أحميك بالادعاء أنك أبي كما قلتُ لك يومها، كنتُ فقط خائفاً كطفل عديم الحيلة، كنت أستمد الثبات منك. لو تعود يا عمر فنكمل المشوار معاً وتبث فينا الحكمة والعزيمة… نعلم أن لا رثاء يليق بك إلا الحرية الكاملة.
لكن… لو تعود يا عمر

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  •  من الجهاد الى  الالحاد !

    سمير صادق: هل  يمكن القول بأن  الاسلاميون  متمحورون  حول الاسلام  بشكل مطلق  ,وفي حياتهم  لاوجود لمحور آخر مواز  أومعارض  للمحور  الاسلامي, فالاسلام  بالنسبة لهم ليس دين  فقط ,انما دنيا ووطن […]

  • الحرب الأهلية الباردة والساخنة

    توجد في سوريا ثوابت لم تتغير في السنة الأخيرة الا كما , فحالة الحرب الأهلية  مستمرة  منذ عام 1963 , وفي شطرها الأول , اي حتى بداية عام 2011 , […]

  • من السقيفة الى كربلاء الى الثورة الاسلامية !

     سمير صادق: لايمكن أن تتطابق كينونة وأهداف حركة سياسية أو اجتماعية ينتمي اليها شخص ما مع كينونة وأهداف وطموحات هذا الشخص بشكل تام , لذلك فانه لكل فرد “مشكلة” مع […]

  • ما الاعتدال وما التطرف في الشأن السوري؟

    تميل المقاربات الخارجية للشأن السوري إلى تصور أن هناك طرفين متصارعين، أحدهما سيء، والآخر سيء أيضاً. وليس المقصود بالخارجية هنا غير السورية، بل أي مقاربة انطباعية، تنظر من بُعد أو […]

  • الأسدية الساقطة منذ نصف قرن ,

    جورج بنا : عندما نقول , سقط الأسد !, سيقولون  انكم ترددون ذلك منذ  أكثر من أربعة سنوات  , وها هو الأسد في قصره باق , ثم يقولون  ما  لايمكن […]