العدالة الانتقالية للضحايا ..ولكن أيضا للمنتهكين

December 7, 2012
By

من حيث المبدأ، سقط النظام السوري منذ اول رصاصة أطلقها في 18 آذار (مارس) 2011 على متظاهرين سلميين خرجوا الى الشارع يهتفون للحرية والإصلاح. واقعياً، ليس من الممكن تحديد إطار زمني لرحيل النظام والتأسيس لمرحلة انتقالية تقود إلى سورية جديدة. ولكن من نافل القول إنه لا يمكن نظاماً قتل أكثر من ثلاثين ألفاً من مواطنيه، تسبب في مقتل آلاف أخرى من جنوده ومؤيديه، اعتقل وعذب مئات الآلاف، هدم البنية التحتية لبلاده ودمر اقتصادها، دمر النسيج الاجتماعي بين العناصر المكونة للأمة، وعزل سورية عن محيطها العربي ومجالها الدولي، أن يستمر في حكم بلده وشعبه.

وبصرف النظر عن النظام الذي سيأتي بعد رحيل النظام الحالي، فإن موضوعة العدالة والمساءلة يجب أن تكون في بال جميع السوريين، عندما ينتقلون من طور الصراع للبقاء ونيل الحرية إلى طور المحاسبة والمساءلة. وتتصدر كل أشكال العدالة والمساءلة قضية العدالة الانتقالية التي أثبتت نجاعتها في شكل متفاوت في عدد كبير من الدول التي شهدت صراعات أهلية مريرة، بخاصة في تشيلي وغواتيمالا وجنوب أفريقيا وبولندا وسيراليون وتيمور الشرقية وأخيراً في المغرب (2004).

وتتجاوز العدالةُ الانتقاليةُ العدالةَ التقليديةَ التي غالباً ما تكون عمياء أو معصوبة العينين، كما يصورها التمثال الإغريقي الشهير، لكنها تختلف عما تم التعارف عليه في الماضي بالعدالة الثورية في أنها عدالة لا تبحث عن الثأر وإنما عن إحقاق الحقيقة. فهي إذاً ليست انتقاماً في أي حال، لكنها أيضاً لا تدير خدها الأيسر حين تلطم على الأيمن.

تقوم العدالة الانتقالية إذاً على إيجاد وسائل خلاقة لمواجهة إرث انتهاكات حقوق الإنسان في إحدى الفترات التي تشهد حكماً ديكتاتورياً أو اقتتالاً أهلياً، لتجاوز تلك الفترة من طريق محاسبة المسؤولين الفعليين والبحث عن الحقيقة والإقرار بالذنب والمصالحة الشاملة. وهي تستند في تحقيق ذلك إلى آليات باتت معروفة ومختبرة في كثير من البلدان والمناطق، منها المحاكمات، سواء كانت محلية أم دولية؛ والبحث عن الحقيقة من جانب الحكومات المنتخبة ديموقراطياً والمجتمع المدني والمنظمات الدولية؛ والإقرار بالجريمة من جانب المنفذين في الدرجات الدنيا بخاصة الذين أُجبِروا على تنفيذ ما ارتكبوه؛ وجبر الضرر من طريق التعويض المادي أو المعنوي؛ والإصلاح المؤسسي، بما في ذلك إصلاح المؤسسة الأمنية؛ وتأسيس ذاكرة جماعية من خلال افتتاح المتاحف وإقامة المناسبات والنصب التذكارية لضحايا تلك الفترة.

وتهدف العدالة الانتقالية إلى إطلاق المصالحة المجتمعية الشاملة، لكي تتمتع الأجيال المقبلة ببيئة اجتماعية وأخلاقية سليمة وغير مشوهة بأحقاد أو مساعٍ للثأر. كما أنها المدخل اللازم لتعزيز النظام الديموقراطي السليم والاعتراف بضحايا الفترة السابقة ولمنع تكرار ما حدث.

في سورية، نجادل في أن مسار العدالة والمساءلة ليس فقط في مصلحة الضحايا المفترضين في جانب الثورة والمعارضة والمدنيين الذين قتلتهم آلة النظام ودمرت بيوتهم، وألقت بهم إلى البطالة والتشرد. إنها أيضاً في مصلحة الشريحة الكبرى من آلة القمع ذاتها، بخاصة تلك التي لم تكن مقتنعة بكل ما ارتكبته من جرائم وأفعال منكرة.

نتذكر في هذا السياق، التجربة التونسية التي لا تزال راهنة في الحقيقة. لقد ساد دائماً اعتقاد إبان حكم طاغية تونس بأن عدد رجال الشرطة التونسية يبلغ مئتي ألف عنصر وضابط. ولكن، تبين بعد سقوط بن علي أن ذلك كان رقماً مبالغاً فيه وأن الرقم الفعلي كان في حدود 50 ألف عنصر شرطة. ويبدو أن المبالغة في الأعداد التقديرية لرجال السلطة ترجع إلى ساعات العمل الطويلة والشروط الصعبة التي كان رجال الشرطة يعملون فيها. وثمة تقارير تقول إن رجال الشرطة كانوا يعملون وسطياً اثنتي عشرة ساعة يومياً، وفي ظروف سيئة جداً، في مقابل راتب أقل من راتب سائق حافلة عامة.

في سورية، لا يمكن الحـــكم بأن كل أفراد الجيش الذين ظلوا تحت قيـــادة النظام أو أفراد الأمن أو أعضاء حزب «البعث» والنـــقابات والمنظمات الموالية لـ «البعث» هم مشاركون فعليون في قمع ثورة السوريين من أجل الديموقراطية والــكرامة ومكافحة الفساد. المفترض بالعدالة الانتقالية أن تتحرى سلسلة إصدار الأوامر ومحاســـبة الذين أصدروا الأوامر بالقتل بالدرجة الأولى، ومن ثم تتنـــاول الأفــراد الآخرين والعـــناصر الذين، وإن شـــاركوا في القمع، فقد فعلوا ذلك تنفيذاً للأوامر أو خوفاً من انتقام قادتهم.

لكن ذلك لا ينطبق على الذين كانوا يتبرعون طوعاً وعن طيب خاطر في قمع الثورة وقتل المدنيين وارتكاب المجازر. كما لا ينطبق على الذين ينتمون إلى معسكر الثورة أو الذين قاتلوا باسمها وارتكبوا جرائم في حق مدنيين أو عذبوا ومثّلوا بجثث موالين للنظام.

إن العدالة الانتقالية هي في مصلحة الذين كانوا جزءاً من النظام، كما هي في مصلحة الضحايا المدنيين والمجتمع بأسره. فتحقيق هذه العدالة قمين بإعادة دمج هؤلاء الأفراد بمجتمعهم، واعترافهم بأفعالهم يساعدهم في إعادة احترامهم لنفسهم، وحتى قبولهم بالعقوبة في حال وقوعها سيمكنهم من التحرر من العبء الهائل الذي سيحملونه إلى آخر العمر. وأخيراً فإن مصالحة حقيقية مع المجتمع ستنهي عقوداً من القمع والاضطهاد والخوف.

يجدر بنا تذكر الرسالة المهمة التي نسبت إلى الزعيم الأفريقي نلسون مانديلا ولم تلق ترحيباً إعلامياً لائقاً، عندما قال إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم.

وأضاف مخاطباً الثوار العرب: «عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون الى هذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائياً، ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم، وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة». وتمنى أخيراً أن يستحضر الثوار قولة النبي محمد الشهيرة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

 

Tags: , , ,

One Response to العدالة الانتقالية للضحايا ..ولكن أيضا للمنتهكين

  1. taleb asmar on December 8, 2012 at 6:38 am

    للعدالة عدة اشكال وعدة تعاريف , لايمكن اخنزال الاجرام الذي حدث في نصف القرن الماضي ببعض الأشخاص , انه نظام كامل يتألف من الصغير والكبير , لذا يجب محاكمة النظام , والنظام له رموز واركان , وهؤلاء يجب ان يتم استجوابهم بكل صبر واستفاضة , وهؤلاء يجب أن يتحدثوا عن السرقات والاأموال والسجون والفوسفور والقنابل الجرثومية وتزوير الاستقتاء وغير ذلك , ويجب ان يتم ذلك بكل تأني , قتل زموز النظام هو من أخف العقزبات , وهو بحد ذاته حيواني وحضاريا مرفوض .. لامعاملة بالمثل ومقولة العين بالعين والسن بالسن مرفوضة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • المثقف كموضة، قواعد جديدة للعبة المثقف‏.

    المثقف كموضة، قواعد جديدة للعبة المثقف‏ نظرا لأهمية الموضوع وحساسيته لدى البعض فقد أثرت عدم ذكر مصدر المادة لئلا “ينقز” أحدنا بسبب مصدر، وربما لموضوعه أيضا، المادة علما أن كاتب […]

  • الخيار بين اللجوء بامتياز , أو زعامة العرب بامتياز!

    حقيقة لايعرف السوري أو العربي  على أي “خازوق” سيجلس , والزعماء العرب كانوا قاطبة “خوازيق” جلست علها الشعوب ,  ونتائج التخوزق مرئية بكل وضوح  , لا تأخر يفوق تأخر العرب […]

  • انحدار الخلق والأخلاق

    رجال الانقاذ يأتون من كل حد وصوب ,الآخر وليس الأخير هو رامي مخلوف , الذي يريد التحول من العمل التجاري الرابح ,الى العمل الخير الخاسر ماديا , هناك منقذ آخر […]

  • العقل المستقيل

    من شاهد ماحدث أمس في أروقة الأمم المتحدة  , وما قاله عنان  ثم ماقاله الأمين العام للأمم المتحدة  عن الوضع السوري , وعن تباشير الحرب الأهلية  وعن المخاطر التي تحيق […]

  • من ثمارهم تعرفونهم

    بقلم:تيسير عمار من يريد التعرف على الأسدية  عليه بالتمعن  بأفعالها  وبأقوالها(من ثماهم تعرفونهم, الانجيل المقدس),ومن الأفعال  الأخيرة  كان   الكيماوي  بشكل استخدامه لقتل البشر اختناقا  , وبشكل الاستسلام لنزعه من […]